إعلان

من أثاث المنزل إلى الأعضاء: سوريّون يبيعون أملاكهم وأجسادهم للعيش!

المصدر: النهار العربي
دمشق-طارق علي
A+ A-
"منذ عامين تقريباً بدأت تتدهور أمورنا المعيشية بصورة غير متوقعة، بمعزل عن سنوات الحرب الأولى، فالفترة الأخيرة كانت أقسى بألف مرة من السنوات التي سبقتها، والحديث هنا عن معظم السوريين، فجأة استيقظنا ولا نجد ما نأكله"، يقول معروف نصار، خريج كلية التجارة والاقتصاد. ويضيف أنّه بعدما بلغ سن الثلاثين، وتحت ضغوط عائلية، قرر أن يقدم على خطوة الزواج، والتي يعتبرها إرضاءً لرغبة أهله وهو وحيدهم أكثر من كونها قناعة شخصية.
 
"كما يفعل معظم الشباب، بدأت أجهز وأفرش منزلاً مستقلاً أعطاني إياه والدي الذي حصل عليه قبل عشرات السنين بالتقسيط من إحدى الجمعيات"، ويستطرد: "المهم اشتريت معظم الأجهزة الكهربائية والعفش اللازم، وبدأت أماطل قليلاً في أمر الزواج بحثاً عن الخيار الأفضل، واختصاراً للوقت سأكتفي بأن أقول الحمد لله أنني لم أتزوج، فمن أين كنت سأصرف عليها".
 
وتحت ضغط الحاجة وضعف الرواتب وعدم تمكنها من مجاراة ركب الأسعار الصاعدة، بدأ نصار يبيع أثاث منزله شيئاً فشيئاً، "في البداية بعت المروحة، وقلت: حسناً، ثمنها سيكفيني ومن المستحيل أن أبيع شيئاً آخر. أما الآن فكل ما ظلّ في المنزل من العفش المتحرك هو سرير واحد وطاولتان وخزانة ملابس. حرفياً بعت كل أثاث المنزل لأعيش، والآن أفكر في بيع ما تبقى، والمضحك أنني كلما بعت غرضاً فثمنه لا يساوي شيئاً أمام جنون الأسعار هذا". يختم حديثه بدعابة تبدو أقرب للحقيقة: "ربما أبيع كليتي قريباً".
وحين سؤاله عن إمكان أن يستطيع مستقبلاً إعادة شراء أثاث جديد للمنزل، أجاب: "بالتأكيد أستطيع، ولكن ليس وأنا في هذا البلد".
القصة ليست في نصار عينه، بل هي مشكلة جيل كامل، شعب كامل، بلد مفلس. أن يبلغ السوريُّ حداً يبيع فيه أساسيات منزله على تفاوتها، فهذا ما لا يمكن أن يكون إلا نذير شؤم، قصصٌ كهذه لم تعد سراً، فهي حيلة لجأ ويلجأ إليها كثر.

من الصفر
الستيني أبو سليمان يتحسر على منزله الذي فقده بكل محتوياته قبل أن يهجّر من إدلب تحت وطأة المعارك إلى مدينة مصياف في ريف حماه، "الحمد لله أنني خرجت وعائلتي من المنزل قبل أن يدمّر بالكامل، وطبعاً لم أستطع أن أخرج معي سوى ما صغر حجمه وغلا ثمنه".
 
 
 
 
حطت به الدرب في مدينة مصياف التي ظلت بعيدة عن خط النار المباشر، هناك استأجر منزلاً صغيراً غير مفروش وبدأت رحلته في جلب أثاث للمنزل، "خزائن منزلي في إدلب كانت كلها من خشب الزان الثقيل، والأرضية والمغاسل من الغرانيت الإيطالي، أما غرفة الجلوس فكانت من النوع الفخم والجميل، وكذلك كل ما في منزلي، نعم لقد كان وضعي المادي جيداً وقتذاك، ولكنها الحرب، خسرت تجارتي ومنزلي ومحالي في إدلب، وبدأت من الصفر هنا، عدت عاملاً بعدما كان لديّ عمال".
 
ولكنّ القصة بحد ذاتها ليست سبب حزنه بحسب ما يخبر "النهار العربي"، بل إنّه بعدما تمكن من فرش منزله الجديد قبل سنين، بدأ يبيع بعضاً من أغراضه أخيراً، "تخيل، لقد بعت منذ شهرين جرة غاز أملكها، نعم لديّ جرةٌ أخرى، ولكنك تعرف، في هذه الأيام تبيع أي شيء إلا الجرة النفيسة، فما بالك أيّ أيام جاءت على أسرتي حتى اضطررت لبيع الجرة بعدما بعت طاولة التلفزيون واستبدلت هاتفي الذكي بآخر صغير لإجراء المكالمات فقط، الله أعلم ماذا سأبيع غداً".

وفي الحالة المجتمعية والاقتصادية العامة، تضج الصفحات على موقع "فايسبوك" في سوريا بعروض البيع والشراء، لتدخل على الخط حاجيات وأصناف متنوعة في كل يوم، فهذا يعرض سريراً وخزانة وفرشةً للبيع، وآخر يعرض مجموعة صوتيات قديمة وأجهزة خلوية، وثالث يعرض ما تيسر له من أثاث منزله، وفوق ذلك آخرون يبيعون أشياء حصلوا عليها من المعونات الأممية أو المحلية، كسلة الغذاء والأغطية والحصر وملابس المعونات.

بيع الأجساد
أواخر العام الفائت، نشرت صحيفة "البعث" الرسمية تحقيقاً حمل عنوان: "تجارة الأعضاء.. نشاط تجاري تحت غطاء التبرع!"، ولكنّ الصحيفة ما لبثت أن حذفته من موقعها الإلكتروني بعد أيام قليلة من نشره من دون أن تقدم أي توضيحات في الشأن، وتناول التحقيق ملف تجارة الأعضاء في ظل سوء الأوضاع الاقتصادية وتفشي الفقر والبطالة.
 
 
تناولت الصحيفة في تحقيقها وقتذاك قصة عامل فقد منزله في حرستا جرّاء الإرهاب، لينتقل مع عائلته لاستئجار منزل في دمشق، قبل أن يبيع كليته بمبلغ 30 مليون ليرة سورية، بهدف إجراء عملية قلب مفتوح لولده الوحيد، وكذلك لشراء الأدوية اللازمة له، وتالياً تسديد ديون العائلة، ما شجع زوجته التي عرضت كليتها للبيع بمبلغ مماثل، وبحسب الصحيفة، فإن هدف الزوجة من بيع كليتها كان شراء منزل صغير في ريف العاصمة. 
 
التحقيق أشار الى أنّه استمع لأطباء عديدين حول الظاهرة التي أكدوا أنّها باتت تمارس علناً أو شبه علني، وأنّها تخفي وراءها ما هو أخطر منها، وصولاً إلى شبكات منظمة للتجارة بأعضاء المواطن السوري، في ظل ضعف أو غياب الرقابة عن هذا الملف.
 
تقارير صحافية عدة أشارت إلى لجوء الكثير من السوريين لبيع أعضائهم، بل إنّ مجموعة سرية على موقع "فايسبوك" استحدثت لهذا الشأن، وحملت اسم: "إعلانات بيع الأعضاء البشرية"، قبل أن يقفلها القائمون عليها بعدما كان آخر منشوراتها أن العرض قد فاق الطلب.
 
تباع الكلية في سوريا بمبلغ يعادل نحو عشرة آلاف دولار أميركي، لتباع إلى الخارج لاحقاً برقم يصل إلى 60 ألف دولار، وطبعاً هذا الأمر يتم عبر شبكات متخصصة بتجارة الأعضاء.
 
البحث في ملف تجارة الأعضاء والشبكات المشرفة عليه ربما يحتاج مساحةً أكبر لنقاشه والوقوف على أسبابه وأسراره، إلا أنّ المهم في الأمر هو أيُّ زمان تعيشه سوريا اليوم، زمان لن يصدق فيه الأطفال حكايات الآباء والأجداد أنّ بلدهم قبل عقد وبضع لم يكن بها جائعٌ واحد.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم