إعلان

ما هو مشروع السّعودية للتحوّل قوّة "متعددة الاقتصادات"؟

المصدر: النهار العربي
فاطمة الغول
خطة لتحديث قطاع النقل في السعودية
خطة لتحديث قطاع النقل في السعودية
A+ A-
تشهد المملكة العربية السعودية، ضمن رؤيتها الطموحة لعام 2030، تحوّلات جذرية في قطاعاتها المختلفة، تهدف إلى تحويل اقتصادها ليصبح أكثر حداثة وحيوية وأقل اعتماداً على قطاع النفط، عن طريق تنويع موارده، ما سيؤدي إلى تعدد مصادر عائداتها. ويمكن القول إن انهيار أسعار النفط في السنوات الماضية، وإدراك المملكة عدم ديمومة "الذهب الأسود"، الذي جعل منها عضواً في مجموعة العشرين، وشريكاً اقتصادياً للعديد من الدول الكبرى، كانا من أهم أسباب هذا الانقلاب في سياستها الاقتصادية.

استراتيجية جديدة
بالتوازي مع حراكه السياسي، يركّز ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان على الأهداف الاقتصادية التي تطمح إليها المملكة، فقد أطلق قبل أيام، "الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية"، التي تهدف الى ترسيخ مكانة المملكة مركزاً لوجستياً عالمياً يربط القارات الثلاث، والارتقاء بخدمات النقل ووسائلها كافة، وتعزيز التكامل في منظومة الخدمات اللوجستية وأنماط النقل الحديثة كأهم رافع لمسيرة التنمية الشاملة في المملكة.
 
دمج قطاع الخدمات اللوجستية بوزارة النقل، سيتيح للسعودية إمكاناً أكبر لاستثمار موقعها الجغرافي المتوسط للقارات الثلاث في تنويع اقتصادها، والعمل على تطوير البنى التحتية وإطلاق العديد من المنصات والمناطق اللوجستية في المملكة، كما الإسهام في زيادة  قطاع النقل والخدمات اللوجستية في إجمالي الناتج المحلي والوطني إلى 10%، وزيادة ما يضخه القطاع من إيرادات غير نفطية للميزانية العامة للدولة بنحو 45 مليار ريال سنوياً بحلول عام 2030، مع تغير مسمى الوزارة من وزارة النقل إلى وزارة النقل والخدمات اللوجستية.

دلالات التوقيت
يأتي إطلاق الاستراتيجية في وقت تشهد فيه المنطقة تغيرات سياسية تترافق مع وصول الرئيس الأميركي جو بايدن الى البيت الأبيض، واتباعه سياسة مختلفة عن سلفه دونالد ترامب بالتعاطي مع الملفات الإقليمية خاصة، بالإضافة لانعكاسات وباء كورونا على البلدان كافة، وتأثيره في الاقتصاد مباشرة. كما جاء الدمج بين القطاعين في وقت تشهد فيه السعودية هجمات من الحوثيين على منشآتها النفطية ومطاراتها الدولية، كنوع من إظهار القدرة على تحقيق الأهداف، ليس فقط في أوقات الرخاء، بل خلال الأزمات.
 
ويرى الصحافي والكاتب الاقتصادي السعودي جمال بنون، في تصريح الى "النهار العربي"، أن المملكة عازمة بقوة على عدم الاعتماد على عائدات النفط كمصدر رئيسي للدخل، وتسعى إلى الاعتماد على قطاع الخدمات والسياحة والنقل وغيرها، بما فيها الصناعات العسكرية والمهنية، كموارد دخل جيد، ساعيةً الى الاعتماد على نفسها في العديد من المجالات.

انعكاسات إيجابية
تعمل السعودية بحنكة اقتصادية من خلال تطوير قطاع الخدمات اللوجستية، كونه عصب كل القطاعات الاقتصادية، بما فيها التجارة والصناعة والنقل وغيرها، ويضمن تزويد الشركات بما تحتاجه من أدوات الإنتاج، لإعادة طرحها في الأسواق مجدداً، وهدفه الأساسي تأمين البضائع إلى منطقة التسليم المتفق عليها، ثم تحسين خدمات البيع وكسب رضا العملاء، وبالتالي عندما يصبح هذا القطاع متطوراً سيرتد ذلك إيجاباً على اقتصاد المملكة بقطاعاته كافة. ويفسر هذا الدمج من قبل المملكة بسعيها الى أن تكون دولة تربط بين الشرق والغرب والأسواق الأوروبية، بما يعزز الإيرادات غير النفطية، عبر النقل البري والبحري والجوي.
 
ويوضح الاقتصادي بنون أن "هذا الدمج ينعكس إيجاباً، خصوصاً أن الخدمات اللوجستية تعتمد بالدرجة الأولى على قطاع النقل، بالتالي سيكون هناك نوع من التناغم بين القطاعين، بخاصة في ما يتعلق بالشحن والنقل وسكك الحديد، وربما نلحظ في المستقبل مشاريع قطارات متنوعة، حيث يمكن أن نجد قطارات تربط بين دول الخليج ودول عربية تسهل عملية نقل البضائع وتحركات المسافرين".
 
وبحسب بنون "ستنعكس الاستراتيجية على القطاعات الأخرى، إذ ستساعد في تخفيف نسبة استخدام الوقود للشاحنات الكبيرة التي تستخدم بين المدن السعودية، وتساعد في سرعة وصول البضائع الى المناطق التي تحتاجها وتساعد في تخفيض قيمة السلع، وأيضاً توفير الوقت كثيراً". مضيفاً أن "السعودية لديها خطط خاصة في ما يتعلق بموضوع النقل، إذ يصل عدد المعتمرين الى 30 مليون خلال العام، ما يشكل ضغطاً كبيراً على قطاع النقل والطيران، بالتالي هي بحاجة الى شركات عديدة، ومن الممكن أن نرى في المستقبل القريب تنافساً قوياً ما بين المطارات السعودية والمطارات الأجنبية من حيث المساحة أو عدد الركاب أو السياح القادمين".

صدى سياسي
يشكل تحول الاقتصاد السعودي، الأكبر حجماً في المنطقة، من النفطي إلى اللانفطي، تحديات كبيرة للمملكة وتداعيات على الحياة السياسية، بخاصة أنها بنت نفسها معتمدة على النفط، هذا التحول الذي لم تشهده المملكة منذ تأسيسها، ما قد يؤدي إلى تعاظم قلق منافسيها الإقليميين، واعتبار مثل هذه الاستراتيجيات تهديداً لها ولطموحها.
 
وفي هذا السياق، يؤكد أستاذ الاقتصاد الدولي في جامعة الأعمال والتكنولوجيا د. علي التواتي القرشي، لـ"النهار العربي"، أن "البعد السياسي للاستراتيجية يكمن بتوسط  المملكة مجموعة كبيرة من الدول الكبيرة والصغيرة، والقوية والضعيفة، والغنية والفقيرة. ولا شك في أن تحولها مركز إمداد دولياً وربط سلاسل الإمداد العالمية بها براً وبحراً وجواً سيعززان مكانة المملكة كنسخة مصغرة من نظرية "المركز والأطراف"، وما يترتب عليها من ارتباطات وتبعات. كما يمكن أن يعزز مكانة المملكة مدعومة بدول الخليج في المفاوضات الدولية المتعددة الأطراف، كالمفاوضات مع الاتحاد الأوروبي والصين ومبادرتها الشهيرة الحزام والطريق والتي ستتأثر بها كل دول المنطقة".
 
أما العوائق السياسية أمام هذه الاستراتيجية، بحسب القرشي، فهي "تقبل الأطراف الأخرى في المنطقة الدور السعودي، وقبول التكامل معه، بخاصة أن معظمها مرتبطة بمحاور سياسية واقتصادية محلية ودولية مختلفة، والتغلب على مخاوف دول الخليج الصغيرة من انعكاسات الحجم التي لطالما اشتكت منها، ما يتطلب جهوداً استثنائية لإقناعها بالتكامل والعوائد الاقتصادية الإيجابية على اقتصادياتها. وبالتأكيد مشاركتها بالتخطيط والتنفيذ لتصبح جزءاً من الاستراتيجية لا منافساً لها ومتخوفاً منها، كما أن إيجاد معادلة متوازنة مع إيران وتركيا ومصر مهم جداً، كدول كبيرة تسعى بدورها لربط المنطقة باستراتيجياتها الخاصة، ويمكن أن تتعامل مع الاستراتيجية السعودية كمنافس".
 
ونفى القرشي الأقوال التي تحدثت عن أن هذه الاستراتيجية تعتبر نوعاً من التنافس مع الإمارات، مفسّراً ذلك بأن "المنافسة تتطلب التساوي في الحجم والموارد والموقع والمساحة والسكان وباقي الإمكانات الوطنية. وبالتالي، فإن مقارنتها بأي دولة خليجية هي في الحقيقة مقارنة ظالمة". 
 
أخيراً، يحسب إطلاق استراتيجية النقل والخدمات اللوجستية استثماراً للموقع الجغرافي، الذي تتمع به المملكة، وواحداً من ضمن مشاريع رؤية 2030 التي تصبو إليها، لكن تحقيق هذه الأهداف يتطلب من المملكة في الوقت ذاته جهوداً كبيرة، واستراتيجيات غير تقليدية يقوم جزء منها على التنازل عن مساحة من الاقتصاد للقطاع الخاص، إضافة إلى الاهتمام بالتعليم أكثر، وغير ذلك من البرامج ومشاريع التنمية المجتمعية بالتوازي مع استهداف القطاع الاقتصادي مباشرةً.

 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم