إعلان

أبو عيسى المشهداني: مسيرة تعدد الولاءات من "النصرة" و"داعش" إلى الحرس الثوري

المصدر: دمشق- النهار العربي
المشهداني
المشهداني
A+ A-
 
 
بوجوه ملونةٍ وارتباطات مختلفة وولاءات متغيرة، استطاع أبو عيسى المشهداني أن يأخذ من اسمه نصيباً وافراً عبر تصدره للمشهد في مدينة ديرالزور. لم يترك مسارُ سيرته المتصاعد فصيلاً مسلحاً أو جماعة معروفة إلا ودمغها ببصمته المميزة، فمن كنف "الجيش الحر" في بدايات اندلاع الأزمة السورية إلى مبايعة "جبهة النصرة" ثم موالاة تنظيم "داعش" قبل أن تُزيّن كتفيه إشارات عسكرية تدل على كونه أصبح قيادياً رفيعاً في الحرس الثوري الايراني في مدينة ديرالزور.
 
يقود المشهداني واسمه الحقيقي يوسف محمود الحمدان، حالياً، اللواء 47 التابع للحرس الثوري الايراني، إلى جانب إشرافه العام على الحواجز المنتشرة في مدينة البوكمال وريفها. ويعتبر من الشخصيات المركزية التي لعبت دوراً بارزاً في ترسيخ النفوذ الايراني والعمل على إزالة العوائق من أمامه ليتوغل أكثر في عمق المجتمع الديري. وبانتمائه إلى قبيلة المشاهدة اكتسب الحمدان نسباً اصيلاً يربطه مع آل البيت النبوي الأمر الذي سهّل له الولوج إلى عتبة الولاء الايراني فيما بعد. لكن الرجل كان من الحنكة والدهاء بحيث استطاع خلال سنوات الأزمة السورية أن يحيك علاقات متناقضة ومركبة مع أطراف وجهات عديدة تختلف في ما بينها عقائدياً وسياسياً وعسكرياً.
 
ركب في البداية موجة "الجيش" الحرّ الذي كان بمثابة حصان طروادة الموعود لإسقاط النظام السوري، وانتمى إلى فصيل عشائري حمل اسم عشيرته وهو "أحرار المشاهدة" الذي كان يقوده في السنوات الأولى محمد رجا. وما إن مالت الكفّة في ديرالزور لمصلحة "جبهة النصرة" عام 2012-2013 حتى أعلن الفصيل العشائري مبايعته زعيمها أبا محمد الجولاني مقتنعاً بما قُسم له لقاء ذلك من حصة يسيرة من عائدات النفط والغاز. 
 
في تلك السنوات لم يكن هناك ذكر لاسم يوسف الحمدان، فقد كانت الواجهة العشائرية والعسكرية لا تتسع له نظراً الى تصدر أسماء قيادية لا يستطيع منافستها. ولا يستبعد البعض أن يكون الحمدان تعمد البقاء وراء الستار منتظراً اللحظة المناسبة لاقتناصها.
 
في عام 2014 واجهت "جبهة النصرة" في مدينة البوكمال خيانة كبيرة حيث انتقل فرعها في المدينة بلمح البصر من بيعة الجولاني إلى بيعة تنظيم "داعش" بقيادة أبي بكر البغدادي (قتل عام 2019)، وكانت حادثة الخيانة بمثابة البوابة التي أتاحت للأخير أن يوسع سيطرته في ديرالزور حتى دخلت كلها تحت عباءة خلافته. وكان فراس الحمدان أحد أبناء عمومة يوسف الحمدان من القيادات البارزة التي اتخذت قرار تغيير البيعة بهذه السرعة.
 
ومع ذلك لم يطمئن المشهداني لبيعة "داعش" لأن الأخير لم يخف رغبته في ملاحقة كل من عمل مع "الجيش الحر" أو قاتل ضد التنظيم سراً أو علناً، فما كان منه إلا الفرار موقتاً إلى بلدة الباغوز حيث كان يتواجد مقر سري لـ"داعش" بقيادة عناصر من عشيرته. وبعد أقل من شهر عاد إلى مدينة البوكمال مطمئناً الى أن أقاربه في الباغوز أمنوا له علاقات جيدة مع قيادة التنظيم.
وقد كانت خشيته في ذلك الحين بمكانها لأنه لم يطل الوقت قبل أن يقوم "داعش" بإعدام محمد رجا قائد فصيل "أحرار المشاهدة" أواخر عام 2014.
هكذا فجأة أصبح راعي الأغنام من القيادات الأمنية التي يحسب لها ألف حساب ضمن تنظيم "داعش". وقد سجلت بحقه في تلك الحقبة ارتكابات كثيرة ضد المدنيين وممارسات مسيئة لكل من اختلط به أو اقترب منه.
 
بعد أقل من ثلاث سنوات، كان المشهداني على موعد جديد لتغيير جلده، هذه المرة بما يتلاءم مع جينات نسبه الممتدة إلى بيت النبوة بحسب  الادعاءات. فما إن سيطر الجيش السوري وحلفاؤه أواخر العام 2017 على مدينة البوكمال حتى ظهر أبو عيسى المشهداني بزي جديد معلناً انضمامه إلى ميليشيا تابعة للحرس الثوري الايراني. ولم يستغرب بعض معارفه أن يكون إحدى الشخصيات القليلة التي استقبلت الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس السابق أثناء زيارته قرية الهري على الحدود السورية – العراقية في ذلك العام، إذ أن ارتباط المشهداني ببعض المليشيات العراقية الموالية لايران ظل محل شكوك طوال السنوات السابقة.
 
ويُصنف المشهداني كأحد أهم أذرع إيران في شرق سورية في ما يتعلق بعمليات الانتساب والتجنيد وتنظيم الحواجز، والإشراف على عمليات ورواتب اللواء 47.
وهو يقيم في حي الجمعيات بالقرب من مستشفى عائشة، بعد أن وضع يده على منزل أحد عناصر "الجيش الحر" السابقين، وهو من المقربين جداً من الميليشيات الإيرانية و”الحشد” العراقي بسبب ولائه الكبير لطهران واعتناقه المذهب الشيعي، ما جعله مصدر ثقة لهم.
 
ومن أبرز المقربين من أبو عيسى، المسؤول الأمني للواء 47، محمد الذاكر، ومسؤول التجنيد في الفوج زكي مشهداني، ومنسق المصالحة والانتساب للفوج أحمد نعمان، ومدير بلدة السيال سامي الجدي، والقائد الإيراني العام الملقب بـ”الحاج عسكري"، و"حاج كميل" منسق العلاقات العام الإيراني، و"حاج أمير الأفغاني" مسؤول قطاع البادية ونهر الفرات في ميليشيا “فاطميون”، إضافة إلى قيادات إيرانية وأفغانية أخرى.
 
ولم يكتف المشهداني بإعلان تشيّعه، بل سارع إلى نسج علاقات مصاهرة مع قيادات إيرانية مؤثرة متخذاً من ذلك وسيلة للتقرب والاستحواذ على مناصب قيادية فاعلة. في البداية زوّج ابنة عمه إلى "الحاج سلمان" الذي كان يشغل منصب المسؤول الأول والقائد العام للمليشيات الايرانية في البوكمال. وعندما تسلم "الحاج عسكر" هذه المناصب قام المشهداني في العام 2019 بتزويج أخته لـ "الحاج سجّاد" نائب "لحاج عسكر"، ثم سعى بتزويج اثنتين من بنات عمومته لبعض القيادات الأفغانية في "لواء فاطميون" من ابرزهم أبو زينب الأفغاني.
وكانت نتيجة ذلك أن قيادة الحرس الثوري الايراني في البوكمال قررت عام 2020 تعيين المشهداني في منصب القائد العام للواء 47.
 
وتعتبر هذه المليشيا بمثابة النموذج الخاص بين الميليشيات الموالية لايران من حيث خضوعها التام لقيادة إيرانية مباشرة عبر ضابط رفيع في الحرس الثوري الايراني، هو "الحاج عسكر" ومن قبله "الحاج سلمان". وقد تشكلت هذه المليشيات بشكل غير معلن في محافظتي حماة وحمص عام 2016 من مقاتلين سابقين في صفوف الفصائل المسلحة بعد تسوية أوضاعهم الأمنية وفق ما يعرف بالمصالحات. ومنذ انتشاره في البوكمال أطلق اللواء 47 حملة لتجنيد عناصر محليين باتوا اليوم يؤلفون قوامه الأساسي. ويبدو اللواء متسارع النمو بفضل الرواتب المنتظمة والميزات المادية الأخرى التي يمنحها لمنتسبيه.
 
وفي عهد قيادة المشهداني بلغت قوة اللواء درجة استطاعت من خلالها منافسة قوات "الحربي" وهي قوات تابعة للحرس الجمهوري السوري قام بتشكيلها حاتم صالح الحربي وحملت اسمه. ولا يستبعد البعض أن ينتهي المطاف بابتلاع قوات المشهداني قوات الحربي التي لم تعد تمتلك مقومات قوية للمنافسة.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم