إعلان

مفوضية الانتخابات... ضغط على النظام السوري أم تمهيد لدويلة جديدة بدعم تركي؟

المصدر: النهار العربي
عبدالله سليمان علي
رئيس الإئتلاف السوري نصر الحريري
رئيس الإئتلاف السوري نصر الحريري
A+ A-
في وقت يخيم فيه الجمود على الملف السوري من الناحيتين العسكرية والسياسية، اتّخذ الائتلاف السوري المعارض، قبل يومين، قراراً مثيراً للجدل قضى بتشكيل "مفوضية عليا للانتخابات". جاء القرار من خارج سياق التطورات ومن دون أيّة مناسبة توجب اتخاذه، لكن يلاحظ أنه تزامن مع انتهاء أعمال المؤتمر الدولي لعودة اللاجئين الذي عقد في دمشق الأسبوع المنصرم، ويأتي قبل أشهر قليلة من الانتخابات الرئاسية السورية المتوقع إجراؤها منتصف السنة المقبلة 2021.
 
وقد دفع غياب الأسباب الموجبة وراء قرار تشكيل مفوضية الانتخابات، والغموض الذي لف بعض بنوده، وغموض أهداف القرار وغاياته الحقيقية، إلى إثارة موجة من الانتقادات العارمة التي طاولت القرار ومتخذيه لا سيما أنه يخالف قرارات مجلس الأمن بخصوص حل الأزمة السورية خصوصاً القرار 2254.
 
وقضى القرار الرقم 24 تاريخ 19 تشرين الثاني (نوفمبر) الصادر عن الائتلاف السوري لقوى المعارضة والثورة بأن يجري تشكيل مفوضية عليا للانتخابات، على أن تقوم بأعمالها بعد تأمين البيئة المحايدة والآمنة، وتحت إشراف الأمم المتحدة، وفقاً لمقتضيات بيان "جنيف 1" و"القرار 2254".
 
ومن مهمات المفوضية العليا للانتخابات بحسب نص البيان، "وضع خطط واستراتيجيات وتنفيذها والتحضير للمشاركة بالاستحقاقات السياسية المقبلة، بما في ذلك الاستفتاء على مشروع الدستور ونشر الوعي للمشاركة فيها". ومن مهماتها أيضاً، تعزيز شرعية قوى الثورة والمعارضة السورية، وإيجاد آلية كفيلة بتحقيق أوسع مشاركة للسوريين في الداخل والخارج، والتنسيق مع القوى الاجتماعية المدنية والسياسية في الداخل السوري، بما فيها الموجودة في مناطق سيطرة النظام، وفي دول اللجوء.
 
وتعمل المفوضية بحسب القرار عبر آليات، منها تدريب كادر فني متفرغ وفرق عمل في المحافظات السورية الممكن الوصول إليها، ودول تواجد اللاجئين مثل تركيا والأردن ولبنان وفرنسا وألمانيا. إضافة إلى تصميم إعلانات وتسجيلات مرئية ومسموعة ونشرها بين السوريين، والتواصل مع كيانات سياسية ومدنية في دول الاغتراب واللجوء لدعم عمل الائتلاف وتمكّنه من تمثيل الشعب السوري.
 
ونص القرار في البند السادس من فقرة "مهمات المفوضية" على "التعاون والتنسيق مع القوى الاجتماعية المدنية والسياسية في الداخل السوري بما فيها تلك الموجودة في أماكن سيطرة النظام وفي دول اللجوء والمهجر عبر كل الطرق المتاحة أو الوصول إليها عبر وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام"، وكان لهذا البند الحظ الأوفر من موجة التشكيك التي أثارها القرار، حيث اعتبره البعض مدخلاً يتيح للإئتلاف ممارسة العمل السياسي في مناطق النظام تمهيداً لأمور أخطر قد يكون في مقدمها السعي نحو مشاركة سياسية مع النظام.
 
وأعلنت "هيئة القانونيين السوريين" المعارضة في بيان رفضها قرار الائتلاف الوطني لقوى الثورة، القاضي بتشكيل "مفوضية عليا للانتخابات"، كونه خرق لبيان جنيف-1 وتراتبية الحل السياسي وفق 2254.
 
وطالبت الهيئة التي تشكلت عام 2018 برئاسة القاضي خالد شهاب الدين، الائتلاف وهيئة التفاوض التوقف عن إصدار القرارات المتسرعة والمتهورة التي تتماهى وتخدم الأطراف التي تمعن في خرق بيان جنيف 2012 والقرارين 2118-2013 و2254-2015.
 
وأوضحت الهيئة أنه في تطور خطير وتنازل جديد، طالعنا الائتلاف الذي من المفترض أنه يمثل ثورة شعب قدم مليون شهيد ومئات آلاف المعتقلين بقرار جديد يعلن من خلاله تشكيل ما يسمى "المفوضية العليا للانتخابات"، وذلك تزامناً مع ما يسمى استحقاق انتخابات الرئاسة في سورية. ولفتت الهيئة إلى أن تراتبية الحل السياسي وفق بيان جنيف-1 والقرار 2254 (هيئة الحكم، الدستور، الانتخابات) بدأ التنازل بتشكيل اللجنة الدستورية وتجاوز هيئة الحكم، والآن جاء الجديد ليؤكد التنازل عن هيئة الحكم الانتقالية وذلك بتشكيل مفوضية انتخابات تزامناً مع استحقاق انتخاب بشار الإرهابي مجدداً.
 
وأكدت الهيئة أن تشكيل مؤسسات المرحلة الانتقالية يبدأ عند توقيع الاتفاق السياسي للحل وبتشكيل هيئة الحكم الانتقالية التي تبدأ مباشرة بتشكيل باقي مؤسسات المرحلة الانتقالية ومنها الهيئة العليا للانتخابات وحينها تكون البيئة الآمنة المستقرة الهادئة قد تحققت فعلاً.
 
وشكّل هذا القرار صدمة كبيرة بين كل الفعاليات المدنية والثورية المعارضة للنظام السوري، وأثارت جدلاً واسعاً، معربين في الوقت ذاته عن الأسباب التي دفعت برئيس الائتلاف لإصدار هذا القرار الذي وصفوه بأنه "بداية تطبيع مع النظام السوري"، ومؤكدين في الوقت نفسه رفضهم له، وذلك بحسب موقع "سوريا 24" المعارض.
 
وفي هذا الصدد أصدر بعض "نشطاء الثورة السورية" بياناً عاجلاً رداً على قرار رئيس الائتلاف الوطني السوري، جاء فيه أن "إجراء أية انتخابات قبل سقوط النظام وعلى رأسه بشار الأسد، هو إجهاض للثورة، وتنكّر لدماء الشهداء، وتنازل عن حق المعتقلين وهم الشهداء الأحياء، وتجاوز معاناة الشعب السوري، ومحاولة بائسة من الائتلاف لإعادة شرعنة النظام ومنحه صك البراءة على ما اقترف من جرائم بحق الشعب السوري".
 
وأضاف البيان "أن نشطاء الثورة يدعون القوى والأحزاب والتيارات والتجمعات والمستقلين، إلى اجتماع فوري لدرس التداعيات الخطيرة لهذا القرار واتخاذ الإجراءات اللازمة".
 
وسخر الإعلامي السوري المعارض أسعد حنا من القرار وكتب على حسابه على تويتر: "هل ستقوم مفوضية الانتخابات بمساعدة الائتلاف والهيئة على انتاج انتخابات أفضل لنفسهم قبل الحديث عن انتخابات لسوريا؟ ام سيستمر سيناريو الحريري-العبدة على مثال انتخابات بوتين وتبديل الكراسي؟". وذلك في إشارة واضحة إلى كيفية تبادل المناصب بين قيادات هيئة المفاوضات والائتلاف السوري وابتعادها من آليات الديموقراطية التي ينادي بها هؤلاء.
 
وقد اضطر رئيس الائتلاف نصر الحريري تحت ضغط الانتقادات التي طاولت القرار وردود الفعل الغاضبة بإزائه، إلى إصدار بيان توضيحي قال فيه إن "تشكيل مفوضية الانتخابات يأتي ضمن جهود الاستعداد لتطبيق كل بنود بيان جنيف والقرار 2254 في مرحلة سوريا ما بعد الأسد". وأوضح الحريري في تعليق له على تويتر بالقول: "لا يمكن أن يكون هناك حل في سوريا بوجود المجرم بشار الأسد وأعوانه، ولا يمكن للائتلاف ولا للشعب السوري في أغلبه المشاركة أو الاعتراف بانتخابات يشارك فيها هذا القاتل".
 
غير أن بيان الحريري زاد الطين بلّة، لأنه لم يفسر ما هي الحاجة الملحة التي دعت إلى تشكيل مفوضية انتخابات طالما أن الأمر يتعلق بالاستعداد لمرحلة ما بعد الأسد، في حين أن كل المعطيات والتطورات تشير إلى أن نظام الأسد ليس في طريقه إلى السقوط، على الأقل في المديين القصير والمتوسط.
 
من جهة أخرى، رأى بعض المعارضين السوريين، وهم قلة قليلة، أن تشكيل مفوضية الانتخابات في هذا التوقيت يعتبر خطوة سياسية ذكية تهدف إلى إحراج نظام الأسد وإظهار أن الانتخابات الرئاسية التي يستعد للقيام بها ما هي إلا مسرحية سمجة لن يكون لها أي تأثير على أرض الواقع. ورأى هؤلاء أن مفوضية الانتخابات سيكون لها أدوار عدة في المرحلة المقبلة، الأول دور إعلامي لفضح أية انتخابات يقوم بها النظام، وللعمل من أجل محاولة التأثير في الناخبين في مناطق سيطرة النظام لحضّهم على عدم المشاركة فيها، ما سيؤدي إلى إضعاف شرعيتها داخلياً كما خارجياً. أما الثاني، فهو سياسي حيث من المتوقع بحسب أصحاب هذا الرأي أن يقوم الائتلاف بتنظيم بعض الانتخابات المحلية في مناطق سيطرته لا سيما المناطق الخاضعة للاحتلال التركي مثل درع الفرات وغصن الزيتون، لإنشاء شرعية موازية لشرعية النظام. 
 
ولا يستبعد هؤلاء أن يكون تشكيل مفوضية الانتخابات هو البداية العملية لمشروع جديد يقوم على تشكيل دويلة لها مؤسساتها التشريعية والتنفيذية بالتوازي مع مشروع "قوات سوريا الديموقراطية" الانفصالي في شرق الفرات وهو ما من شأنه أن يزيد الضغوط على النظام السوري ويجبره على تقديم تنازلات في مفاوضات حل الأزمة السورية.
 
 
الكلمات الدالة