إعلان

اتفاق الصّين وإيران: لِمَ لا يُقلق السّعودية والإمارات؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
وزيرا الخارجية الإيراني محد جواد ظريف والصيني وانغ يي
وزيرا الخارجية الإيراني محد جواد ظريف والصيني وانغ يي
A+ A-

بعد التّوقيع على اتفاق "الشراكة الاستراتيجية" بين الصين وإيران، والذي يستمر لخمسة وعشرين عاماً، طرحت الكاتبة السياسية في موقع "ألمونيتور" سابينا صدّيقي السؤال الآتي: "هل تستطيع الصين موازنة العلاقات بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي؟".

 

تقوم مقاربة الصين لسياستها الخارجية على التبادل التجاري والاستثماريّ مع الدول الأجنبية، والحفاظ على مسافة واحدة من جميع الأطراف، بصرف النظر عن الاختلافات السياسية والعقيديّة. هذا ما يدفع صدّيقي وآخرين إلى التساؤل عن مدى إمكانيّة الصين في موازنة العلاقات بين معسكرين متناقضين. لكنّ السؤال الأكثر دقّة في هذا السياق قد يكون الآتي: هل الصين مهتمّة فعلاً بإيجاد توازن كهذا، أم أنّ علاقتها مع الطرف الثاني، وخصوصاً السعوديّة والإمارات، ستنمو على حساب علاقتها مع إيران؟

 

تضخيم محتمل

أعطي الاتّفاق الأخير بعداً استراتيجيّاً كبيراً، ربّما بسبب الخصومة الحادة بين الولايات المتحدة من جهة، والصين وإيران من جهة أخرى. لكنّ هذه الخصومة أو العداوة غير قادرة على جعل بيجينغ وطهران (إضافة إلى موسكو) حلفاء في مواجهة واشنطن. كذلك، ثمّة مؤشّرات توحي بأنّ هذا البعد مضخّم إعلاميّاً. فالطرفان كانا متردّدين بإعلان تفاصيل عن الاتّفاق. ووصفه وزير الخارجية الصيني وانغ يي بأنّه "خريطة طريق كاملة"، فيما أشاد الصينيّون أيضاً بعلاقاتهم مع السعودية مطلقين عليها صفة "الاستراتيجية". وبينما وقّعت الصين وإيران "اتّفاقهما" في 2021، وقّعته الصين والسعودية سنة 2016.

 

ومن المرجّح أن يكون سبب التباطؤ في التوقيع على الاتّفاق بين بيجينغ وطهران، بالرغم من أنّ المشروع طرحه الرئيس الصينيّ شي جينبينغ خلال زيارته إيران سنة 2016، رغبة إيران بإعطاء فرصة للاستثمارات الغربيّة بعد التوقيع على "خطّة العمل الشاملة المشتركة" في تمّوز 2015. لكنّ فشل هذا الرهان أفقد طهران أوراق القوّة التي تمتّعت بها قبل تجديد علاقتها مع بيجينغ.

 

حجم التبادلات التجارية

التزمت الصين بالعقوبات الأميركيّة على إيران إلى حدّ كبير، إذ على سبيل المثال، انخفضت واردات بيجينغ من النفط الإيرانيّ حوالي 60% بين صيفي 2018 و2019. في الفترة نفسها تقريباً، أصبحت السعودية المصدّر الأوّل للنفط إلى الصين. إضافة إلى المملكة، حلّ كلّ من العراق وعمان والكويت والإمارات في مراتب متقدّمة على إيران (التاسعة عالمياً) من حيث كمّية صادرات النفط إلى العملاق الاقتصاديّ. وفي 2019 أيضاً، حلّت السعودية في المرتبة الثانية على مستوى مورّدي النفط الأسرع نموّاً إلى الصين مع زيادة 35.1% والإمارات في المرتبة الخامسة مع 9.5%، بينما تراجعت إيران إلى المرتبة 15 مع تقلّص حجم صادراتها النفطيّة إليها بحدود 52.9%.

 

بالمقابل، بلغ الحجم الإجماليّ للتجارة بين بيجينغ وطهران في السنة نفسها 20 مليار دولار، مع حلول الصين كأوّل شريك تجاريّ لإيران، غير أنّ الأخيرة ليست حتى في المرتبة الخامسة والعشرين كشريك للصين. وتعدّ الصين أيضاً الشريك التجاريّ الأوّل للسعوديّة حيث وصل إجمالي حجم التجارة بين البلدين إلى أكثر من 78 مليار دولار سنة 2019. والسعوديّة هي الشريك التجاريّ الأوّل للصين في غرب آسيا وأفريقيا، كما أنّها تمتّعت بثاني أسرع سوق للصادرات والواردات بالنسبة إلى بيجينغ بين 2018 و2019. وفي 2018، حلّت السعودية والإمارات في المرتبتين 18 و19 على لائحة أكبر 20 شريكاً تجاريّاً للصين. وعلى صعيد الاستيراد، احتلّت أبو ظبي والرياض المركز 21 و25 على لائحة أكبر 50 مستورداً للسلع الصينيّة، بينما حلّت إيران في المرتبة 38.

 

الاستثمارات

على صعيد الاستثمارات في آسيا، تبدو إيران بعيدة من أن تكون على أولويّات المشاريع الاستثماريّة، أقلّه عند المقارنة مع دول الخليج العربيّ وفي مقدّمتها السعودية والإمارات. ففي 2019، تبوّأت هاتان الدولتان المركزين الثاني والخامس على التوالي في مشاريع البناء الصينية ضمن قارّتي آسيا وأوقيانيا. وفي السنة نفسها، استثمرت الصين حوالي 5.5 مليارات دولار في السعودية و 4.3 مليارات دولار في الإمارات مقابل 1.54 مليار دولار فقط في إيران. ويعدّ الرقم الأخير أقلّ ممّا استثمرته الصين في السعودية سنة 2020، سنة الجائحة. حتى على المدى الطويل، تفوّق حجم الاستثمارات الصينيّة في السعودية والإمارات على ذاك الذي نُفّذ في إيران. فمن 2005 وحتى 2019، وصلت الاستثمارات الصينيّة في السعودية إلى 38.2 مليار دولار، وفي الإمارات إلى 33.3 مليار دولار، مقابل 26.5 مليار في إيران.

 

فرصة... ورقعة شطرنج

توضح جميع هذه الأرقام تفوّق حجم مصالح بيجينغ مع عواصم الخليج العربي على مصالحها مع طهران. فمقابل الضبابيّة المسيطرة على العلاقات بين الصين وإيران، تبدو العلاقات الصينيّة - الخليجيّة أكثر استقراراً. منذ أقل من عشرة أيّام، أطلقت الصين والإمارات مشروعاً مشتركاً لتصنيع لقاح "سينوفارم" المضاد لفيروس "كورونا".

 

تدرك السعودية والإمارات أنّ اتّفاق "الشراكة الاستراتيجيّة" بين الصين وإيران قد يشكّل فرصة للصين كي تقيّد سلوك طهران الإقليميّ الذي يؤثّر سلباً على أمن الطاقة في المنطقة، وبالتالي على أمن اقتصادها الخاص. أبعد من ذلك، قد لا تكون بيجينغ مرتاحة كثيراً للبيئة الاستثماريّة في إيران التي يسيطر عليها الحرس الثوري تدريجيّاً. كيفيّة حلّ النزاعات التعاقديّة في ظلّ هذا التطوّر يبقى بالحدّ الأدنى إشكاليّاً بالنسبة إلى الشركات الصينيّة الراغبة بالاستثمار في تلك البلاد.

 

في تشرين الأوّل الماضي، وتعليقاً على التقارير التي كانت تشير إلى استعداد إيران والصين لتوقيع اتّفاق شراكة، وصفت مجلّة "إيكونوميست" بيجينغ وطهران بأنّهما "صديقان بمنافع قليلة"، مشيرة إلى أنّ "العلاقات الأكثر قيمة للصين هي مع دول الخليج الثريّة والمدارة جيّداً". وأضافت أنّه بالنسبة إلى بيجينغ "ليست إيران سوى قطعة واحدة على رقعة شطرنج أكبر بكثير". رقعة شطرنج يبدو أنّ السعوديّة والإمارات تحتلّان الحيّز الأوسع منها حاضراً ومستقبلاً.

 

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم