إعلان

ضربتان موجعتان لـ"الإخوان المسلمين" شمال سوريا

المصدر: النهار العربي
عبدالله سليمان علي
حسن صوفان في جولة على مواقع أحرار الشام
حسن صوفان في جولة على مواقع أحرار الشام
A+ A-
تعرّض نفوذ جماعة "الإخوان المسلمين" في صفوف الجماعات المسلّحة في الشمال السوري، إلى ضربتين قويتين خلال مدة وجيزة. تمثلت الضربة الأولى في سيطرة الجناح العسكري في "أحرار الشام" على معظم مقار الحركة الرئيسية مقلصاً بذلك من نفوذ جناح القيادة العامة المحسوب على جماعة "الإخوان" حلفاء أنقرة في المنطقة. وتمثلت الضربة الثانية في قيام طائرات حربية روسية باستهداف معسكر لمقاتلي "فيلق الشام" أسفر عن أضخم حصيلة من القتلى والجرحى منذ الغارة التي استهدفت مقارّه في تل مرديخ عام 2017.
 
ويعتبر "فيلق الشام" من أقرب الفصائل المسلحة في سوريا إلى جماعة "الإخوان المسلمين" وإن واظب الطرفان على نفي وجود أي علاقة تنظيمية بينهما، وقد تكون الثقة التركية الموضوعة في "الفيلق" لدرجة أنه اصبح بمثابة فرقة تابعة للجيش التركي، خير دليل على أن النفي ليس سوى محاولة لعدم تحميل جماعة "الإخوان" أعباء المسؤولية عن أعمال عسكرية قد تضر بالدور الموكول إليهم من الناحية السياسية.
 
واستهدفت طائرات حربية روسية، صباح اليوم الاثنين، معسكراً تابعاً لفصيل "فيلق الشام" في جبل الدويلة شمال غرب محافظة إدلب بالقرب من الحدود السورية - التركية. وأدّى القصف الروسي إلى وقوع مئات القتلى والجرحى بين عناصر الفيلق الذي كان يستعد لتخريج دورة من مقاتليه بعد انتهاء فترة تدريبهم. 
 
وينطوي القصف الروسي على مقار "فيلق الشام" بهذا الشكل، على دلالات عدة قد يكون أهمها توجيه رسالة تصعيدية إلى أنقرة لتكون بمثابة تحذير نتيجة الأدوار السلبية التي تمارسها الأخيرة على أكثر من جبهة تمتد بين سوريا وليبيا وإقليم كراباخ المتنازع عليه بين أرمينيا وأذربيجان. كما أن توسيع أعمال القصف لتنتقل من مناطق جنوب إدلب التي تعتبر خط التماس الساخن بين الجيش السوري والفصائل المسلحة، إلى مناطق شمال إدلب، تعتبر نقلة نوعية في إعادة تشكيل خرائط المواجهات وفتحها على احتمالات واسعة لم تكن موجودة من قبل.
 
ولا شك في أن وقوع الاختيار الروسي على "فيلق الشام" ليكون صندوق البريد الذي ينقل الرسائل إلى أنقرة، لم يكن عبثيّاً، لأن الفيلق معروف بتماهيه مع الجيش التركي، وبالتالي فإن استهدافه في منطقة خارج نطاق القصف المعتاد، يضمن وصول الرسالة بحذافيرها من دون أن يؤدي إلى تصعيد ميداني مع تركيا.
 
ومن نافل القول، إن الاستهداف الروسي لفصيل محسوب على جماعة "الإخوان المسلمين" من شأنه أن يسلط الضوء على تراجع دور هذه الجماعة، وعدم وجود اختلاف، من وجهة نظر روسيا، بينها وبين الجماعات الجهادية المصنفة على قائمة الإرهاب مثل "هيئة تحرير الشام"، لكن الأهم قد يكون في تبيان طبيعة العلاقة بين أنقرة والجماعات المسلحة في سوريا، وأن الأولى تنظر إلى هذه الجماعات على اختلاف مسمياتها باعتبارها مجرد أدوات صغيرة لا يستحق قصفها تصعيد التوتر مع موسكو.
 
في غضون ذلك، كان جناح القيادة العامة في حركة "أحرار الشام" المحسوب على جماعة "الإخوان المسلمين" يتلقى ضربة موجعة أخرى، تمثلت في سيطرة الجناح العسكري بقيادة كل من حسن صوفان وأبو المنذر درويش على مقار الحركة ومستودعات اسلحتها في مناطق أريحا وبنش والفوعة، وهي بحسب مراقبين للجماعات المسلحة في سوريا تعتبر مقار ومستودعات استراتيجية تحوي القسم الأعظم من السلاح الثقيل الذي تمتلكه "أحرار الشام".
 
ولم يخف درويش تواطؤ "هيئة تحرير الشام" مع جناحه في إنجاح الانقلاب الذي قاده ضد قيادته العامة، حيث ذكر في بيان صدر عنه، أمس الاثنين، أن "الهيئة" هي التي قامت بتسليمه مقرات الحركة التي كانت تسيطر عليها، وذلك في إقرار علني بتدخل "الهيئة" في الصراع الداخلي بين جناحي الحركة، وهو ما دأبت "الهيئة" على نفيه منذ البداية. 
 
وطلب درويش من جميع كوادر الجناح العسكري في الحركة من دون أيّ استثناء الالتحاق بمكاتبهم ومتابعة أعمالهم كالمعتاد، في إشارة على استتباب السيطرة له داخل الحركة ونجاح الانقلاب الذي قام به مدعوماً من "هيئة تحرير الشام". وفي تأكيد على ذلك حرص إعلاميو "أحرار الشام" على نشر صور لدرويش برفقة حسن صوفان اثناء جولة قاموا بها على بعض مقار الحركة ونقاط انتشارهم على الجبهات. وحسن صوفان هو القائد العام الأسبق لحركة "أحرار الشام"، حيث جرت المطالبة بعودته إلى ترؤس الحركة بعد انتهاء فترة التمديد لقائدها الحالي جابر علي الشيخ أحد أبرز مطالب الجناح العسكري، وهو ما أشعل فتيل الصراع الحالي بعد رفض القيادة العامة هذا المطلب.
 
ويعتبر الموقف التركي من التطورات داخل "أحرار الشام" بمثابة اللغز الذي يحيّر كثيرين، لأن أنقرة التي حرصت على تسليم الكتلة المالية المخصصة للشهر المقبل إلى القيادة العامة في الحركة، ما اعتبر مؤشراً على رفض الانقلاب ضدها، لم تبذل أي جهد لمنع الجناح العسكري من استكمال انقلابه والسيطرة على المقار والمستودعات، ما جعل القيادة العامة من دون أي نفوذ حقيقي.
 
وثمة رواية بدأت بالانتشار في أوساط الإعلاميين في الشمال السوري مفادها أن ما الصراع الجاري داخل حركة احرار الشام إلا عملية جراحية تستهدف في نهاية المطاف إعادة هيكلة المجلس العسكري الموحد وفق رغبة "هيئة تحرير الشام" وشروطها.
 
ومن المعروف على نطاق واسع أن "المجلس الموحد" الذي تشكل في شهر تموز (يوليو) الماضي ليكون بمثابة غرفة تنسيق بين مختلف الفصائل العاملة في إدلب بإشراف تركي، هو في الأصل فكرة طرحتها "هيئة تحرير الشام" ووافقت عليها أنقرة من أجل الالتفات على مطلب حلّ "هيئة تحرير الشام". 
 
ويضم المجلس الموحد ثلاثة ممثلين: الأول "هيئة تحرير الشام" وهو أبو الحسن 600، والثاني عن "فيلق الشام" وهو حجي محمد حوران، والثالث عن "أحرار الشام" وهو أبو المنذر درويش. 
 
وتسعى "هيئة تحرير الشام" إلى تحويل المجلس من مجرد غرفة تنسيق إلى غرفة قيادة تنبثق عنها إدارة موحدة لمحافظة إدلب وكذلك قيادة سياسية تكون مؤهلة لتمثيل الجسم الجديد على طاولة المفاوضات في مسارات الحلول السياسية.
 
واصطدمت "الهيئة" برفض القيادة العامة في "أحرار الشام" لمثل هذا التحوّل، لأنه يعني عملياً هيمنة "الهيئة" بقيادة أبي محمد الجولاني على كافة المسارات السياسية والعسكرية، وهو ما دفع الأخير إلى دعم الانقلاب الذي قاده أبو المنذر درويش ضد قيادته العامة.
 
ولا يستبعد بعض الأوساط المتابعة للتطورات داخل حركة "أحرار الشام" أن تكون أنقرة متواطئة في الانقلاب ضد القيادة العامة، لأنها تعتبر أن تشكيل قيادة عسكرية وسياسية تكون واجهة لمحافظة إدلب، هي خطوة تخدم أهدافها على المدى البعيد خصوصاً لجهة استدامة وقف إطلاق النار في إدلب، وإيجاد موطئ قدم لجماعاتها على طاولة المفاوضات. 
 
وبطبيعة الحال، فإن أنقرة مستعدة لإسناد هذه المهمات إلى الفصيل الذي يثبت قوته ونفوذه على الأرض، ولا تهتم كثيراً إذا ما كان منتمياً إلى "الإخوان" أم إلى "الجهاديين" طالما أن ذلك يصب في خدمة مصالحها الجيوسياسية في المنطقة.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم