إعلان

ما الذي اختبرته إيران بهجومها المفترض على ‘ميرسر ستريت‘؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
ناقلة النفط "ميرسر ستريت"، 2016 - "أ ب"
ناقلة النفط "ميرسر ستريت"، 2016 - "أ ب"
A+ A-

في تصعيد هو الأخطر منذ فترة، قُتل شخصان من طاقم ناقلة نفطية تديرها شركة إسرائيلية قبالة سواحل سلطنة عمان، إثر اعتداء استهدفها ليل الخميس الفائت. اتهمت تل أبيب إيران بالوقوف خلف الهجوم، وأعلن وزير خارجيتها يائير لبيد إحالة القضية إلى الأمم المتحدة. وخلال حديثه مع نظيره البريطاني دومينيك راب، أكد لبيد "ضرورة الرد بشدة على الهجوم".

 

وكانت ناقلة النفط "ميرسر ستريت" التي تحمل علم ليبيريا موجودة على بعد 280 كيلومتراً شمال شرق ميناء دقم العماني، حين وقع الهجوم بواسطة "طائرة مسيّرة"، بحسب الأدلة الأولية للجيش الأميركي.

 

حينها، كانت "ميرسر ستريت" في طريقها متوجهة إلى ميناء الفجيرة في الإمارات العربية المتحدة، حيث سبق أن تعرضت أربع سفن شحن تجارية لعمليات تخريبية بالقرب من المياه الدولية في أيار (مايو) 2019.

 

عن سرديّة "الانتقام"

قبل نفي إيران منذ ساعات قليلة تورّطها في الهجوم، كانت قناة "العالم" الإيرانية قد نقلت عمّن سمّتها بـ"مصادر مطلعة بمحور المقاومة" قولها إنّ الهجوم جاء رداً على "الاعتداء الأخير على مطار الضبعة" في سوريا. ليس واضحاً سبب اختيار طهران الرد على العملية العسكرية الإسرائيلية ضد مطار الضبعة في 22 تموز (يوليو).

 

طوال عقد من الزمن، شنت إسرائيل آلاف الغارات الجوية على مواقع عسكرية إيرانية أو أخرى تابعة لوكلائها منذ اندلاع الحرب السورية، من دون أن تستدعي رداً إيرانياً بهذا الحجم. ففي أيار (مايو) 2018 على سبيل المثال، تعرّض المطار العسكري نفسه إلى غارات إسرائيلية، ما أسفر عن مقتل 21 عسكرياً من بينهم 9 إيرانيين. لهذا السبب، يصعب أن تكون الغارات الأخيرة على سوريا سبباً من أسباب التصعيد الإيراني، أو أن تكون ناجمة عن تغيّر في قواعد الاشتباك.

 

في الوقت نفسه، نقلت صحيفة "يديعوت أحرونوت" عن مسؤول إسرائيلي قوله إنّ التقديرات في إسرائيل تتمحور حول أنّ إيران هاجمت السفينة المملوكة لرجل الأعمال الإسرائيلي إيال عوفر مرّتين. لم تؤدِ الضربة الأولى إلى أي أضرار، على عكس الثانية التي وقعت بعد ساعات وألحقت أضراراً بجسر القيادة الذي حمل أفراد الطاقم، ما أدى إلى مقتل بريطاني وروماني.

 

إذا صحّت تلك التقديرات العسكريّة، فمعنى ذلك أنّ إيران تقصّدت إلحاق أكبر حجم ممكن من الخسائر المادية، إن لم يكن البشرية أيضاً. يعزّز هذا الاحتمال استخدام طائرة مسيّرة في الهجوم، لا مجرّد لغم بحريّ كما حدث في السنوات القليلة الماضية.

 

علاقة بالمفاوضات النوويّة؟

حصل هذا التطوّر في وقت تجمّدت فيه المفاوضات النووية في فيينا بانتظار استلام الرئيس الإيراني المنتخب حديثاً إبراهيم رئيسي مقاليد الحكم بعد أيام قليلة. التصعيد في الخليج العربي يمكن أن يكون مرتبطاً بزيادة الضغط الإيراني على الغربيين لاستئناف التفاوض بشروط أقلّ. مع ذلك، يصعب أيضاً أن يكون الهجوم مرتبطاً "مباشرةً" بتلك المفاوضات.

 

فإيران تملك ما يكفي من أوراق القوة التي يمكن أن تستثمر بها للضغط الدبلوماسيّ، وأهمّها التهديد بزيادة نسبة نقاء اليورانيوم المخصّب إلى درجة الاستخدام العسكريّ. لقد أثبت هذا التهديد أنّه أكثر ما يقلق الغربيين عموماً والأميركيين خصوصاً، وهذا على الأرجح ما دفع الإدارة الحالية إلى طاولة المفاوضات، بالتزامن مع اقتناعها بأنّ الاتّفاق النوويّ هو أبرز "إنجاز" للإدارة الديموقراطية بقيادة أوباما.

 

لقد كرّر وزير الخارجية أنتوني بلينكن مخاوفه من أن يؤدي تأخّر إحياء الاتفاق النووي إلى تقليص الفترة التي تفصل إيران عن الوصول إلى اليورانيوم المعدّ للاستخدام العسكري. وقال بلينكن في حزيران (يونيو) الماضي أمام مشرّعين إنّ هذه الفترة تقلّصت "إلى بضعة أشهر، في أفضل الأحوال". وأضاف: "إذا تواصل هذا، فقد تنخفض إلى مسألة أسابيع".

 

الفرضية الثالثة

إذا كانت إيران تملك ورقة ضغط نوويّة أفضل من التصعيد العسكري في مياه الخليج العربيّ، فمن غير المنطقيّ أن تخاطر باللجوء إلى خيار استهداف مزدوج لناقلة إسرائيلية الإدارة. لكنّ هذه المخاطرة المفترضة هي خيط التحليل الذي يقود إلى فرضيّة أخرى قد تكون أقرب إلى الواقع: الهجوم على سفينة "ميرسر ستريت" هو اختبار إيرانيّ للضعف المتزايد في التحالف الأميركيّ - الإسرائيليّ.

 

أطلقت إدارة بايدن سلسلة مؤشرات إلى عدم استعدادها للتصعيد العسكريّ مع إيران، بصرف النظر عن سلوكها. ردّها على الهجمات التي طالت مصالحها في العراق كان ضعيفاً وغير متناسب مع عدد تلك الهجمات. والمحاولة الفاشلة التي كان أربعة إيرانيين يهمّون فيها باختطاف الصحافية الأميركية من أصول إيرانية مسيح علي نجاد من على الأراضي الأميركية بالكاد وجدت رداً رسمياً.

 

إنّ عدم استعداد بايدن للدفاع عن المصالح الأميركية بسبب إيمانه بأولوية الاتفاق النووي على ما عداها من قضايا، يشير أيضاً إلى عدم اهتمامه بالدفاع عن المصالح الإسرائيلية حين تتعرّض للاعتداءات الإيرانية. بالتالي، كان رهان طهران في مكانه حين اختبرت، وتأكّدت ظنونها، أنّ واشنطن لن تهبّ لنجدة تل أبيب ولو سياسياً، إذ اكتفت وزارة الخارجية الأميركية بالتعبير عن "القلق العميق" تجاه الحادث.    

 

هذا الاختبار الإيرانيّ تحوّل بدوره إلى رسالة لتل أبيب، مفادها أنّ الأخيرة ستكون وحيدة في أيّ مواجهة مستقبلية مع طهران. يأتي توقيت هذه الرسالة بينما تزداد التقارير عن نيّة إسرائيليّة تختمر تدريجياً لقصف المنشآت النووية الإيرانية أحاديّاً في مرحلة ما من المستقبل القريب. حتى ذلك الحين، يبقى السؤال الأساسي عن كيفيّة اختيار الإسرائيليين ردهم على الهجوم الذي تعرضت له "ميرسر ستريت".

 

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم