إعلان

تُكشف للمرّة الأولى... قصّة الليلة التي حسمت مصير العالم النّووي الإيراني

المصدر: النهار العربي
عاملان في ضريح الإمام رضا يحملان نعش العالم النووي محسن فخري زاده في مشهد. رويترز
عاملان في ضريح الإمام رضا يحملان نعش العالم النووي محسن فخري زاده في مشهد. رويترز
A+ A-
 كتب رونين بيرغمان في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، أن  الأرشيف الذي سرقه الموساد في 2018 من طهران وما يكشفه من دور  لمحسن فخري زادة جعله هدفاً مرغوباً فيه من الموساد لتعطيل البرنامج النووي العسكري لإيران وعرقلة احتمالات عودة أميركا الى الاتفاق النووي السابق.
 
 وروى بيغمان أنه أمضى في تموز (يوليو) 2018 مع الكاتب الكبير في "ناليويورك تايمس" لشؤون الأمن القومي ديفيد سينغر، وقتاً طويلاً في إحدى المنشآت الأمنية الأكثر حراسة شمال تل أبيب. ووصف ديفيد قبل فترة في محاضرة ألقاها جامعة أميركية الحدث كأحد الأحداث المثيرة في حياته المهنية الغنية، قائلاً: "كان هذا أجمل ما يكون في العالم". 
 
قبل ذلك بثمانية أشهر، خرج الموساد في رواية خاصة به لأوشن 11، وسرق من تحت أنف حراس وزارة الدفاع الإيرانية أرشيف المشروع النووي العسكري السري.
 
بنى "الموساد" نسخة عن المخزن الذي كان فيه الأرشيف في ضواحي طهران، بما في ذلك الشوارع المجاورة، بل حتى جلب الى المكان كلاباً تشبه كلاب الحراسة الإيرانية. وتدرّب المقتحمون أشهراً طويلة، على كيفية التمكن من الدخول والاقتحام والخروج مع كل المادة، والفرار من إيران. 
 
يوسي كوهن، رئيس "الموساد" الذي واجه تشكيكاً حين عرض الفكرة على محافل رفيعة المستوى في إسرائيل، حضر بنفسه ليرى التجربة الأخيرة وللإقرار بأن المقتحمين جاهزون للانطلاق. 
 
وكانت مجموعة صغيرة جداً في إيران تعرف ماذا يوجد حقاً في المخزن، وأخذ "الموساد" لهم الأرشيف من تحت أنفها.
 
 وعندها جلسنا لنراجع تلك الوثائق التي أثبتت بالشكل القاطع أن إيران أدارت مشروع تضليل على مستوى دولة، وأنها تملك حقاً مشروعاً نووياً عسكرياً، هدفه في المرحلة الأولى إنتاج خمس قنابل نووية بزن 10 كيلو طن، وكان أكثر تقدماً من كل ما كان معروفاً حتى ذلك الحين.
 
 
 
اللحظة التي أذكرها خصوصاً هي أنه برغم القفازات التي كنت أضعها كان ممكناً لي أن أشعر بآثار قلم رئيس المشروع النووي الإيراني محسن فخري زادة في سلسلة وثائق كانت سرية جداً، لدرجة أنه سجلها بنفسه، بخط يده. ومنذ سنين، أتابع العمل غير المبارك لهذا الرجل. وها هو، يتراسل هنا مع علماء كبار آخرين عن كيفية إنتاج جهاز تفجير السلاح النووي وكيفية ملاءمة القنبلة لأكتاف صاروخ أرض - أرض. في الأرشيف النووي عدد لا يحصى من الوثائق التي وقّع عليها بقلم الحبر السائل في نهاية الصفحة. وإذا كان "الموساد" يقف بالفعل، كما أفادت مصادر أميركية، خلف اغتيال فخري زاده، ففي تلك الليلة في العملية في طهران حُسم مصيره ولثلاثة أسباب.
 
 الأول، لأن "الموساد" أثبت نفسه، وخصوصاً لجهات خارجية، قدرة ناجزة على التسلل إلى أعماق أجهزة الاستخبارات، الجيش والنووي الإيراني. فليس صدفة أنه بعد سنتين ونصف سنة علم أن الولايات المتحدة تطلب من إسرائيل أن تصفّي عنها الحساب الذي لم تنجح على مدى 22 سنة فيه وتقتل نائب زعيم "القاعدة"، أبو محمد المصري. ولا شك في أن مزيجاً من الثقة الكبرى بين أجهزة الدولتين يتيح تقديم طلب كهذا وتنفيذه الكامل.
 
 الثاني، هو أن الوثائق أثبتت ما كان معروفاً، ولكن أكثر بكثير، أن فخري زاده هو مركز الأمور، وهو دكتور سترينغلاب الإيراني، هو الدماغ خلف الجزء العسكري للمشروع النووي. ولكنها أثبتت شيئاً آخر هو أنه بخلاف ما قيل عنه أنه مدير فاشل وشخص مشتت جداً عموماً، هو كفوء ليس فقط في الجانب العلمي بل أيضاً في الجانب الإداري.
 
  الثالث، هو أن كل ما فعله فخري زادة، مستمر. وكشفت الوثائق لماذا يرغب الموساد في موته ولماذا قال نتنياهو في المؤتمر الصحافي الذي كشف الاقتحام للأرشيف: "تذكروا هذا الاسم".
 
 في الفترة الأخيرة عملت الوكالة الدولية للطاقة الذرية مع إيران استناداً الى معلومات كثيرة نقلت اليها من إسرائيل، وذلك في أعقاب سرقة الأرشيف النووي الإيراني على يد "الموساد" في 2018. وحسب المعلومات التي استخلصتها إسرائيل من ذاك الأرشيف، واصل فخري زادة (وعملياً لم يتوقف أبداً)، عمله رئيساً للمشروع النووي العسكري السري لإيران. 
 
 
وقال مصدر إسرائيلي إنه ليس صحيحاً أن أيار 2018،  موعد انسحاب الرئيس ترامب من الاتفاق النووي، هو الوقت الذي أعاد فيه فخري زاده تفعيل الجهاز الذي يشرف عليه، بل إن هذا الجهاز كان بعمل كل الوقت. فمجرد أن محاولة إخفاء أرشيف المشروع النووي في المخزن الذي سرقه منه الموساد نفذت بأمر ومشاركة فخري زادة، تعني حماية المعلومات التي تجمعت في إطار عمل "مجموعة السلاح" كما سُميت في الاستخبارات الإسرائيلية منظومة الخبراء التي مهمتها بناء الرأس المتفجر النووي.
 
 وحسب منشورات أجنبية، بحثت في الماضي بجدية إمكانية التخلص من فخري زاده. ولكن رجال شعبة الاستخبارات "أمان" رأوا أنه من الأفضل أن يبقى على قيد الحياة. هكذا مثلاً، في 2009 ألغيت عملية تصفيته في مرحلتها الأخيرة. فقد أقنع أحد كبار "الموساد" رئيس الوزراء أولمرت بأنه يحتمل أن تتشوّش العملية فأمر بإلغائها.
 
 منذ شيوع نبأ مقتل فخري زاده، وتلميحات رئيس الوزراء إلى ما فعله هذا الأسبوع "ولكنه لا يمكنه أن يحكي عنه"، كثرت التخمينات بأن الاغتيال يزيد خطر اندلاع حرب أو عنف حاد في الشرق الأوسط. وفي تحليلات أخرى قيل إن الاغتيال يستهدف تكبيل يدي بايدن في اتصالاته مع إيران. كل شيء ممكن، ولكن اغتيالاً كهذا يحتاج الى التخطيط لأشهر طويلة إن لم يكن سنوات، ولا يمكن إخراجه الى حيز التنفيذ بكبسة زر.
 
ويشكك بيرغمان في أن يرد الإيرانيون، بعدما امتنعوا عن ذلك برغم كل الأعمال السابقة ضدهم. والآن ينتظرون كانون الثاني (يناير). في حينه كما يأملون، سيتمكنون ربما من الشروع في مفاوضات مع بايدن لاستئناف الحصول على أموالهم المجمدة في أرجاء العالم. من الصعب الافتراض أنهم سيلقون بكل هذا الآن فقط من أجل الرغبة في الثأر فيواجهون قوة نار الولايات المتحدة.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم