إعلان

كيف هزم بايدن نفسه في اليمن؟

المصدر: "النهار"
جورج عيسى
الرئيس الأميركي جو بايدن - "أ ب"
الرئيس الأميركي جو بايدن - "أ ب"
A+ A-

مع فتح قنوات التواصل بين السعودية وإيران، قفز الملفّ اليمنيّ إلى الواجهة بكلّ تعقيداته. لا يزال مبكراً الحديث عن نتائج هذا التواصل الذي استجدّ بالتزامن مع المفاوضات غير المباشرة في فيينا. لكن يصعب تخيّل حوار سعوديّ-إيرانيّ لا يشمل دور طهران في دعم وكلائها الحوثيّين. في الوقت نفسه، يصعب أيضاً تصوّر أنّ إيران ستضغط على الحوثيّين لوقف هجومهم في مأرب، خصوصاً إذا نجحت العودة إلى الاتّفاق النوويّ كما هو متوقّع. فاتّفاق 2015 لم يوقف التمدّد الإيرانيّ في المنطقة، واتّفاق 2021 المتوقّع (أكان نهائيّاً أو أوّليّاً) لن يوقفه على الأرجح.

 

لحلّ الملفّ اليمنيّ، على الولايات المتّحدة أن ترمي بثقلها السياسيّ في المكان المناسب. لكنّ الشكوك الخليجيّة باعتناق واشنطن سياسة متوازنة ستكون مفهومة. في نهاية المطاف، لم يتلقّ الحوثيّون الحافز المنتظر لشنّ هجومهم على مأرب إلّا بعد سلسلة القرارات التي اتّخذتها إدارة بايدن في أسابيعها الأولى: تعليق مبيعات الأسلحة المتطوّرة إلى السعودية والإمارات، رفع الحوثيين عن لائحة الإرهاب، وقف دعم العمليّات العسكريّة "الهجوميّة" للتحالف العربي في اليمن، وغيرها. قراءة الحوثيّين ومن خلفهم طهران لتلك التحوّلات على أنّها "ضوء أميركيّ أخضر" للتصعيد لم تكن مفاجئة – إلّا ربّما لإدارة بايدن. حتى أنّ البعض رأى أنّ المراقب لا يحتاج إلى أن يكون هنري كيسنجر لإدراك مفاعيل خطأ الإدارة.

 

عادت واشنطن وفرضت عقوبات على قياديّين حوثيّين، وأعربت عن وقوفها إلى جانب الرياض في وجه الهجمات التي تتعرّض لها من بينها ما يطال مطاراتها المدنيّة. عبّر ذلك عن استدراك للسياسة المتسرّعة التي أطلقتها في البداية، والتي لا يمكن فصلها عن محاولة الإدارة الجديدة التخلّص من جميع الخطوات التي اتّخذها الرئيس السابق دونالد ترامب. مع ذلك، لا يمكن فهم موقف الإدارة تجاه الخليج من خلال عدسة "المناكفات" الأميركيّة الداخليّة وحسب. فـ"الأدلجة" تؤدّي دورها أيضاً في صياغة سياسات الإدارة. أبرز من يركن إلى تصوّراته العالميّة لحلّ الملفّات الإشكالية، هو ممثّل واشنطن للشأن الإيرانيّ روبرت مالي.

 

مقال يبيّن الكثير

ينتمي الأخير إلى مجموعة أميركيّة تعتقد إلى حدّ بعيد أنّ الأزمات في الشرق الأوسط، خصوصاً تلك التي ترتبط بإيران، هي وليدة سياسات أميركيّة خاطئة. بمعنى آخر، إنّ "تحسين" أداء واشنطن في التعامل مع طهران سيحسّن الأوضاع الأمنيّة والسياسيّة في المنطقة. ليس أدلّ على ذلك من المقال الذي كتبه مالي في مجلّة "فورين أفيرز" برفقة ستيفن بومبر الذي شغل منصب المساعد الخاص للرئيس أوباما، تماماً كما كان مالي. وتزامل الرجلان أيضاً في رئاسة "مجموعة الأزمات الدوليّة" وإدارة سياستها. 

 

اتّهم مالي وبومبر واشنطن بـ"التواطؤ في المذبحة" ملقيين غالبيّة اللوم بما وصلت إليه الأمور في اليمن اليوم على الولايات المتحدة والسعودية. وبالكاد مرّا مرور الكرام على دور الحوثيّين، في إحدى زوايا المقال، حين كتبا أنّ عليهم القبول بأنّ الاتّفاق القابل للحياة لن يعكس تقدّمهم الميدانيّ بما أنّ أجزاء كبيرة من الشعب اليمنيّ تعارضهم. لكنّهما لم يذكرا انتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها الحوثيّون، ولا المماطلة في المفاوضات، ولا احتجازهم المساعدات الإنسانيّة، ولا مخاطرتهم بكوارث بيئية، ولا تجنيد قصّر (أكثر من 10 آلاف) وإرسالهم إلى المعارك، ولا كيفية تطور القيادة العملانية العسكرية للتحالف إلى واحدة أكثر دقة ومهنية مع مرور الوقت. هذا من دون ذكر قصف الحوثيّين لناقلات نفط تعبُر الممرّات المائيّة الاستراتيجيّة في تلك المنطقة. ومع هجوم الحوثيّين على محافظة مأرب الغنيّة بالنفط، سيتسبّب هؤلاء بأزمة إنسانيّة جديدة لإيواء المحافظة مئات الآلاف من النازحين أصلاً بسبب الحرب.

ويضيء المسؤولان على تصعيد الحوثيّين ضدّ السعوديّة ومنشآتها النفطيّة في أيلول (سبتمبر) 2019 لكنّهما يضعانه في سياق زيادة الضغط الأميركيّ على إيران. ويشيران أيضاً الى الجدال الدائر حول مدى اعتماد الحوثيين على طهران ومدى انعكاس رغبتها في أفعالهم ليتبنّيا فكرة أنّ الحرب عليهم جعلتهم أكثر رغبة بالاستدارة نحوها وطلب المساعدة. وفي إطار الحل، كتب مالي وبومبر أنّ على الإدارة وقف الدعم العسكري لعمليّات التحالف ورفع الحوثيين عن لائحة الارهاب وإعلان واشنطن التزامها الدفاع عن السعودية. هذا ما حصل بالضبط في شباط (فبراير) الماضي، حتى أنّه بات بالإمكان التساؤل عمّا إذا كان مالي يساهم أيضاً في وضع سياسات واشنطن اليمنيّة لا الإيرانيّة فحسب. لكن في جميع الأحوال، وبصرف النظر عمّن يقف خلف هذه السياسات، يبقى الواقع أنّ مساعي الإدارة لتهدئة الحرب في اليمن اصطدمت بحائط مسدود.

 

"حشر نفسه في الزاوية"

منذ يومين، انتقد الكاتب السياسيّ في شبكة "بلومبيرغ" بوبي غوش الرئيس الأميركيّ الحاليّ لأنّه "حشر نفسه في الزاوية" عبر التنازلات التي قدّمها للحوثيّين والإيرانيّين. ويذكر جولات المبعوث الأميركيّ تيموثي ليندركينغ في الخليج من أجل حثّ الأطراف على التوصّل إلى تسوية، مشيراً إلى أنّ المعنيّين الأوائل باستمرار النزاع، أي الحوثيّين، رفضوا لقاء ليندركينغ والموفد الأمميّ مارتن غريفيث. وأضاف غوش أنّ الحوثيّين كانوا أداة مفيدة للإيرانيّين لمواصلة إزعاج السعوديين، والآن، هم أداة لتعزيز موقع إيران التفاوضيّ مع الولايات المتحدة.

 

لن تعترف الإدارة الحاليّة بأنّها أخطأت في الحسابات عندما رفعت الضغط عن الحوثيّين وزادته على التحالف العربيّ في اليمن. فهي في مهمّة إقليميّة واحدة تتمثّل بالعودة إلى الاتّفاق النوويّ بأيّ ثمن حتى ولو كان ذلك على حساب رغبتها بإيجاد تسوية عادلة في المنطقة. لا تزال الإدارة تعتقد أنّ اتّفاق 2015 يجسّد إرثها السياسيّ الأبرز ولذلك يتوجّب عليها إحياؤه حتى ولو تخطّاه الزمن. أن تخطئ بحساباتها في اليمن أو حتى في الشرق الأوسط كلّه، من أجل الهدف "الأسمى"، فهو مجرّد ضرر جانبيّ.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم