إعلان

ماذا بعد غارات بايدن في سوريا؟

المصدر: "النهار العربي"
الرئيس الأميركي جو بايدن، 16 شباط 2021 - "أ ب"
الرئيس الأميركي جو بايدن، 16 شباط 2021 - "أ ب"
A+ A-

"لا يمكنكِ التحرّك (ومهاجمتنا) والإفلات من العقاب". هكذا ردّ الرئيس الأميركيّ جو بايدن أمس الجمعة على سؤال حول أهداف الغارات على مواقع لمقاتلين مدعومين من إيران في شمال شرق سوريا. بذلك، أدخلت إدارة بايدن عنصراً جديداً في المعادلة الإقليميّة. قلّة توقّعت أن يأمر بايدن بهذه الهجمات في وقت كان يقدّم تنازلاً تلو الآخر لصالح الإيرانيّين كي يدفعهم إلى التفاوض. لكن يبدو أنّ الإدارة لم تستطع تحمّل ثلاثة اعتداءات على مصالحها داخل العراق في أسبوع واحد تقريباً.

 

أعلنت الإدارة أنّها ستحاسب المسؤولين عن هجوم الخامس عشر من شباط الذي استهدف قاعدتها العسكريّة في إربيل فور تحديد هويّاتهم. في ذاك الاعتداء، قُتل متعاقد فيليبيني وجُرح متعاقدون أميركيون آخرون. وُضع هذا التصريح في إطار حفظ ماء الوجه ديبلوماسيّاً أكثر من كونه مقدّمة لردّ عسكريّ. لكنّ الصورة تغيّرت مع قصف واشنطن بنية تحتيّة عسكريّة لـ"كتائب حزب الله" بالقرب من مدينة البوكمال، عند الثانية من فجر الجمعة. وسقط ما لا يقلّ عن 22 من المقاتلين الإيرانيّين في ذلك الهجوم.

 

سرعة

وجّهت الإدارة رسائلها العسكريّة في وقت مبكر جدّاً من ولايتها. وفي هذه السرعة إشارة أوّليّة لكن جدّيّة إلى عزمها على حماية مصالحها وجنودها المنتشرين في الشرق الأوسط. من حيث المبدأ، كلّما كانت الرسالة أسرع كانت كلفة حماية المصالح الأميركيّة في المستقبل أقلّ، بما أنّ خصوم واشنطن سيفكّرون لفترة أطول قبل استهداف الأميركيّين.

 

إضافة إلى تحذير إيران من مغبّة شنّ هجمات مستقبليّة مشابهة، وجّه بايدن إشارة إيجابيّة إلى العراق لأنّه تجنّب قصف الميليشيات داخل أراضيه وهو قصف كان ليحرج حكومة مصطفى الكاظمي. وإخطار واشنطن الروس بالعمليّة قبل خمس دقائق فقط من إطلاقها هو ضربة معنويّة للنفوذ الروسيّ في سوريا، علماً أنّ الإدارة أبلغت إسرائيل بالهجوم قبل موسكو. وفي هذا الفعل تأكيد على التحالف التقليديّ بين واشنطن وتل أبيب.

 

ومع أنّ تركيا خارج الصورة العامّة، يبقى أنّها طرف معنيّ بشكل غير مباشر بالضربة. خلال ولاية الرئيس السابق دونالد ترامب، وجّه الرئيس التركيّ رجب طيب أردوغان تهديدات كثيرة إلى الجيش الأميركيّ في سوريا، ولعلّ أشهرها على الإطلاق "الصفعة العثمانيّة". كان أردوغان يريد من القوّات الأميركيّة أن تبتعد من طريق الجيش التركيّ للتخلّص من مقاتلي "قوّات سوريا الديموقراطيّة" على الحدود التركيّة. ثمّة احتمال كبير في أن يردع الهجوم الأخير أنقرة عن إطلاق تهديدات مماثلة في المستقبل، خصوصاً أنّ نظرة بايدن إلى أردوغان لا تتّسم بالإيجابيّة. ومن المرجّح أن تستقبل مناطق الإدارة الذاتيّة هذه الغارات بنوع من الارتياح للأسباب نفسها، بانتظار تبلور السياسة الأميركيّة العامّة للملفّ السوريّ.

 

ندّدت دمشق بالهجوم الأميركيّ واصفة إيّاه بأنّه "مؤشر سلبيّ على سياسات الإدارة الأميركيّة الجديدة". صدر بيان الإدانة بعدما اتّصل وزير الخارجيّة الإيرانيّ محمّد جواد ظريف هاتفياً بنظيره السوريّ فيصل المقداد. فاختيار البوكمال لاستهداف المقاتلين الإيرانيّين قد لا يوفّر التحالف الإيرانيّ-السوريّ من سلسلة الرسائل التي وجّهتها إدارة بايدن، بالتحديد إذا كان ثمّة تعاون بين الطرفين لاستهداف القوّات الأميركيّة أكان في العراق أو في سوريا. وقال وزير الدفاع الأميركيّ لويد أوستين الخميس إنّ إدارته متأكّدة من أنّ المنشآت التي تمّ استهدافها "كانت تُستخدم من قبل الميليشيا الشيعيّة نفسها" التي استهدفت القوّات الأميركيّة الأسبوع الماضي.

 

تهدئة الخصوم

للحسابات الداخليّة أهمّيّتها بالنسبة إلى بايدن. بهذه الغارات، أكّد الرئيس الديموقراطيّ لخصومه الجمهوريّين أنّه لا ينوي التواصل مع إيران على حساب حياة الأميركيّين في الخارج وأنّ دعوته طهران للتفاوض ليست "شيكاً على بياض" كي تستطيع صرفه عبر التصعيد الإقليميّ. هذه هي الرسالة الأوّليّة التي ستكفي على الأرجح لتهدئة الجمهوريّين ولو لفترة قصيرة. لكنّ هذه الفترة قد تكون حرجة. يمكن أن يستغلّ بايدن غاراته على المقاتلين الإيرانيّين في سوريا من أجل دفع الجمهوريّين إلى الموافقة على حزمة التحفيز البالغة 1.9 تريليون دولار لمواجهة جائحة "كورونا". للغارات أيضاً رأس مال سياسيّ آخر ذو وجهين داخليّ وخارجيّ معاً.

 

إذا كان بايدن مستعجلاً لعقد اتّفاق مع الإيرانيّين، وهذا هو الظاهر، فإنّ الغارات تحصّنه من انتقادات الجمهوريّين بأنّه "يسترضي" الإيرانيّين. بات بإمكان بايدن الادّعاء الآن بأنّه يتفاوض معهم من موقع قوّة. بذلك، ستُسكت الإدارة الأصوات المعترضة أو تخفّف حدّتها في إطار استئنافها عمليّة التفاوض. لهذا السبب، قد تتقدّم واشنطن بخطوة إضافيّة نحو إيران لتسهيل الحوار من منطلق النفوذ الإضافيّ الذي أرسته الغارات الأخيرة. وأعلن أبرز عضو جمهوريّ في لجنة الشؤون الخارجيّة في مجلس النوّاب الأميركيّ مايكل ماكول أنّ الضربات هي "ردع ضروريّ وإنذار لإيران ووكلائها وخصومنا في جميع أنحاء العالم بأنّه لا تهاون في ما يخصّ المصالح الأميركيّة". وبينما وصف ماكول الخطوة بالصحيحة، أعرب السيناتور الجمهوريّ البارز ليندزي غراهام عن "تقديره" للغارات التي أمر بايدن بشنّها كاتباً في تغريدة: "من الإلزاميّ أن يعرف أعداؤنا أنّ مهاجمة الأميركيّين مكلف".

 

مشكلة رسائل الردع

وجّه بايدن رسالة رادعة إلى أعداء الولايات المتّحدة. لكنّ رسائل الردع قلّما تدوم طويلاً. في نيسان 2017، هاجمت واشنطن قاعدة عسكريّة سوريّة ردّاً على استخدام دمشق السلاح الكيميائيّ في خان شيخون. وفي نيسان 2018، شنّت واشنطن بالتحالف مع فرنسا وبريطانيا، هجوماً على قواعد ومراكز سوريّة أخرى ردّاً على استخدام الأسد السلاح الكيميائيّ في دوما.

 

وفي كانون الأوّل 2019، شنّت واشنطن غارات على "كتائب حزب الله" بعد استهدافها قاعدة عسكريّة أميركيّة وقتلِ متعاقد أميركيّ. بعد أيّام على الغارات، وبسبب محاولات اقتحام السفارة الأميركيّة في بغداد، اضطرّت واشنطن لاغتيال القائد السابق لـ"قوة القدس" قاسم سليماني. فهل يضطرّ بايدن لتعزيز رسائله الرادعة مرّة أخرى إذا عاودت طهران التصعيد؟ أم يخشى ضياع فرصة التوصّل إلى تفاهم معها حول الاتّفاق النوويّ؟

الكلمات الدالة