إعلان

التقارب السّعودي-العراقي: هل تتغلّب المكاسب الاقتصاديّة على التّحديات الإقليميّة؟

المصدر: النهار العربي-فاطمة الغول
  بن سلمان مستقبلا الكاظمي (اف ب)
بن سلمان مستقبلا الكاظمي (اف ب)
A+ A-
برغم أن المحاولات السعودية لتوطيد علاقاتها بالعراق لم تنقطع منذ سقوط حكم صدام حسين بالغزو الأميركي، إلا أن تغيراً جذرياً على خط الرياض - بغداد بالتزامن مع وصول رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بات واضح المعالم في علاقة الجارين، بعد عقود من بقائها تحت تأثير توجهات اللاعبين الإقليميين والدوليين، وتحوّلها ساحة صراع بين تلك القوى بالوكالة.

محطّات من العلاقة بين الدولتين
شهدت العلاقات السعودية - العراقية مداً وجزراً على مدى العقود الماضية، فبعد دعم الرياض بغداد في حربها على إيران ومدّها بالسلاح والمال عام 1980، تراجعت العلاقات بعد ذلك الى حد القطيعة عقب الغزو العراقي للكويت، لتعود عام 2015 بعد قطيعة دامت 25 عاماً، لكن في إطار أقرب ما يكون إلى البروتوكولي.
 
بعد تولي الملك سلمان بن عبد العزيز الحكم في السعودية، وبروز الدور الفاعل لولي العهد محمد بن سلمان، بدأ الانفتاح السعودي باتجاه العراق، وتمثل بافتتاح القنصلية السعودية في بغداد، وتعيين أول سفير للمملكة (ثامر السبهان)، بالتزامن مع حركة دبلوماسية متسارعة من تبادل الزيارات، نتج منها توقيع عدد كبير من اتفاقات التعاون  خلال مدة قصيرة. 

مصالح الطّرفين في التّقارب
بينما تحاول الولايات المتحدة تحديد استراتيجية جديدة للعراق في عهد جو بايدن، فإن الاستراتيجية السعودية المتمثلة بحصار النفوذ الإيراني الواسع في البلد الجار اكتسبت مساراً جديداً، بإرفاق العامل الاقتصادي إلى التنافس العسكري مع إيران على العراق. فتم الإعلان عن حزمة مساعدات بقيمة مليار دولار لبغداد، وافتتحت بوابة "عرعر" الحدودية في 18 تشرين الثاني (نوفمبر)، وتم طرح أكبر مشروع زراعي في المنطقة، وغيرها من الخطوات بمضمون اقتصادي وأهداف استراتيجية بعيدة المدى.
 
ويرى مدير مركز سلمان - زايد للدراسات في الشرق الأوسط، والمختص بالشأن الخليجي د. هشام البقلي، في حديث إلى "النهار العربي"، أن أهم الأسباب الداعمة للتقارب السعودي العراقي هو "كون العراق لديه موقع استراتيجي هام بالنسبة الى المملكة بصفة خاصة، والى المنطقة عامةً، ولا ننسى أن العراق من الدول التي تمتلك علاقات تصل الى حد التحالف مع إيران التى تعتبر العدو الأول للجانب السعودي، وبالتالي فالتقارب السعودي العراقي سيعمل على تقويض النفوذ الإيراني فى العراق".
 
في المقابل، فإن العراق من خلال تعزيز تقاربه مع السعودية، يسعى إلى تدعيم موقفه السياسي الخارجي، وإبقاء العجلة الاقتصادية المتعثرة في البلاد في حالة دوران خوفاً من آثار توقفها على السلم الداخلي الهش والتركيبة السياسية المتضعضعة.
 
ويشرح أستاذ العلوم السياسية د. علي أغوان، المختص في الشأن العراقي، لـ"النهار العربي"،  أن "مصالح التقارب كثيرة، فهناك حدود طويلة للعراق مع السعودية، وأيضاً مشتركات كثيرة تاريخية، حضارية، اقتصادية ودينية، هذه المستويات يمكن أن نعيد إنتاجها من جديد، لا سيما أن السعودية مهمة للعراق، وإطلالتها على البحر الأحمر تهيئ للعراقيين إمكانات كثيرة في ما يتعلق بتصدير النفط".
 
وبالنسبة الى إقليم كردستان العراق، يرى  أغوان أن "الإقليم يحاول أن يصنع علاقات جيدة مع الجميع، حتى تلك الدول التي لها إشكاليات مع بغداد. فالإقليم صنع إلى الآن علاقات جيدة مع الجانب الخليجي والإيراني والتركي، مع العلم أن هناك تقاطعات لبغداد مع بعض هذه القوى، ويتعامل من باب المصلحة، وبالتالي دائماً ما نلاحظ أن هناك علاقات جيدة على مستوى الاقتصاد، لكن العلاقات السياسية والدبلوماسية يعبّر عنها من خلال بغداد، كل ما يستطيع فعله الإقليم هو على مستوى التجارة المحدودة والاستثمار المحدود، بالتالي الإقليم يتحرك ضمن هذا الإطار ويعزز مكانته من هذا الإطار".

تحدّيات التّقارب
وبرغم الإيجابيات لكلا الطرفين، إلا أن التقارب السعودي العراقي لا يخلو من المعوقات. وتمتلك إيران استراتيجية قوة في العراق مكّنتها من ممارسة الضغوط على الحكومات المتعاقبة، والتأثير في تصرّفاتها وعلاقاتها مع دول الجوار.
 
ويرى البقلي أن "العقبة الأساسية بلا شك هي السيطرة الإيرانية على العراق التي ستكون شوكة قوية في عودة العراق إلى الحضن العربي وحتى في العلاقات السعودية العراقية". ويعد التباين في بعض العقائد الطائفية، أحد أهم التحديات التي تواجه هذا التقارب، فضلاً عن أن السعودية ترى الحكومات العراقية التي شُكلت بعد الاحتلال الأميركي للعراق طائفية، وتدين بولاءات لنظام ولاية الفقيه في إيران، وتعدّها مصدر تهديد، فيما يشكل اختلاف الأجندة لكل من البلدين، ووجود مواقف متباينة في ساحات صراعات المنطقة (لبنان ـ سوريا ـ اليمن) تحدياً لإحياء هذه العلاقة.
 
ويؤكد أغوان أن "العراق منقسم ما بين مرحّب بالتقارب ومعارض له، وتأثير الدعاية السياسية قوي جداً في الداخل، هناك من يعتقد أن السعودية ساهمت في إحداث مشكلات، لا سيما في وسط  البلاد وجنوبه، بالإضافة إلى أن الجانب الشعبي لا ينظر الى المصلحة دائماً على أنها أولوية، بقدر ما ينظر الى التأثير الأيديولوجي الموجّه، سواء من شيعة العراق تجاه السعودية أم من سنّة السعودية تجاه إيران".
 
ويرى بالتالي أن "هناك حاجة إلى بلورة خطاب إعلامي أكثر نقاوة لكي نستطيع القول بأن هناك جانباً شعبياً ينظر الى العلاقات من زاوية المصلحة". 

مستقبل العلاقات 
من المبكر الحكم على احتمال نجاح التقارب السعودي العراقي، وعلى قدرة التحديات على عرقلته. تعوّل الرياض في ترسيخ علاقة الثقة المتبادلة التي نشأت في عهد الكاظمي على عاملين أساسيين: الصعوبات الاقتصادية التي يواجهها العراق من جهة، وعدم ارتياح إدارة الكاظمي الى الجماعات القريبة من إيران، والتي انتقدها في خطاب ألقاه في 10 تشرين الثاني الماضي، من دون تسميتها، متهماً إيران بمنع العراق من التقارب مع الدول العربية، بخاصة السعودية ومصر، اللتين وقّع العراق معها أخيراً اتفاقيات تعاون. ويرى العراق أن الاستثمار الأجنبي هو الحل الأمثل لحل مشكلاته الاقتصادية التي وصلت إلى مستوى عدم القدرة على دفع رواتب موظفيه. لهذا السبب، برزت السعودية كخيار مهم لرئيس الوزراء الكاظمي. 
 
وفي ظل هدف بايدن العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، فإن أحد الأسئلة الرئيسية التي تتبادر إلى الذهن هو بلا شك ما إذا كان حوار سلمي سيبدأ بين إيران والدول الخليجية في عهد بايدن. ويقع شكل العلاقة بين إيران والمملكة العربية السعودية في جوهر هذه المرحلة، ذات الحساسية العالية بالنسبة الى سيد البيت الأبيض الجديد.
 
برغم استمرار التوتر السياسي بين المملكة العربية السعودية وإيران، إلا أن بوادر إيجاد حل وسط من جانب كلا الطرفين باتت أكثر وضوحاً من أي مرحلة سابقة. إيران، التي اهتز اقتصادها بسبب العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة، بالتزامن مع تأثيرات وباء كورونا، قد تبدو أكثر حماسة لمثل هذا التقارب. كما أن الانخفاض السريع في أسعار النفط بسبب الوباء أثر سلباً على الاقتصاد السعودي. بالإضافة إلى ذلك، فإن للتوازنات المتغيرة في الخليج العربي تأثيراً أيضاً على العلاقات بين إيران والمملكة العربية السعودية، التي تسعى إلى تغيير سلوك سياستها الخارجية داخل دول مجلس التعاون الخليجي.
 
ويبدو العراق الأقدر من بين الدول الخليجية الأخرى، قطر والكويت وعمان، على ممارسة الدبلوماسية التي يمكن أن تؤدي إلى تسوية سعودية إيرانية، أو الى إيجاد أسس للتعاون حتى وإن استمر التنافس المتعدد النواحي بينهما.
 
ويؤكد البقلي أن "العلاقات السعودية العراقية ستشهد تطوراً ملحوظاً خلال الفترة القادمة على مستويات متعددة، ولكن عودة العراق بالكامل الى الحضن العربي وعلاقات متوازنة مع المملكة وغيرها، سيتوقف على مدة قدرة العراق على التخلص من التوغل الإيرانى، وإن كان هذا الأمر صعباً للغاية فى هذا التوقيت، إلا أنه وارد الحدوث".
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم