إعلان

هجوم على التنف... لماذا تضيق خيارات بايدن؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
قاعدة التنف (أرشيف) - "أ ب"
قاعدة التنف (أرشيف) - "أ ب"
A+ A-

في ما يبدو إشارة جديدة إلى تراجع هيبة الولايات المتحدة الدولية خلال إدارة الرئيس جو بايدن، تعرضت قاعدة التنف الأميركية على الحدود السورية-الأردنية-العراقية والتي تشغلها قوات أميركية لهجوم عسكري. تحدثت وكالة "سانا" السورية عن أنّ طائرة مسيّرة شنّت الهجوم بينما ذكر مسؤول عسكري أميركي أنها تعرضت لقصف صاروخي.

وأنشئت القاعدة لمساعدة الأميركيين في الحرب على داعش، كما لتأمين نوع من الرقابة على الجسر البري الذي تحاول إيران بناءه من حدودها وحتى شاطئ المتوسط. وتحدث ناشطون عن سماع دوي خمسة انفجارات ليل الأربعاء-الخميس. بحسب الأنباء الأولية، لم يخلّف الهجوم أي ضحايا أو أضرار تذكر.

 

عن "الرد في المكان والزمان المناسبين"

قالت القيادة المركزية الأميركية في بيان "إنّنا نحتفظ بالحق الطبيعي في الدفاع عن النفس وسنردّ في المكان والزمان المناسبين". لم يترك هذا البيان انطباعاً صلباً لدى بعض المتابعين بأنّ واشنطن ستردّ بالقوّة المناسبة، إن ردّت، على هذه الهجمات. الكاتب السياسي أدريان كالامل تساءل في تغريدة: "حقاً، (ستردّون) بعد موت خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي)؟ حين يُقتل الأميركيون؟" واقترح على الإدارة الأميركية التخلّص من قائد "قوة القدس" اسماعيل قاآني بعدما دخل العراق.

 

كان قاآني قد أجرى زيارة على وجه السرعة إلى العراق في اليوم التالي للانتخابات التشريعية التي أجريت في العاشر من تشرين الأول (أكتوبر) الحالي، وقد فسّرها كثر على أنّها محاولة لتغيير نتائج الانتخابات التي لم تصبّ في مصلحة تحالف "الفتح" الذي يمثّل ائتلاف فصائل الحشد الشعبيّ. وخسر تحالف "الفتح" ما يقارب 30 مقعداً خلال الانتخابات متلقّياً ضربة شعبية قوية من الناخبين العراقيين الذين صوّتوا ضدّ التدخّل الإيرانيّ في شؤونهم. بالمقابل، لم تحصل حركة "حقوق" التي تمثّل "كتائب حزب الله" سوى على مقعد واحد.

 

واتّهمت الفصائل الموالية لإيران السلطات بـ"تزوير" الانتخابات وانتشرت تحركات في الشارع وعمليات قطع طرق بالإطارات المشتعلة اعتراضاً على "التزوير". لكنّ اغتيال قاآني على الأراضي العراقية، كما حصل مع سلفه قاسم سليماني في الثالث من كانون الثاني (يناير) 2020 قد يطلق نفوراً جديداً بين العراقيين تجاه الولايات المتحدة، وهو شعور ستستغلّه إيران لتعيد ترميم صورتها.

 

علاوة على ذلك، يمكن أن تدفع إيران السلطة العراقية مجدداً للمطالبة بتسريع رحيل الأميركيين من العراق. وإذا أقدمت إدارة بايدن على ذلك، وثمّة ما يكفي من الأسباب لترجيح خطوة كهذه، فستكون قد ارتكبت خطأ جسيماً آخر شبيهاً بما ارتكبته في أفغانستان وفقاً لمحلّلين. هذا ما تخوّفت منه الباحثتان في "معهد دراسة الحرب" و"معهد نيولاينز للسياسة والاستراتيجيا" جينيفر كافاريلا وكارولين روز:

 

في العراق، استثمرت الولايات المتحدة في "جهاز مكافحة الإرهاب" وطوّرت قوات الأمن العراقية لكنها لم تُزل اعتماد كلا الطرفين على الدعم الأميركي كما حصل مع القوات الأفغانية. فجهاز مكافحة الإرهاب في العراق لا يستطيع ملء الثغرات الأمنية على مستوى واسع بما أنّه يعتمد حالياً على هذا الدعم. وسيستغرق ملء الثغرات وقتاً طويلاً.

 

كذلك، تفشل الولايات المتحدة في تعزيز إمكانات الدولة العراقية للاستمرار بعد انسحابها كما حصل في أفغانستان. فالحكومة العراقية عالقة بين تظاهرات إصلاحية وتوسع خبيث للوكلاء الإيرانين ضمن المؤسسات الرسمية وهو توسّع يمنع الإصلاح. وتخوّفتا من أن تؤدّي الضغوط المتزايدة إلى تآكل فاعلية القوات الأمنية، كما حذّرتا من عدم ترك بصمة عسكرية في العراق، علماً أنّ واشنطن أنهت فعلياً الدور القتاليّ لما تبقى لها من قوات متمركزة في ثلاث مناطق أساسية.

 

المشكلة الفعلية أمام بايدن

إنّ خشية الإدارة الديموقراطية من التصعيد العسكريّ دفاعاً عن مصالحها في العراق كان واضحاً. أكثر من خمسين هجوماً تلقّته تلك المصالح في العراق منذ استلام بايدن منصبه لم يدفع واشنطن إلى الرد إلّا في حالتين فقط. لهذا السبب، لا يمكن تخيّل أن تقوم الإدارة بالردّ على هذه الهجمات عبر استهداف قاآني، علماً أنّ كبار مسؤوليها الحاليين كانوا قد انتقدوا اغتيال ترامب لسليماني.

 

ومن المستبعد كذلك أن تقوم بالردّ داخل الأراضي العراقية للأسباب المذكورة إضافة إلى أنّها قلّلت الغارات الانتقامية داخل الأراضي العراقية حين تعرّضت مصالحها للاستهداف هناك. فهي شنّت غالبية الغارات الانتقامية داخل الأراضي السورية. لهذا السبب، تبقى الساحة السورية هي الاحتمال الأكبر للردّ على هذا الهجوم، إن عقدت العزم على الانتقام فعلاً. لكنّ المشكلة الأساسية أمام الإدارة ليس في مكان الردّ بل في طبيعته.

 

هل تطلق ردّاً متناسباً؟ أظهرت الردود "المتناسبة" أنّها ليست رادعاً فعلياً للاعتداءات التي تتعرض لها واشنطن، بل تكاد تكون دعوة شبه رسمية لشنّ المزيد منها. في نهاية المطاف، ليست إيران هي التي تتلقى الضربات بل وكلاؤها. وهذا ثمن يمكنها دفعه بسهولة في مقابل المكاسب التي يمكن أن تحصدها: دفع الإدارة باتجاه انسحاب أسرع من المنطقة، وتالياً الإسراع في الاتفاق مع إيران حول العودة إلى المفاوضات النووية. يبدو أنّ إدارة بايدن نفسها في فخّ الربط بين "الاستدارة" نحو شرق آسيا و"تلزيم" إيران المنطقة. ليست هذه الفرضيّة مستغربة. في نهاية المطاف هيمن هذا التوجّه على إدارة أوباما.

 

على أيّ حال، تجد واشنطن اليوم نفسها في موقف محرج. فهي مضطرّة للردّ على الاعتداء الأخير الذي طال قاعدة عسكرية بارزة على تقاطع جيو-استراتيجيّ لكنّها لا تستطيع اللجوء إلى خيارات متشدّدة في هذا الردّ كي لا تعيد إغراق نفسها في "وحول" المنطقة بعد حرصها على تخفيف انخراطها فيه إلى أدنى حدّ ممكن. ساعاتٌ وتتكشّف لا نيّة واشنطن في الانتقام أو عدم الانتقام من الهجمات وحسب، بل ربما أيضاً نيّة واشنطن في تقديم المزيد من التنازلات لإعادة إيران إلى طاولة المفاوضات.

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم