إعلان

2020 إماراتيّاً... أفضل استعداد للاحتفال باليوبيل الذهبيّ

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
سيارة أجرة تجتاز أحد الجسور في مدينة دبي، نيسان 2020 - (أ ب)
سيارة أجرة تجتاز أحد الجسور في مدينة دبي، نيسان 2020 - (أ ب)
A+ A-
في 2 كانون الأوّل (ديسمبر) 2021، ستحتفل الإمارات العربيّة المتّحدة باليوبيل الذهبيّ لولادة الاتّحاد. قد تكون 2020، على الرغم من كلّ صعوباتها، أفضل ما يؤهّل الإمارات للاحتفال بواحد من أصعب الإنجازات على طريق الوصول إلى ذلك اليوبيل: كبح جماح "كوفيد-19". لعلّ التعامل مع تفشّي "كورونا" يجسّد ذروة فنّ الحكم الذي مكّن تلك الدولة الفتيّة نسبيّاً من مقارعة أعرق الديموقراطيّات الغربيّة وأكبر الاقتصادات العالميّة في التخطيط لمواجهة الجائحة.

حتى الأحد، سجّلت الإمارات حوالي 213 ألف إصابة بالفيروس. يساوي ذلك نسبيّاً 21482 إصابة بالمليون. بهذا الرقم، تحتلّ الإمارات المرتبة 68 عالميّاً من حيث عدد الإصابات نسبة إلى عدد السكّان. حتى هذا الرقم لا يضع الجهد الإماراتيّ في إطاره الصحيح. فالإمارات تحتلّ المرتبة السادسة عالميّاً من حيث العدد النسبيّ لإجراء فحوصات الكشف عن الفيروس، مع أكثر من 21 مليون و313 ألف اختبار (2141818 بالمليون). لا تتقدّمها بذلك سوى دول بالغة الصغر بمعظمها ولا تواجه عوائق لوجستيّة كبيرة أمام إجراء عدد كبير من الفحوصات، مثل جزر الفارو ومضيق جبل طارق وبيرمودا وأندورا ولوكسمبورغ. هذا الكمّ الهائل من الفحوصات يفسّر إلى حدّ بعيد أرقام التفشّي. يقابل ذلك رقم منخفض جدّاً لجهة عدد الوفيات بالنسبة إلى المليون حيث تحتلّ الإمارات المرتبة 116 مع 68 وفاة بالمليون.


لا مفاجأة
قد تبدو قصّة الإمارات في مواجهة فيروس "كورونا" مفاجئة. لكنّها ليست كذلك. فقد راكمت عدداً من عناصر القوّة التي جعلتها من الدول الأفضل في تقييد انتشار الجائحة. لم تستنبط أبو ظبي هذه العناصر من العدم بل كانت نتيجة سنوات طويلة من السعي إلى المعرفة وتطوير الخبرات.

أولت الإمارات أهمّيّة خاصّة للحكم "التكنوقراطيّ" القائم على الأخذ برأي الخبراء في ميادين الحوكمة. وأوضح النموذج النيوزيلنديّ الناجح في مكافحة "كورونا" (2180 إصابة و 5 وفيات بالمليون)، كيف أنّ الإصغاء لنصائح الخبراء يوفّر الكثير من الوقت خلال المواجهة. وستكون التكنوقراطيّة أحد أهمّ العناصر التي تجعل الحكم فعّالاً في العقود المقبلة.

في كتابه "المستقبل آسيويّ"، يُظهر المستشار الدوليّ باراغ خانا كيف أنّ الإمارات تبني حكماً تكنوقراطيّاً يشرف على سياسات أساسيّة مع تقييم لمؤشّرات الأداء. ويسمح أسلوب تقييم الأداء بالنجاح أيضاً في مختلف مجالات الحكم. يذكر الكتاب أيضاً مفهوم الثورة من الهرم وحتى القاعدة أو "الثورة من الأعلى إلى الأدنى" المنتشر في آسيا. يرتكز هذا المفهوم على الصدقيّة التي تتمتّع بها القيادة لدى الشعب وعلى عمق ثقته بحكّامه.

وفقاً لـ "مقياس إدلمان للثقة" لسنة 2018، سجّلت الإمارات، إلى جانب كلّ من سنغافورة وإندونيسيا والهند والصين، أعلى الأرقام. وحقّقت الإمارات المزيد من التقدّم سنة 2019، إذ حلّت في المرتبة الثانية من حيث الثقة بحكومتها، خلف الصين، وفقاً للمعيار نفسه، قافزة خمس نقاط عن 2018. تُبيّن التجارب أنّ تطبيق الإجراءات الحازمة في أوقات الأزمات، والتي عادة ما تكون غير مريحة للمواطنين، يحتاج إلى ثقتهم كي ينجح. فالتدابير الطارئة تستند دوماً إلى التجاوب الشعبيّ التلقائيّ معها والذي توفّر الثقة بالحكومة أفضل تربة خصبة له.

بحسب الكتاب نفسه، "حين تتمتّع الحكومات بالثقة، ليس بإمكانها تتبّع تغيير طويل المدى وحسب بل أيضاً التحرّك بحزم خلال أزمة، أكانت تباطؤاً اقتصاديّاً أو صدمة جيوسياسية فجائيّة." ولأنّ قيادة الإمارات، هي من بين القيادات الآسيويّة التي تتمتّع بتفكير "جيليّ" عوضاً عن التفكير "الانتخابيّ"، ولأنّ حدود السلطة واضحة، يعلم الجميع حدود مسؤوليّاتهم بالضبط. وهذا يمنع التهرّب من المسؤوليّة. تلك إحدى أهمّ مزايا التكنوقراطيّة لكن بشرط اقترانها بالشفافيّة. وتحلّ الإمارات الأولى عربيّاً وشرق أوسطيّاً والحادية والعشرين عالميّاً خلف اليابان على مستوى الشفافية وفقاً لمؤشّر مدركات الفساد 2019. وتفوّقت بذلك على دول غربيّة بارزة مثل الولايات المتّحدة وفرنسا.


السؤال المناسب
الإمارات معرّضة بشكل كبير لتفشّي الفيروس بسبب موقعها ودورها الاقتصاديّ. فهي تشكّل مركزاً دوليّاً للتجارة والاستثمار والسفر. يصعّب هذا الواقع عمليّة رصد ومكافحة الوباء. لكنّ بداية تخطّي المشكلة انطلقت من طرح السؤال المناسب لدى القيادة الإماراتيّة. حين انشغل العالم بسؤال حيّر الحكومات حول أيّ من الخيارين ينبغي تبنّيه: "هل نحمي الناس أو الاقتصاد؟" وجدت الإمارات أنّ هذا تخيير خاطئ، مبنيّ على فرضيّة خاطئة. فالعديد من الدول تسبّبت بالأذى لمواطنيها والاقتصاد معاً بما أنّها لم تتحرّك بحزم لمواجهة الوباء ولو على حساب الاقتصاد.

هذه هي ديناميّة الحوكمة التي تؤهّل الإمارات للتعامل بحزم ومنهجيّة مع الأزمات. فالتساهل معها مكلف جدّاً لموقع الإمارات المتقدّم عالميّاً في نواحٍ عدّة. بيّن استطلاع أصداء "بيرسون-مارستيلر لرأي الشباب العربيّ 2018" أنّ الإمارات وللعام الثامن على التوالي هي أكثر دولة يرغب الشباب العربيّ بالعيش فيها، متقدّمة على جميع الدول الغربيّة. وحلّت أيضاً في المرتبة السابعة عالميّاً من حيث التنافس. وفي كانون الأوّل (ديسمبر) من السنة نفسها، احتلّ جواز السفر الإماراتيّ المرتبة الأولى عالميّاً. وحلّت مؤخّراً في المرتبة 21 من أصل 153 من حيث الدول الأكثر سعادة في العالم والأولى في العالم العربيّ. كذلك، كانت أبو ظبي ودبي المدينتين الأسعد بين المدن العربيّة بحسب "التقرير العالميّ للسعادة" الصادر عن شبكة حلول التنمية المستدامة للأمم المتّحدة.

لا تمثّل الإمارات وجهة طموحة للشباب العربيّ وحسب. ذكر الكاتب السياسيّ في صحيفة "ذا ناشونال" الإماراتيّة ومؤرّخ الثقافة الإماراتية بيتر هيلير كيف شعر العديد من أصدقائه بأنّهم محظوظون لوجودهم في الإمارات حين تفشّت الجائحة. ورأى أنّ أداء الإمارات في مواجهة الجائحة كان أفضل من أداء وطنه الأم، بريطانيا. فرضت الأخيرة الإغلاق العام بطريقة بطيئة قبل أن تضطرّ إلى تشديده بمرور الوقت. أمّا في الإمارات فحصل العكس: إغلاقٌ متشدّد ثمّ رفعٌ تدريجيّ له. وكتب أيضاً عن صعوبة رؤية أشخاص في الإمارات لا يرتدون كمّامات بعكس بريطانيا. وبما أنّ الحياة عادت إلى طبيعتها نسبيّاً هناك، يعبّر هيلير أيضاً عن كونه محظوظاً بما أنّه كان في الإمارات إبّان تفشّي الجائحة.

لم يكن 2020 عبارة عن مواجهة تحدّي "كورونا" فقط. ففي تمّوز (يوليو)، أطلقت الإمارات "مسبار الأمل"، ومن المنتظر أن يدخل مدار المرّيخ الشهر المقبل. وكما وضعت البلاد نفسها في مقدّمة السباق إلى احتواء "كوفيد-19"، كذلك، حجزت لنفسها موقعاً متقدّماً من حيث إطلاق مسبار لاكتشاف المرّيخ، إلى جانب كلّ من الولايات المتحدة والصين. وفي تشرين الأوّل (أكتوبر) المقبل، من المتوقّع أن تعاود الإمارات استضافة حدث "إكسبو دبي" تحت عنوان "تواصل العقول وصنع المستقبل"، بعدما تأجّلت الاستضافة من السنة الماضية بسبب الجائحة.
 
ستكون 2021 حافلة بالتحدّيات الجديدة للإمارات. لكنِ الأهمّ، ومع تمكّنها من احتواء "كورونا" بالحدّ الأدنى من الأضرار، ضمنت البلاد أنّ الأسوأ أصبح وراءها إلى حدّ بعيد، وأنّ المرونة التي أظهرتها خلال التعامل مع الجائحة، ستمكّنها من اجتياز التحدّيات الأخرى.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم