إعلان

سوريا ترفع أسعار الأدوية... الحكومة للمواطنين: لا تمرضوا!

المصدر: النهار العربي
دمشق-طارق علي
صيدلية سورية
صيدلية سورية
A+ A-
ارتفعت أسعار الأدوية في سوريا بعد مد وجزر ودراسات ومؤتمرات وجلسات ومنتديات ومناقشات. أفعال ولقاءات وجد الشارع نفسه أمامها فجأة كما جرت العادات الحكومية في حل المشكلة بأخرى أكبر منها، صار الحدث أمراً واقعاً وخلّف صدمة ما زالت تلف الشارع السوري الذي وجد أن عدداً كبيراً من الصيدليات أغلق أبوابه ريثما يرفع أسعاره، في خطوة احتكارية غير إنسانية لا تقل شأناً عن أفعال التجار المتكررة خلال الحرب، ليصدر الصيدلي – بعض الصيادلة – أنفسهم كتجار أشداء على جيوب المواطنين.. المغلوب على أمرهم.
 
الدواء الذي ارتفع سعره بحدود تراوحت بين 30 إلى 40 في المئة، يشكل عبئاً إضافياً فوق أمراض الناس واحتياجهم للدواء، حتى قال متابعون للشأن إنّ المرض عينه صار رفاهية في لعبة اقتصادية كبيرة في أدنى سلّم اهتماماتها سلامة المواطن ومعيشته.
 
11,819 مستحضراً دوائياً رُفع سعرها، الرقم غير عادي على الإطلاق، هو رقم كبير للغاية، راح السوريون يتندرون على القرار ويقولون من باب الطرفة إنّه تم رفع أسعار كل الأدوية إلا "التحاميل" ظلت كما هي، في إشارة مبطنة الى أنّ الحكومة تتصرف بما لا يراعي الحال الاقتصادية للمواطنين، ما أسهم في تكريس فقرهم، بيد أنّ الحكومة عينها تسوّق مبررات لهذا الارتفاع، مبررات قد تبدو إلى حد ما مقبولة، ولكنّها في  الوقت ذاته غير مقبولة، ذاك أنّ اختصاص الحكومة حل مشكلات شعبها، لا تفعيل سياسة الهروب إلى الأمام، وكل ذلك بمعزل عن الحصار وتبعاته وشروطه وكل ما أدى إليه من تردٍ للحال المعيشية في بلد بات الهواء فيه هو وحده الناجي من العقوبات.

الرّضوخ للمبرّرات
يتضح من سياق ما حصل أن الحكومة لم تجد بداً من التفاعل مع القضية التي أثارها تصريح أصحاب المعامل الدوائية في سوريا، لناحية ضرورة رفع أسعار الأدوية لضمان الاستمرار في تصنيعها بعد الارتفاع الكبير في تكاليف المواد الأولية، ما أدى بدوره الى انقطاع العديد من الأصناف الدوائية.
 
"المجلس العلمي للصناعات الدوائية" قال إنّه ما عاد هناك حل سوى رفع أسعار الأدوية كضرورة وحل إسعافي، وذلك لأنّ المعامل باتت تتكبد خسائر فادحة.
 
 
وما زاد الطين بلة هو تصريح رئيس المجلس رشيد الفيصل للصحافة من أنّ معامل الأدوية لن تستطيع الاستمرار في العمل إذا ما ظلّ الوضع على ما هو عليه لفترة أطول.
 
وأضاف أنّه من الصعوبة في مكان الاستمرار بتصنيع الدواء محلياً، وأنّ كل مادة دوائية يتم دفع سعرها بالدولار، بدايةً من الأحبار المطبوعة على الأغلفة وصولاً الى المادة الفعالة، في حين أنّ أسعار الأدوية لا تزال منخفضة، ما ألحق أضراراً وخسائر كبيرة بالمعامل، لذا كان لا بد من إعادة النظر بتسعيرة الأدوية، وأن ما حصل الآن هو بمثابة الخروج من العناية المشددة في سعي الى تحقيق سعر متوازن وحقيقي، لا سيما أن تسعيرة الأدوية سابقاً كانت تحتسب على سعر صرف الدولار من المصرف المركزي بـ1260 ليرة سورية، أما اليوم فباتت تسعيرة المركزي 2550 ليرة سورية مقابل الدولار المدعوم للصناعات.

في ردود الفعل
"بعد بحثٍ طويل واتصالات وترجٍ تمكنت من الحصول على ظرف اوجمنتين واحد "دواء التهاب" بسعر 11600 ليرة سورية، وطبعاً لن أستطيع الحصول على غيره، حاولت سلفاً من دون نتيجة، والأمر ذاته ينطبق على أزيترومايثين وعشرات صنوف الأدوية"، يقول المهندس علي حمود لـ"النهار العربي". ويشرح استحالة تأمين بعض الأدوية الأساسية أحياناً، وفي حال توافرها فستكون بأسعار باهظة قياساً بالدخل السوري، وهذا كلّه قبل ارتفاع أسعارها الأخير، الارتفاع الذي يراه علي هائلاً ولا يناسب طبيعة العيش في سوريا.
 
ويوافقه المحامي سليم خليل الذي يقول: "بعد هذا الارتفاع سيرفع الخضرجي والسمان والجزار والميكانيكي أسعارهم، وكذلك كل أصحاب المهن، لأنّ الجميع بحاجة للدواء باستثناء الموظف الذي لا يملك إلّا أن يرفع يديه بالدعاء".
 
 
 
ولا يختلف الأمر بالنسبة الى الطالب الجامعي كنان. س الذي يتعالج من الاكتئاب باستخدام الأدوية المخصصة للغرض، يقول: "قبل ارتفاع الأسعار كنت أحصل على أدويتي بصعوبة وأحياناً تكون المهمة شبه مستحيلة، أحتاج بصورة مستمرة لأدوية من نوع (ليثيوم، زولام، لاميكتال)، وهي بالأساس إذا ما تمكنت من الحصول عليها أسعارها باهظة، فكيف الحال الآن؟".
 
في المقابل، نشرت إحدى الصيدليات المحلية على صفحتها في "فايسبوك" منشوراً تقول فيه: "نظراً الى ارتفاع أسعار الأدوية سنقوم بهذه المبادرة: الأدوية الموجودة بالصورة المرفقة هي عينات مجانية متوافرة في صيدليتنا، ويمكن لأي شخص يحتاج أياً نوع منها زيارتنا والحصول عليها بالمجان".

يبقى أنّ المواطن اختنق وما عاد يعرف من أين تأتيه المصائب التي لا تأتي فرادى عليه، فما أن يتنفس الصعداء حتى تتلقفه مصيبة جديدة تنغّص عليه حياته، فكيف إذا كان الأمر مرتبطاً بمادة مسؤولة عن الصحة بصورة مباشرة، وما من إنسان على وجه الأرض إلّا ويحتاجها، بيد أنّ السوري الذي خرج لتوّه من سنوات حرب يصفها بالعشر العجاف لا يملك ما يسد رمقه ويكفيه قوت يومه، فأنّى تلفت وجد أسعاراً مرتفعة، في ظل بطالة وصلت نسباً غير مسبوقةٍ مشفوعة بغياب الوظائف في القطاع الخاص وأجور لا تتعدى 15 دولاراً في الوظائف الحكومية، 15 دولاراً تكفيه لبضعة أيام في الشهر ويقضي بقية شهره في رحلة استدانة لتأمين طعامه، فكيف الحال إذاً بتأمين الدواء هذا الأيام؟ وكأنّ كل ما يجري من حول السوري يقول له: لا تأكل، لا تشرب، لا تمرض، لا تعش، وحده الموت لك ترف اختياره، ومن لم يمت بالسيف، مات بغيره، فالفقر يقتل أحياناً.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم