إعلان

ربيع الغضب في اليمن

المصدر: النهار العربي
د.خالد باطرفي
د.خالد باطرفي
قوات يمنية في مأرب
قوات يمنية في مأرب
A+ A-
 كثيرون أساؤوا فهم الحِلم السعودي. فمنذ مطلع الدولة السعودية، قبل ثلاثة قرون، واجهت تحديات من ظن بصبرها الظنون. وفي القرن العشرين، استهدف التقدميون العرب الذين قادوا الثورات والانقلابات من بقي صامداً من الملكيات لإسقاطها. ولأن الله أنعم على دول الخليج بالنفط، تنادوا بأنه ثروة كل العرب، وسعوا لشيطنة الأنظمة والحكام، وتثوير الشعوب والنخب، واستخدموا قواهم الناعمة في الإعلام والتعليم لتحريض العالم علينا. 

وفي كل مرة، كانت السعودية تصبر وتتأنى وتتجاهل، حتى إذا بلغ الأمر مبلغه، ومُسّت السيادة والأمن والمصالح، انتفضت ضد أعدائها حتى أهلكتهم أو أبعدتهم. فكما حذّر العرب "اتق شر الحليم إذا غضب".

يقول الملك عبد العزيز، مؤسس الدولة السعودية الثالثة "جعلت سنتي ومبدئي أن لا أبدأ أحداً بالعدوان، بل أصبر عليه وأطيل الصبر، وأدفع بالحسنى ما وجدت لها مكاناً وأتمادى بالصّبر حتى يرميني البعيد والقريب بالجبن والضعف، حتى إذا لم يبق للصبر مكان، ضربت ضربتي فكانت القاضية". 

فبعد صبر طويل على العثمانيين، انقضّ عليهم صقر الجزيرة "ابن سعود" في القصيم وحائل وساحل الخليج العربي والجنوب، فقضى عليهم. وصبر أبناؤه على كيد القوميين العرب حتى تسللوا الى خاصرتنا الجنوبية، اليمن، فحوصروا وأنهكوا حتى هُزموا وخرجوا بلا عودة. وكان الملك فيصل بن عبد العزيز ينصح إخوته وأبناءه: "اصبر، اصبر، اصبر. فإذا غضبت فلا ترضَ!".  

مطايا العجم
وأخيراً امتُحن صبر السعودية وحلفائها العرب من جديد من جانب تركيا وأميركا وإيران، ومن مطايا الفرس والعثمانيين الجدد في بلاد الرافدين، والخليج العربي وجنوب الجزيرة. فإيران التي لا تعرف غير لغة القوة، وتركيا التي تستهين بأناة العرب، وأميركا التي دعمت هذا وذاك، وغضت الطرف عن تجاوزات العجم والعبيد العرب، سرعان ما اكتشفت أن صبر السعودية وحلفائها ليس ضعفاً، أو جهلاً. وليس فراغاً مهملاً أو شيكاً على بياض. وأن أمن دول التحالف العربي خط أحمر، رسم على رمال الجزيرة وليبيا وبلاد الشام، وعلى جبال اليمن وسواحله، وسطّر على مياه الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط. 

واليوم، بدأنا نلمس نتائج الوثبة العربية، فبعدما خطّت مصر، ومعها السعودية والإمارات، خطاً أحمر في سرت بليبيا، ورسّمت حدودها البحرية مع اليونان وقبرص وإسرائيل. وبعدما انطلقت المقاطعة العربية للمنتجات التركية وهبط تعاون أنقرة التجاري والاستثماري مع العرب من المغرب الى الإمارات الى أدنى مستوى في العقود الأخيرة. وبعدما طوّرت السعودية والإمارات ومصر علاقاتها باليونان وقبرص، وشاركت في مناورات عسكرية معها. لاحظنا تغيّر المواقف الأردوغانية ومن بينها رفض قرارات الجامعة العربية بشأن التدخلات التركية في البلاد العربية، والإصرار على النهج السياسي العدائي ضد البلدان العربية الكبيرة، والتقارب المشبوه مع إيران. وبدأنا نسمع عن "حزن" لمشاركة المقاتلات السعودية في تمرين جوي مع اليونان، و"تقدير" للرئيس السيسي و"رغبة" تركية في التصالح مع مصر ودول الخليج. 

درس بايدن
أميركا أيضاً أدركت أن سياسة التصعيد مع السعودية والإمارات ومصر والسودان ستدفع بها الى تحالفات وشراكات أكثر اعتمادية ومصداقية. وفي هذا الاتجاه، جاءت زيارة وزير الخارجية الروسي للخليج تنشيطاً للاتفاقيات العسكرية والأمنية والاقتصادية القائمة، وزيارة البارجة الروسية للسودان. ورافقت ذلك وقبله صفقات التسلح المصرية والخليجية مع موسكو، إضافة للشراكة المتطورة في كل المجالات أعلاه مع الصين والهند وكوريا الجنوبية والبرازيل وجنوب أفريقيا، ومع دول أوروبية أقل تدخلاً وتعالياً، كإيطاليا وإسبانيا واليونان.

ولذلك، بدأت في واشنطن المراجعات والتراجعات، وهدأت المطالبات والتهديدات، وتحسّنت العروض والوعود والتعهدات. وفي المقابل، لم تتباطأ التوجهات العربية نحو الشرق، وسياسة التوازنات الدولية، والميل نحو الدول الأكثر موثوقية، و"إعادة ضبط" العلاقة مع أكثرها تقلباً وغموضاً وخذلاناً.   

دروس إيران
أما إيران، فقصة أخرى. ذلك أن التعامل مع الدول الطبيعية يقوم على مبادئ المصالح المشتركة، أما مع الأنظمة الثورية، المؤدلجة، المارقة، الطامحة لتحقيق مطامع ماضوية وقدرية، فلا المنطق يفيد معها ولا لغة الدبلوماسية والقانون الدولي والمنافع المتبادلة. كما أن اتجاه الشراكة معها باتجاه واحد، هو مصلحتها وحسب. فعلاقتها مع أذرعها في المنطقة هي علاقة ولاية عليها، وولاء لها. تمتطيها للوصول الى غاياتها، وتستخدمها درعاً، ومسرحاً لحروبها، وعلفاً لمدافعها. لا تبالي بدمارها وخسائرها إلا بقدر تأثير ذلك في كفاءة تنفيذ مهامها.

وحتى يدرك العالم ذلك، ويستيقظ عبيد الفرس من عرب الشمال والجنوب، بعد "خراب مالطا"، سيقوم العرب بما يجب عليهم القيام به للدفاع عن أمنهم وسيادتهم ومصالحهم. والحملة الأخيرة التي قام بها الجيش اليمني بدعم من التحالف العربي لاستعادة ساحل تهامة وفك الحصار عن تعز وصد الهجوم على مأرب، تأتي بعد نفاد الصبر من التصعيد الحوثي - الإيراني ضد المدنيين والأعيان المدنية في السعودية واليمن، بشكل يهدد بكارثة إنسانية هائلة، بخاصة في مأرب التي يقطنها ملايين اللاجئين. كما جاء الرد بعدما تبين لسذاجة الإدارة الأميركية الجديدة والمجتمع الدولي أن العصابة الحوثية ومن خلفها إيران لا تريد السلام، وتقابل أسلوب المهادنة والاحترام وحسن الظن، بمزيد من الرفض والعنف والإرهاب. 

حتى لا تعود حليمة!
وحتى كتابة السطور، لم نر بعد محاولات أممية جادة لإيقاف الحملة الجديدة لتحرير اليمن، ربما لإدراك متأخر بأنها الحل الوحيد لإنهاء الصراع، أو ليأس المنظمات الدولية والحقوقية من العصابة الحوثية بعد تقرير المبعوث اليمني بسرقتها للمساعدات الإنسانية ومسؤوليتها المباشرة عن المعاناة الإنسانية، وبعد فضيحة حرق المعتلقين الأفارقة لرفضهم التجنيد بالقوة. إلا أنني لن أتفاءل كثيراً، فسرعان ما سيتنادى أعداء العرب وتجار الأزمات وأدوات اللوبي الإيراني في الغرب لإنهاء الحملة بعذر حماية المدنيين والعودة الى مسار السلام. وكلي أمل ورجاء أن لا نستجيب هذه المرة للخدعة الأزلية، وأن نواصل المشوار حتى النصر النهائي والكامل، فـ"المؤمن لا يُخدع من جحر مرتين". 

يشهد اليمن اليوم ربيع غضب عربياً عاصفاً. والعالم الذي تخاذل عن إنقاذ اليمنيين وحوّل اللوم على المبادرين لإنقاذه، يصحو على حقائق ربما غابت عنه من قبل حول حقيقة الصراع وأسبابه. وبدا أن مبرّرات المدافعين عن الجماعة الإرهابية، المفتونين بالحضارة الفارسية، المتآمرين على العرب، قد نفدت وتكشّف عوارها بعد التصعيد الحوثي الأخير، واعتراف إيران رسمياً بدعمه وتوجيهه، وحملة الجيش اليمني بدعم التحالف العربي لتحرير البلد من النفوذ الإيراني وإنهاء معاناة ملايين اليمنيين وتأمين الدول المجاورة، تحقق انتصارات كبيرة كل يوم. والأمل أن تحقق الحملة أهدافها بوتيرة أسرع، قبل أن تعود "حليمة لعادتها القديمة" وتضغط الأمم المتحدة ومن ورائها العواصم الكبرى لإيقافها. 
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم