إعلان

أهمية المتعة... بدونها تُصاب بالمرض

المصدر: النهار العربي
شباب يلهون على البحر
شباب يلهون على البحر
A+ A-
 
بقلم:  وليام أندرسون*
 
خلال تعليمي الناس كيف ينجحون في إنقاص وزنهم، فإن أحد الأشياء المهمة التي أعلّمهم إياها هي أن الاستمتاع بحياتك يُعدّ مطلباً أساسياً للنجاح في إنقاص الوزن. بل إنه في الواقع مطلب أساسي للصحة بوجه عام.
 
لا بدّ أنكم سمعتم مقولة "الانهماك في العمل دون متعة يصيبك بالسأم"، وليس السأم فحسب، بل والمرض أيضاً: مرض الجسم والعقل والروح. وفي الحقيقة، نحن نعلم أنه توجد علاقة مباشرة بين الحالة المزاجية والمرض والألم. إذ يحتاج عقلك وجسمك إلى المواد الكيميائية التي يُفرزها الجسم عندما تستمتع بوقتك، من أجل حالتك المزاجية ونفسيتك وجميع وظائف الجسم، بما في ذلك تقوية جهازك المناعي وحافزك اللاشعوري للحصول على ما تحتاجه.
 
 
 
مبدأ المتعة
وضع سيغموند فرويد، الذي يُعدّ أحد عمالقة النظريات النفسية الحديثة، مصطلح "مبدأ المتعة" في عشرينيات القرن الماضي، مستنتجاً بصورة بديهية أن الجزء الأساسي من شخصيتنا هو مثل طفل بريء لا يمتلك "الأنا"، فيكتشف المتعة القصوى، ثم يسعى وراء تلك النشوة والمتعة بلا حدود أو قيود. وقد كان العيش في تلك الحالة السامية من الوعي هو هدف الحياة، إلا أنه لا يمضي وقت طويل بعد ولادتنا حتى نكتشف أن لذلك حدوداً.
 
فالانغماس في أي شيء دون قيود، سواء في تناول حلوى الفدج الساخنة أو في ممارسة الجنس، يمكن أن يحقق نشوةً تكاد تكون مثل الجنة على الأرض. إلا أنه يمكن أن يحصل بعد ذلك تأثير سلبي ما لم نجد طريقة لتخفيف ذلك الانغماس. لذا نحتاج إلى وضع شروط وضوابط حتى لا تؤدي تلك النشوة إلى عواقب وخيمة مثل المرض، وتدمير العلاقات، والإدمان.
 
لم يكن فرويد أول من لاحظ الأهمية الكبرى للمتعة. فمنذ الأيام الأولى لتساؤلنا عن وجودنا وغايتنا، خلص الفلاسفة إلى أن مذهب اللذة والبحث عن المتعة كان أمراً أساسياً في حياتنا. ونجد أقدم مثالٍ عن ذلك في أدبيات الحكمة في الحضارة، ملحمة غلغامش، حيث نقرأ "املأ بطنك. احظ بالمرح ليل نهار. اجعل الأيام مليئة بالبهجة. ارقص واعزف الموسيقى ليل نهار... هذه الأشياء وحدها هي التي تهم البشر".
 
وقد اعتنق الفلاسفة الإغريق مذهب اللذة، حيث قال ديموقريطوس إن الهدف الأسمى للحياة هو "الرضا" أو "البهجة". وطبعاً لم يكن يتحدث هنا عن اللذة الجسدية فحسب، بل عن المتعة العاطفية، والرضا، والسعادة، والقناعة. ولم يكن الأمر يتعلق بالطعام والجنس فقط.
 
ويعتقد فيلسوف إغريقي آخر، أبيقور، أن الخير الأعظم هو السعي وراء اللذة المعتدلة والمستدامة في شكل الهدوء والتحرر من الخوف وغياب الألم. ولم يكن مذهب اللذة والسعي وراء المتعة بالنسبة له يعني مجرد الانغماس في عربدة المتعة الجسدية، بل كان يعني السعي وراء القناعة والرضا والسلام والسعادة. أما بوذا، فقد وجد وعلّم أتباعه كيفية العثور على النعيم في مواجهة المعاناة التي تُعدّ جزءاً طبيعياً من الحياة، وأن الحياة الخالية من الخوف والمعاناة، والمليئة بأعظم المُتع هي السمة المميزة للصحة الحقيقية.
 
عِلم نفس المتعة والمرح
تُعدّ المتعة والمرح تجارب للفكر والشعور، والعقل والعاطفة، وحالةً من الوعي. لكنها ليست مجرد نتاجٍ أثيري للتحفيز الجسدي.
 
ونحن نعلم الآن أن بعض التجارب تؤدي إلى إفراز فيض من المواد الكيميائية في الدماغ، فتُنتج مشاعر جيدة ودرجات من النشوة. وبعض هذه المواد الكيميائية هي الناقلات العصبية المرتبطة بالحالات المزاجية مثل السعادة والبهجة. ويُطلق على بعضها اسم "الإندورفين"، وتعني "المورفين الداخلي"، لأنه اكتُشف أن تأثيرها على الدماغ يشبه تأثير المواد الأفيونية، وهي الأدوية المهدئة للألم التي يمكن أن تؤدي إلى شعور بالنشوة (ولكن لها عواقب سيئة لا تتسبب بها "الأدوية" الطبيعية).
 
ومنذ اليوم الأول في حياتنا، عندما نكتشف الطعام والمتعة التي تنتج عن تلبية حاجاتنا، نبدأ إغراق عقولنا بهذه المواد الكيميائية التي تتدفق عندما نفعل شيئاً يمنحنا شعوراً جيداً، وذلك فقط من أجل الاستمتاع به، وفقط من أجل المتعة. ثم اكتشفنا طرقاً أخرى لإمتاع أنفسنا، وكل ما كنا نريد فعله طوال اليوم هو اللعب والاستمتاع. وكانت الحياة جيدة!
 
وفي وقت ما عندما نكبر، تصبح الحياة صعبة، ونتوقف عن الاستمتاع. وربما نبدأ التفكير في أن المتعة ليست جيدة، فنصبح جديين، ونهتم بأخلاقيات العمل والإنتاجية بدلاً من اللعب. ومع أن هذا مفيد للعمل، إلا أنه يمكن أن يسبب مشكلات. فعندما نتوقف عن إغراق أدمغتنا وأجسادنا بهذه المواد الكيميائية التي تمنحنا شعوراً جيداً بانتظام، فإننا نتوقف عن الحصول على الدواء الطبيعي الذي يحافظ على صحة أجسادنا وعقولنا وأرواحنا، فنصبح مرضى جسداً وعقلاً وروحاً. لذا نحن بحاجة إلى الاستمرار في فعل تلك الأشياء التي تؤدي إلى تدفق المواد الكيميائية الجيدة.
 
ونحن نعلم ما الذي يؤدي إلى تدفقها: إنه اللعب والضحك والغناء والرقص... هذه هي الأشياء التي تضخ تلك المواد الكيميائية المفيدة للصحة؛ المتعة هي التي تجعلها تتدفق. فالطعام الجيد، واللعب، وممارسة الجنس، والمرح، كل هذه الأشياء (وأكثر منها) تغمر أدمغتنا وأجسادنا بتلك المواد الكيميائية التي تمنحنا شعوراً جيداً وتُكسبنا الصحة. ويمكنك أن تعرف بحدوث ذلك عندما تستمتع بوقتك، وأنت بحاجة إليه. فبدون متعة، لا نُصاب بالسأم فحسب، بل وبالمرض أيضاً.
 
عليك إذن أن تضع الأشياء الممتعة في قائمة "المهام الواجبة"، وأن تقلل من الأشياء التي تشعرك بالعذاب والألم.
 
لقد تربّى بعضنا في ثقافات لا تقبل المرح لأنها تعتبره شيئاً طفولياً ومضيعة للوقت، أما الكبار فيجب أن يعملوا! ويجب أن يُعانوا! لقد علمونا أن هذه هي الطريقة الصحيحة والنبيلة.
 
وبالنسبة لي، كان اتباع حمية غذائية مثالاً على المعاناة الضرورية، حيث قيل لي إنه يجب عليّ التخلي عن المتعة من أجل فقدان الوزن. لكن ذلك لم ينجح، بل زادني بؤساً فوق بدانتي. لكنني وجدت بفضل الله طريقة ناجحة، حيث يكمن الحل لفقدان الوزن بصورة دائمة في تعزيز السعادة وليس الحرمان منها. فوجدت الطريق إلى حياةٍ أكثر إرضاءً مما كنت أعيشه عندما كنت أعاني من الشراهة وزيادة الوزن.
 
هناك معاناة في الحياة، لكن الطريق إلى الحياة الجيدة ليس في ترك تلك المعاناة بلا نهاية. ومن أجل الحصول على حياة جيدة، يجب علينا إيجاد مخرج من ذلك والعثور على النعيم والسعادة.
 
لا أريد أن أعطي انطباعاً بأنه يجب على المرء أن يتجنب الصعاب. إذ إنّ تعلّم كيفية الوصول إلى الوزن الصحي والحفاظ عليه يُعدّ عملاً صعباً، لكن العمل في شيء تحبه يكون ممتعاً.
 
نحن بحاجة إلى المتعة، وبحاجة إلى المرح، وبحاجة إلى ضخ السعادة في حياتنا.
لا تنس أن تحصل على بعض المتعة كل يوم، وفي كل نهاية أسبوع، ومراتٍ كثيرة في السنة. ولا تدع حياتك تتحول إلى كآبة، فالانهماك في العمل دون مرح يصيبنا بالسأم والمرض. وعليك أن تجعل من أهدافك الحصول على المتعة بصورة منتظمة، فهذا شيء مهم حقاً.
 
 
*معالج نفسي يقوم بتدريس علم النفس وعلوم التحكم في الوزن
 
الكلمات الدالة