إعلان

أميركا وسراب الحلّ في اليمن!

المصدر: النهار العربي
خيرالله خيرالله
خيرالله خيرالله
حوثيون الى الحرب
حوثيون الى الحرب
A+ A-
الثابت الوحيد في اليمن، منذ دخول جو بايدن البيت الأبيض في العشرين من كانون الثاني(يناير) الماضي، ذلك الاهتمام الكبير والمفاجئ بهذا البلد. يحدث ذلك، فيما لا يزال الموقف الأميركي من التفاوض في شأن الملف النووي الإيراني ومستقبل العلاقات بين واشنطن وطهران غامضاً الى حدّ كبير. هناك رغبة أميركية غير مفهومة في الفصل بين الوضع في اليمن من جهة، وإيران من جهة أخرى، علماً أنّ ذلك من رابع المستحيلات.
 
تبحث الإدارة الأميركية الجديدة، التي تعرف حجم المعاناة الإنسانية في اليمن، عن حلّ سياسي لا يزال أقرب الى سراب. تتذرّع الإدارة بالمعاناة الإنسانية، وهي معاناة حقيقية، كي تضع الموضوع اليمني في الواجهة وتجعل منه إحدى الأولويات. عيّنت الدبلوماسي تيموثي ليندركينغ مبعوثاً خاصاً الى اليمن لتأكيد مدى اهتمامها بالوصول الى تسوية سياسية في هذا البلد الذي يمتلك أهمّية استراتيجية كبيرة لأسباب عدّة.
 
من بين هذه الأسباب الساحل اليمني الطويل (نحو 2500  كيلومتر) الممتد من بحر العرب الى البحر الأحمر، مروراً بخليج عدن وميناء عدن ومضيق باب المندب. يضاف الى ذلك، في طبيعة الحال، أنّ اليمن جزء لا يتجزّأ من شبه الجزيرة العربية ولديه حدود مشتركة طويلة مع المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان.
 
بغض النظر عن الأهمّية الاستراتيجية لليمن والكارثة ذات الطابع الإنساني، يفترض في الإدارة الأميركية، أقلّه نظريّاً، مباشرة جهودها بالتساؤل هل في الإمكان التوصّل الى تسوية سياسية في اليمن في الظروف الراهنة وفي ظلّ موازين القوى القائمة؟ الجواب لا كبيرة. هذا يعود أساساً الى تعقيدات خاصة باليمن تحتاج الى شرح طويل، من جهة، والى أن القوّة الوحيدة المتماسكة في البلد هي "أنصار الله"، من جهة أخرى. إنّه الاسم الذي يتحرّك في ظلّه الحوثيون الذين ليسوا سوى تنظيم أيديولوجي وسياسي وعسكري مرتبط عضوياً بإيران.
 
ليس معروفاً هل تمتلك الإدارة الأميركية معلومات خاصة بها، وهي معلومات تظلّ صحّتها موضع شكّ كبير، تشير الى أن "أنصار الله" يمتلكون هامشاً ما للمناورة خارج الإطار الإيراني.
 
الواضح، في الظروف الراهنة، أنّ الحوثيين ليسوا في وارد التوصل الى تسوية سياسية في اليمن. تؤكّد ذلك متابعة إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة من الأراضي اليمنية في اتجاه الأراضي السعودية، خصوصاً نحو المطار المدني في أبها. يستمرّ إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة في موازاة مساعي الإدارة الجديدة الى رفع الحوثيين من قائمة الإرهاب الأميركية!
 
ليس ما يشير الى وجود أسس لحلّ سياسي أو تسوية في اليمن، في الوقت الحاضر، ما دام الحوثيون يصرّون على مشروعهم الذي هو امتداد للمشروع الإيراني. تتمثّل الترجمة العملية لهذا المشروع في تمسّكهم بإقامة دولتهم التي عاصمتها صنعاء. كان عبد الملك الحوثي، زعيم "أنصار الله"، واضحاً وصريحاً وشفافاً الى حدّ كبير عندما تحدّث في الخطاب الأوّل الذي ألقاه بعد وضع "أنصار الله" اليد على صنعاء في 21 أيلول (سبتمبر) 2014 عن "ثورة" انتصرت على "الثورة" التي قامت في 26 أيلول (سبتمبر) 1962 وأنهت النظام الإمامي وأقامت الجمهورية. بالنسبة اليه عاد الإمام الى اليمن. لم يتغيّر شيء منذ خريف عام 2014. يريد الحوثيون قيام دولتهم في اليمن. في مرحلة معيّنة كانوا يريدون كلّ اليمن، بما في ذلك عدن، لكنّهم ما لبثوا أن تراجعوا بعدما وجدت قوّة عربيّة أخرجتهم من عاصمة الجنوب اليمني ثمّ من ميناء المخا الذي يتحكّم بمضيق باب المندب ذي الأهمّية الاستراتيجية الكبيرة.
 
تؤكّد المعطيات على أرض الواقع أنّ لا وجود لقوّة تستطيع تحدّي الحوثيين، أي "أنصار الله" عسكرياً. من دون وجود مثل هذه القوّة، لا مجال لحل سياسي أو تسوية من أيّ نوع، خصوصاً أن "الشرعية" التي على رأسها الرئيس الموقت عبد ربّه منصور هادي، لا تمتلك أيّ وسيلة تمكّنها من تحقيق اختراقات على أي جبهة من الجبهات. على العكس من ذلك، إنّ سيطرة الحوثيين على الحديدة ومينائها تزداد يوماً بعد يوم، فيما تهديد هؤلاء لمأرب، التي تمثّل المعقل الأهمّ لـ"الشرعيّة" بات أكثر من جدّي.
 
في غياب ضغط حقيقي وفعّال على الحوثيين الذين استفادوا من الفراغ القائم على مستوى "الشرعية"، يصعب الكلام عن تسوية أو حلّ سياسي. في المقابل، ثمّة تساؤلات في شأن الهدف الذي تبغيه الإدارة الأميركية الجديدة من وضع اليمن في الواجهة، من جهة، وانفتاحها على الحوثيين من جهة أخرى. الى الآن، ليس هناك أي منطق لمثل هذا الانفتاح إلّا إذا كان المطلوب أميركياً تكريس وجود دولة يحكمها الحوثيون، أي إيران، تشمل جزءاً من شمال اليمن تمتد الى ميناء الحديدة، على البحر الأحمر. دولة حوثيّة ذات حدود مع السعودية!
 
هل هذا ما تريده الإرادة الأميركية، أي هل تسعى الى استسلام كامل لما يريده الحوثيون، وبالتالي إيران، في اليمن؟ إنّه بالفعل سؤال محيّر قد لا يكون من تفسير آخر له سوى أن الفريق المحيط بجو بايدن لا يعرف الكثير عن اليمن وتعقيدات اليمن ولا عن مدى التورّط الإيراني في الشمال اليمني... أو ربّما يعرف هذا الفريق أكثر من اللزوم ويريد إيران على حدود السعودية!
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم