إعلان

سوريا في 2021: تجديد متوقع للأسد ومصالحات محدودة وتطبيع عربي مفرمل

المصدر: النهار العربي
عبدالله سليمان علي
سوريون يحتفلون بإعادة انتخاب الأسد
سوريون يحتفلون بإعادة انتخاب الأسد
A+ A-
كانت دمشق خلال عام 2021 على موعد مع أحداث وتطورات كبيرة، كاد بعضها يرقى إلى مستوى الانعطافات الاستراتيجية، لولا أن "الفرملة" الإقليمية والدولية كبحت من جماح هذه التطورات ومنعتها من الوصول إلى محطتها المرتقبة.
 
فمن انتخابات رئاسية راهنت دمشق على أن تكون بداية جديدة لاسترداد الشرعية التي ينازعها فيها الخارج، إلى تسويات جرت في محافظتي درعا ودير الزور لكنها ظلت دون سقف الطموح بسبب تعقيدات المشهد في المحافظتين كلتيهما، وصولاً إلى حدوث اختراقات كبيرة في طوق العزلة الدبلوماسية الذي كان مفروضاً على عاصمة الأمويين منذ عام 2011 نتيجة جهود أردنية لانتهاج سياسة جديدة إزاء جارتها الشمالية تكللت باتفاق لنقل الكهرباء والغاز ومحادثة نادرة بين الرئيس السوري بشار الأسد والملك الأردني عبدالله الثاني. غير أن منغصات كثيرة لا تزال تقلق المجتمع الدولي مثل الوجود الإيراني في سوريا ومشكلة الإرهاب وتنظيماته المنتشرة فوق أراضيها، فضلاً عن عدم وجود توافق إقليمي ودولي على طريقة الحل النهائي للأزمة السورية، كانت كلها عوامل دفعت المشهد السوري للمراوحة في مكانه من دون أن تتمكن التطورات السابقة بما فيها من اختراقات وانعطافات من إحداث تغيير مأمول قبل انتهاء العام الحالي.
 
انتخابات رئاسية 
لم يمنع تفشي فيروس كورونا من تنظيم احتفالات كبيرة لمناسبة تولي الرئيس بشار الأسد مهام الرئاسة لولاية رابعة، فالحدث بمدلولاته السياسية والدبلوماسية من وجهة نظر رسمية يستحق العمل على إبرازه لما يمثله من تحدٍّ على الصعيدين الداخلي والخارجي، لا سيما أن إسقاط الأسد كان أحد أبرز مطالب "الثورة" التي أدخلت البلاد في نفق مظلم منذ عام 2011. وقد اختارت الصين يوم القسم الرئاسي في 18 تموز (يوليو) لتوفد وزير خارجيتها وانغ يي للمرة الأولى إلى دمشق منذ اندلاع الأحداث وذلك في رسالة دعم واضحة وغير مسبوقة على هذا المستوى. ورغم أن المفاجأة جاءت من فرنسا التي سمحت للسفارة السورية في باريس بفتح صناديق الاقتراع، غير أن هذا الموقف لم ينعكس على الناحية السياسية فظلت فرنسا ومن ورائها الاتحاد الأوروبي تعتبر أن الانتخابات الرئاسية "لم تستوفِ المعايير الديموقراطية" وسط رفض غربي لأي تطبيع للعلاقات مع دمشق ورئيسها الحالي. 
 
تسويات كبيرة بآثار محدودة
شهد النصف الثاني من عام 2021 انطلاقة واعدة لقطار التسويات الداخلية فكانت محطته الأولى في محافظة درعا التي شكلت في البداية استعصاءً قوياً أمام اندفاعة القطار وكادت الأمور تصل إلى حد النزوح الجماعي رفضاً للشروط الروسية والسورية، غير أن الضغط العسكري واختلاف موازين القوى، فضلاً عن تغير المزاج الاقليمي لا سيما نتيجة انقلاب الموقف الأردني المشغول بتمرير اتفاقية نقل الغاز والكهرباء إلى لبنان عبر سوريا، أديا إلى إقناع الدرعاويين بضرورة الانحناء أمام عاصفة التسوية لتفادي مخاطر أكبر قد يجرها عليهم التخلي الإقليمي والدولي عنهم. وتنقلت التسويات بين مدن محافظة درعا وأريافها وصولاً إلى مناطق نفوذ "اللواء الثامن" بقيادة أحمد العودة في بصرى الشام، غير أن الأخير تمكن من المحافظة على موقعه في معادلة الجنوب باعتباره رجل روسيا في المنطقة وهو ما سمح له أخيراً بتلقي العلاج في مستشفيات موسكو بعد أن ذهبت التوقعات إلى احتمال انتهاء دوره بعد التسويات الأخيرة. 
 
 
 
ومع ذلك ظلت تسويات درعا من دون سقف الطموح السوري، لا سيما أن الفلتان الأمني سرعان ما عاد إلى المشهد عبر تصاعد عمليات الاغتيال التي بدأت تهدد حالة الاستقرار وتعيد الاحتقان إلى المربع الأول.
 
وكانت المحطة الثانية لقطار التسويات محافظة دير الزور برغم الظروف المعقدة التي تعيشها المحافظة، سواء لناحية توزع السيطرة بين جهات عديدة هي الجيش السوري والقوات المدعومة من إيران والقوات الروسية و"قوات سوريا الديموقراطية" (قسد) والقوات الأميركية، أو لناحية استعادة "داعش" أنفاسه وتمكنه من تجديد نشاطه في المحافظة الحدودية مع العراق. وتمت تسوية دير الزور من دون منغصات كبيرة كما حدث في درعا، وقد يعود سبب ذلك إلى كونها مجرد تسوية صورية لم تمس ركائز نفوذ الجهات الأخرى، فلم تتضرر قوات "قسد" منها كما لم تشعر القوات المدعومة من إيران أنها في حاجة لتعطيلها أو عرقلتها كما فعلت سابقاً في تسوية أحياء حلب الشرقية، كذلك فإن القوات الأميركية لم تجد نفسها معنية بالتصدي لهذا المسار لأنه لا يهدد مصالحها.
 
تطبيع العلاقات مع دمشق
بعدما كان الملك الأردني أول زعيم عربي يطالب عام 2011 بتنحي الرئيس السوري بشار الأسد عن الحكم استجابة للاحتجاجات المتصاعدة ضده، وجدد مطالبه عام 2017، عاد عام 2021 ليقود انقلاباً شاملاً على سياسته السابقة مطالباً هذه المرة بتغيير طريقة التعامل مع الأسد والدخول في حوار متدرج معه، معلناً سياسته الجديدة بعد لقائه الرئيس الأميركي جو بايدن في واشنطن، الأمر الذي أعطى تصريحاته أبعاداً دولية وإقليمية نتيجة الاعتقاد الذي ساد في وقته بأنها جاءت نتيجة توافق أميركي أردني على مضامينها، وهو ما لم يتأكد بحذافيره بعد.
 
وعلى خلفية السماح الأميركي بإتمام اتفاق نقل الغاز والكهرباء إلى لبنان عبر سوريا، وتغيير الإعلام الأردني خطابه الموجه إلى دمشق متخلياً عن عناوين أساسية طغت عليه طوال الأعوام العشرة الماضية، فضلاً عن تبادل زيارات رسمية بين مسؤولي البلدين السياسيين والعسكريين، أصبحت الطريق مفتوحة لاندفاع العلاقة بين عمان ودمشق إلى أوجها، وهو ما حصل يوم 3 تشرين الأول (أكتوبر)، عندما تلقى الملك الأردني عبدالله الثاني مكالمة هاتفية من الرئيس السوري بشار الأسد هي الأولى من نوعها بين الزعيمين العربيين منذ عقد من الزمن.
 
 
 
ولطالما كانت الإمارات العربية هي السباقة إلى قراءة المتغيرات الدولية والإقليمية بخصوص الأزمة السورية، فبادرت منذ عام 2018 إلى مواكبة هذه المتغيرات لمنع تحويل سوريا مناطق نفوذ لقوى خارجية تهدد الأمن القومي العربي، فجسّت النبض بداية عبر إعادة افتتاح سفارتها في دمشق تحت عنوان التصدي للنفوذين الإيراني والتركي، ثم أبدت دعمها لسوريا في مواجهة فيروس كورونا، ولكنها في عام 2021 اتخذت خطوات نوعية أكثر عمقاً وتأثيراً فكانت مكالمة هاتفية بين الرئيس السوري وولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد آل نهيان، سرعان ما اتبعتها الإمارات بخطوة أخرى تمثلت في إرسال وزير خارجيتها عبدالله بن زايد إلى دمشق للقاء الرئيس السوري بشار الأسد في خطوة كانت لها دلالات واسعة، لا سيما في ظل سياسة الانفتاح الجديدة التي بدأت الإمارات بانتهاجها لتخفيف التوتر في المنطقة ومحاولة حل الصراعات الدائرة بطرق دبلوماسية بعيداً من العسكرة. ويسود اعتقاد واسع أن الخطوات العربية باتجاه دمشق هي مجرد تطبيق لسياسة "خطوة مقابل خطوة" بمعنى أن الكرة الآن باتت في ملعب دمشق وأن عليها القيام بخطوة مقابل الانفتاح العربي عليها لتقرير مصير هذا المسار التطبيعي، إن كان سيتواصل بعد أن تضمن الدول العربية مصالحها، أم سيتوقف لأن خطوة دمشق المرتقبة لم تكن على مستوى التوقعات العربية.
 
جمود عسكري رغم التهديدات التركية
حافظ المشهد العسكري في سوريا خلال عام 2021 على هدوئه المتواصل منذ توقيع اتفاقيات التهدئة بين أطراف مختلفة بين عامي 2019 و2020، شملت مناطق في شمال غربي سوريا وشمال شرقيها بين روسيا وتركيا والولايات المتحدة. وكادت الأمور تخرج عن السيطرة أكثر من مرة، لا سيما في محافظة إدلب التي تسيطر عليها "هيئة تحرير الشام " نتيجة عدم رضا موسكو ودمشق عن تنفيذ اتفاق الخامس من آذار (مارس) ومطالبتهما بضرورة افتتاح الطريق الدولي "أم فور" أمام حركة التجارة وهو الأمر الذي ما زالت أنقرة تحاول عرقلته لاعتقادها أنه ورقة ثمينة بيدها لمقايضة روسيا على السماح لها بقضم مزيد من الأراضي التي تسيطر عليها "قوات سوريا الديموقراطية".
 
وكان عام 2021 على موعد مع استئناف أنقرة تهديداتها بالقيام بعملية عسكرية واسعة ضمن الأراضي السورية، غير أن إخفاق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في الحصول على ضوء أخضر من واشنطن وموسكو لتغطية هذه العملية دفعه إلى إلغائها موقتاً مع إمكان تجديد تهديداته كلما وصل إلى مأزق في سياسته الداخلية التي باتت تجر عليه استياءً شعبياً متصاعداً.


 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم