إعلان

بين المساجد...رحلة عبر بريطانيا المُسلمة

المصدر: النهار العربي
مسلمون في مسجد ديدسبري
مسلمون في مسجد ديدسبري
A+ A-

"بين المساجد: رحلة عبر بريطانيا المُسلمة"
كتاب جديد يكشف أن الأفكار المتطرفة وغير الليبرالية لا تزال مزدهرة في العديد من المساجد البريطانية.
 
 مراجعة: جواد إقبال
 
 
لماذا تثير  مساجد بريطانيا، وهي أماكن عبادة عادية لنحو ثلاثة ملايين مسلم، درجة من العداء والشك من عموم السكان؟
 
ثمة قصة مرتبطة بهذا الموضوع في القسم الأول من الكتاب تُعطي تلميحاً قوياً حول الإجابة. إذ يزور مؤلف الكتاب إد حسين مسجد ديدسبري في جنوبي مانشستر، وما يلبث أن يرى أشخاصاً يحملون راياتٍ وأعلاماً فلسطينية إلى داخل المسجد، ومُلصقات تدعو لدعم منظمة إغاثية متّهمة بصلات  مع المتطرفين، و"قسماً شرعياً" (وهو نظام قانوني موازٍ غير منظّم للزواج والطلاق حسب الشريعة الإسلامية)؛ وأخيراً، ترتفع أصوات رجالٍ يناقشون السياسة في الشرق الأوسط.
 
أما الصلاة، فتبدو شيئاً عرضياً تقريباً بالنسبة لكل الأمور الأخرى التي تجري في المسجد. ومما يثير القشعريرة هو التفكير في أن سلمان عبيدي، الذي كان من المصلين في هذا المسجد، قتل 22 شخصاً في هجوم انتحاري على قاعة الاحتفالات بمانشستر في عام 2017.
 
وتعتبر تلك الحادثة تذكيراً بحوادث أخرى حصلت أخيراً وأساءت  إلى سمعة  المساجد : حيث أدى بعض تلك المساجد دور "حاضنات" للتطرف من خلال استقبالها رجال الدين المسلمين الذين يدعون إلى الجهاد العنيف. إذ أن أبو حمزة (صاحب اليد الاصطناعية الذي يدعو للعنف) كان إماماً في مسجد فينسبري بارك الواقع شمالي لندن بين عامي 1997 و 2003. وقد استقطبت خطبه الصاخبة كُلاً من زكريا موسوي، أحد مخططي أحداث 11 أيلول (سبتمبر)؛ وريتشارد ريد، صاحب الحذاء الناسف الذي حاول تفجير طائرة تابعة للخطوط الجوية الأميركية كانت متجهة إلى ميامي في كانون الأول (ديسمبر) 2001.
 
والحقيقة المُقلقة هي أنه تهيمن على الإسلام في بريطانيا نسخة متشددة من الدين تروج لها طائفة تعرف باسم "الديوبندية"، تسيطر على ما يقرب من نصف مساجد بريطانيا. فهذه هي الجماعة التي أنتجت "طالبان" في أفغانستان، وتأتي بعض أفكار أتباع من أحكامٍ تنصّ على أنه لا ينبغي للمرأة أن تغادر منزلها إلا في حالة الضرورة القصوى، وتحرّم سماع الموسيقى. فكيف انتهى الأمر بأصحاب ذلك الفكر إلى ممارسة هذا القدر من التأثير على الإسلام في بريطانيا الحديثة؟
 
هذه هي الخلفية التي تجعل كتاب إد حسين الجديد "بين المساجد: رحلة عبر بريطانيا المُسلمة" مهماً وجاء في الوقت المناسب. حيث أن حسين، الذي انجذب لمدة وجيزة إلى تيار إسلامي متشدد عندما كان طالباً، رسّخ نفسه ليكون مرجعاً في مسائل الدين والهوية والتاريخ، ويُعدّ مؤهّلاً أكثر من أي شخصٍ آخر لاستكشاف الخفايا الدينية للإسلام البريطاني.
 
ووضع حسين الإطار السردي لكتابه من خلال سلسلة من الزيارات التي أجراها للمساجد في جميع أنحاء بريطانيا، فخرج بلمحة مُثيرة للقلق عن نوع الإسلام الذي ترسّخ في أكثر المساجد انغلاقاً. ويقدّم حسين ببراعة صورة عالم خانق داخل عالمٍ يشعر فيه رجال الدين المسلمون وغيرهم بالأمان -بل ومباح لهم- من خلال التعبير علناً عن بعض المُعتقدات والأفكار البغيضة لدرجة مُذهلة والدفاع عنها، مثل دونية المرأة أو شرور الشذوذ الجنسي.
 
ويلاحظ حسين في أحد المساجد في ديوسبري -الذي يسيطر عليه بالطبع الديوبنديون- غياب المرأة، إذ لا يوجد مُصلّى للنساء للصلاة. وعندما يسأل أحد رجال الدين أين النساء؟ يُقال له صراحةً: "أنت رجل ذكي، لكن لا يمكن الحديث عن وجود النساء في المسجد، فمن أمّا في برادفورد المجاورة، فيسمع حسين عن الآباء المسلمين الذين يمنعون أطفالهم من المشاركة في أنشطة التمثيل والمسرح، التي يُنظر إليها على أنها دخيلة ومُفسدة. ويصف هؤلاء الأشخاص بأنهم موجودون جسدياً في بريطانيا، ولكنهم يعيشون عقلياً في مكان آخر. ويبدو من الصعب مخالفته في هذا الرأي. 
 
شأن هذا أن يفتِن الكثير من الرجال".
ومن الأشياء غير المريحة معرفة أن الديوبنديين يؤدون دوراً مهماً في تدريب علماء المسلمين في بريطانيا.
 
وفي زيارة  لمانشستر في أعقاب الضجة التي أثارتها الرسوم الكاريكاتورية للنبي محمد، ومطالبة بعض المسلمين بإصدار قوانين التكفير، سأل حسين إمام أحد المساجد عما إذا كان يُدين أولئك الذين يعتقدون أنه من المُبرر قتل أي شخص "يسيء إلى النبي"، فكان كلّ ما حصل عليه في الردّ عبارة عن مراوغة وسفسطة، وهو في حد ذاته يُخبر الكثير.
 
ويُعدّ الفصل العنصري من المعاني المبطّنة التي تحملها صفحات الكتاب. ويسأل حسين سائق سيارة أجرة مسلماً في رحلةٍ عبر شوارع برادفورد: "أين الإنكليز البيض في هذه المدينة؟" فيجيبه السائق "ذهبوا مع الريح".
 
 
 
 
وفي بلاكبيرن، يجد المؤلف استياءً ملموساً تجاه المواطنين المسلمين من بقية السكان المحليين، إذ قالت له مجموعة من الشبان البيض إنهم يخشون دخول "المناطق المحظورة" في المدينة، مفضّلين الابتعاد عن هؤلاء "الآسيويين". ويلاحظ حسين لاحقاً أنه في بعض مناطق المدن التي زارها "يمكن أن يُمضي المسلم اشهراً دون أي اتصال على الإطلاق مع البيض في بريطانيا". وهذا الفصل العنصري في المناطق الحضرية لا يُبشر بالخير بالنسبة للتماسك الاجتماعي على المدى الطويل.
 
ويصادف المؤلف مراراً مواد مقروءة مثيرة للقلق في المساجد والمتاجر الإسلامية القريبة. ففي متجرٍ عادي المظهر في بلاكبيرن، وجد نسخاً من كتاب "بهشتي زيور" الموجّه للنساء والفتيات بالدرجة الأولى. ويصر الكتاب على أن "الاستمتاع بالرقص والاستماع إلى الموسيقى، وتقليد عادات الكفار والانجذاب إليها، حرام".
 
وفي إحدى المكتبات الإسلامية في برادفورد، وجد أعمالاً تمجّد الجهاد العنيف لسيد قطب، العرّاب المصري للإرهاب الإسلامي وصاحب التأثير المعروف على أسامة بن لادن وتنظيم "القاعدة". ومثل هذه الأعمال معروضة للبيع أمام الملأ في المكتبات الإسلامية في بريطانيا رغم أن الكثير منها محظور في البلدان الإسلامية في جميع أنحاء الشرق الأوسط.
 
لكن يمكن الشعور بشيء من عدم الإنصاف في الكتاب. فعلى سبيل المثال، يوجد ما يقرب من ألفي مسجد في جميع أنحاء بريطانيا. فهل من غير المعقول أن نتصوّر أنه ليس جميعهم يتبعون مثل هذا الإمام الذي رأيناه هنا؟ مسجد فينسبري بارك مثلاً يُعدّ الآن مكاناً معتدلاً للعبادة، حيث يقيم "أياماً مفتوحة" يُدعى إليها العامّة.
 
المثير للدهشة هو أن جميع المناصب الإدارية والقيادية تقريباً في المساجد (نحو 95 في المئة بحسب المؤلف) يشغلها الرجال. لكن هناك مؤشرات على التغيير: إذ انتخب المجلس الإسلامي البريطاني -وهو منظمة جامعة تضم 500 مسجد- أول امرأة لقيادته مؤخراً. كما أن رواية المؤلف عن الحياة المنفصلة للمجتمعات المسلمة تؤكّد أن الانقسام الديني والعرقي قد أصبح راسخاً في بعض البلدات والمدن، لكنّ أسباب ذلك وآثاره تستحق مزيداً من الدراسة المستمرة عن كثب عمّا تقوله صفحات الكتاب.
 
ربما كانت المشكلة الكبرى هي أنه كثيراً ما تجري معاملة المسلمين على أنهم كتلة دينية متجانسة، الأمر الذي يقلل من شأن تنوعهم العرقي والإثنيّ من حيث أصولهم الجغرافية، واللغات التي يتحدثونها، وآرائهم السياسية، وممارساتهم الثقافية. إذ إن علاقة معظمهم مع المساجد -إن وُجدت- تقتصر تقريباً على حضور صلاة الجمعة. ومن خلال تركيزه على المساجد، يعطي حسين نظرة جزئية عن طريقة تفكير بريطانيا المسلمة، متجاهلاً آراء المسلمين غير الملتزمين أو غير المتدينين.
 
وبوجه عام، قدّم حسين رواية مُقنِعة لمكامن الخطأ في بعض المساجد البريطانية. والصورة التي يرسمها للأفكار غير الليبرالية المتفشيّة في هذه الأماكن الدينية مثيرة للقلق، لا سيمّا لأن بعض أصحاب الفكر المتطرف يختبئون على مرأى من الجميع. وهذا الكتاب يقدّم نظرة ثاقبة تفسّر إلى حدٍّ ما لماذا لا يزال الحُلم في إسلامٍ غربي (ونعني بذلك في الحقيقة "الإسلام المعتدل")  بعيد المنال هنا في بريطانيا.
 
الكلمات الدالة