إعلان

"داعش" يستأنف "هدم الأسوار"... من ننغرهار الأفغانيّة إلى غويران السوريّة

المصدر: النهار العربي
عبدالله سليمان علي
صورة من داخل سجن غويران
صورة من داخل سجن غويران
A+ A-
بعد انقطاع طويل منذ هزيمة تنظيم "داعش" في معركة الباغوز ربيع عام 2019، شقّ صوت انفجار سيارة مفخخة، يوم الخميس، هدوء ليل مدينة الحسكة الخاضعة لسيطرة "قوات سوريا الديموقراطية"، معلناً عن منعطف جديد في مسار استعادة التنظيم قدراته القتالية وأساليبه التكتيكية، في تنفيذ هجمات نوعية قد تشكل دليلاً جديداً الى صحة ما يقال حول خطر التنظيم، وإمكان عودته إلى تصدر المشهد بعدما أفل نجمه طوال الأعوام الثلاثة الماضية.
 
وقال "المرصد السوري لحقوق الإنسان" ومقره بريطانيا: "حاول عناصر من تنظيم داعش الوصول إلى بوابة السجن وتفجير البوابة بسيارة مفخخة، إضافة إلى تفجير صهريج محروقات، واشتبكوا مع عناصر الحراسة، وسط معلومات عن فرار عدد من المساجين".
 
وقالت "قوات سوريا الديموقراطية" في بيان، اليوم، إن مقاتلي تنظيم "داعش" هاجموا سجناً في مدينة الحسكة لتهريب سجناء ينتمون الى التنظيم.
وأضافت القوات المدعومة من الولايات المتحدة أن خلايا نائمة تابعة للتنظيم تسللت من الأحياء المجاورة واشتبكت مع قوات الأمن الداخلي.
 
وعملياً، فإن بين سجن ننغرهار في أفغانستان، وسجن الصناعة في حي غويران في الحسكة، آلاف الأميال من حيث المسافة الجغرافية، غير أنهما يبدوان أقرب إلى بعضهما بعضاً في تحقيق استراتيجية "داعش" القائمة على "هدم الأسوار"، والساعية الى استرداد العنصر البشري الذي اضطرت قيادة "داعش" إلى تركه وديعة في سجون خصومها، ريثما تتمكن من التقاط أنفاسها بعد سلسلة الهزائم التي لحقت بها، وأفقدتها "أرض الخلافة" التي كانت تمتد على رقعة جغرافية تعادل مساحة بريطانيا.
 
أفغانستان 2020
في مطلع آب (أغسطس) من عام 2020، شكّل هجوم تنظيم "داعش" على سجن ننغرهار في ولاية جلال آباد في أفغانستان، حيث تمكن من إطلاق مئات المعتقلين، خطوة تأسيسية على مسار إعادة إحياء سياسة "هدم الأسوار" أو "فكّ العاني" التي عمل الزعيم السابق للتنظيم أبو بكر البغدادي على ترسيخ ركائزها، قبل أن يُقتل في غارة أميركية على بلدة باريشا في ريف إدلب الشمالي في تشرين الأول (أكتوبر) من عام 2019.
 
ولم يتطلّب تنفيذ خطة اقتحام سجن ننغرهار، سوى اشتراك 11 مقاتلاً من مقاتلي التنظيم، تمّ تقسيمهم إلى ثلاث مجموعات، بالإضافة إلى الانتحاري مفجر العربة المفخخة. وقد عملت المجموعة الأولى المؤلفة من أبو علي البنجابي وحامد الطاجيكي ومولوي سعد الخراساني، على تأمين التغطية النارية لوصول السيارة المفخخة التي قادها الانتحاري أبو رواحة الهندي، إلى بوابة السجن، ومن ثم عزل منطقة الهجوم ومنع قوات الشرطة الأفغانية من الاقتراب منها. وجاء دور المجموعة الثانية بعد الصدمة التي أحدثها تفجير السيارة المفخخة، حيث عمل عناصرها (قاري أسامة الخراساني وأبو عمر الطاجيكي وإسماعيل الطاجيكي وإدريس الطاجيكي والدكتور أبو حيان الهندي) على تدمير أسوار السجن بالعبوات الناسفة، تمهيداً لاقتحامه والاشتباك مع حاميته لساعات عدة، قبل أن يتمكنوا من استهداف أبراجه الخلفية وقتل جميع من فيها، وهو ما أتاح لهم الوصول إلى الزنازين، حيث فتحوا الطريق للمعتقلين للهروب وأرشدوهم إلى الطرق المناسبة في الخارج. 
 
في غضون ذلك، كانت المجموعة الثالثة المؤلفة من عنصرين (أبو دعاء الهندي وخيبر الكابلي)، تعمل على إشغال القاعدة الأميركية في المدينة، بهدف منعها من تقديم أي دعم لحامية السجن أثناء تعرضها للهجوم. 
 
العراق 2013
وتذكّر هذه العملية من حيث خطتها المحكمة وقلة أعداد المنفذين المشاركين فيها، بالعمليّة التي قادها أبو أنس الشامي عام 2013 لإطلاق معتقلي التنظيم في سجن أبو غريب في العراق، والتي شكلت في حينه منعطفاً خطيراً في صعود نشاط التنظيم، لا سيما أن معظم من أطلق سراحهم كانوا من القيادات الكبيرة ومن طبقة "الأمراء" الشرعيين والعسكريين.
 
وعلى رغم البعد الزمني، نسبياً، لعملية ننغرهار التي اتسمت بخصائص جعلتها تستحق وصف "الحدث التأسيسي"، فإن استذكار هذه العملية يعد ضرورياً لفهم ما جرى أخيراً في سجن غويران، ولا سيما لجهة تحديد غايات التنظيم الاستراتيجية والأهداف البعيدة التي يتوخاها من وراء مهاجمة السجون، ضمن سلسلة هجمات منسقة تشمل دولاً مختلفة ومتباعدة جغرافياً، ولكنها تصبّ جميعاً في خانة تحقيق الهدف الذي يضعه التنظيم نصب عينيه.
 
وقد تردد صدى مفخخة ننغرهار في ليل الحسكة، يوم الخميس، حيث أرسل التنظيم أحد انتحارييه لاستهداف بوابة سجن الصناعة تحت غطاء ناريّ، قامت بتأمينه مجموعة من مقاتلي التنظيم لضمان وصول السيارة إلى هدفها، وذلك في استنساخ واضح لخطة اقتحام سجن ننعرهار التي مر عليها عام وخمسة أشهر. وتمكنت المجموعة الثانية من مقاتلي التنظيم من اقتحام أسوار السجن بالتعاون مع المعتقلين داخله، حيث أفادت مصادر المرصد السوري لحقوق الإنسان، باستمرار الاشتباكات العنيفة داخل سجن غويران بالحسكة، بين قوى الأمن الداخلي وقوات مكافحة الإرهاب وحراس السجن من جانب، وعناصر في تنظيم “داعش” من جانب آخر، وذلك بعد أن تمكن سجناء التنظيم من السيطرة على معظم السجن بعد سيطرته على أسلحة وذخائر الحراس السجن، فيما تحاول القوى العسكرية استعادة زمام الأمور، في أعنف هجوم للتنظيم منذ إنهاء سيطرته على مناطق مأهولة بالسكان.

ويأتي سعي التنظيم إلى اقتحام السجون في سياق استراتيجية وضعها زعيمه السابق أبو بكر البغدادي قبل مقتله بشهور، وعملت قيادة التنظيم الجديدة بزعامة أبو إبراهيم القرشي على اعتمادها والسعي الى تطبيقها. 
 
"فك العاني"
وتقوم هذه الاستراتيجية على اعتبار هدف "فك العاني"، أي إطلاق سراح معتقلي التنظيم، من أبرز الأهداف التي يسعى إليها الأخير. وقد أكدت افتتاحية العدد 246 من صحيفة "النبأ" التي تصدر عن ديوان الإعلام المركزي في "داعش" أن قيادة التنظيم ما زالت تضع قضية الأسرى على رأس قائمة أولوياتها، وأن ولاة الأمر ما زالوا يوصون إخوانهم بتقديم هذه القضية على ما عداها. وشددت على أن "الواجب الأخص على جنود الدولة الإسلامية أن يجعلوا هذا الأمر همهم الدائم الذي لا يغفلون عنه". 
 
ولم يكن من قبيل المصادفة أن تذكر الافتتاحية من بين أساليب العمل على إطلاق الأسرى، "العمليات التي يقوم بها الأسرى داخل سجونهم بمفردهم أو بإعانة من إخوانهم من الخارج، لفكاك أسر أنفسهم وغيرهم من المأسورين"، إذ في ذلك إشارة واضحة إلى بعض حالات التمرد التي قادها معتقلو التنظيم في بعض السجون التي تشرف عليها "قوات سوريا الديموقراطية" في مناطق شرق الفرات، وقد نجح بعضها في تأمين هروب بعض المعتقلين.
 
ولا يقتصر نشاط "داعش" المتصاعد على تنفيذ استراتيجية "هدم الأسوار"، رغم المركزية التي تتمتع بها في تفكير قيادة التنظيم، بل ثمة جوانب أخرى لا تقل خطورة، من ضمنها سعي التنظيم إلى الانتقال من حرب العصابات إلى فرض ما يمكن تسميته بـ"سيطرة الظل". وقد تبدّى هذا الجانب خاصة من خلال العملية النوعية التي شهدتها مدينة البصيرة، غرب دير الزور، منذ أسابيع قليلة فقط. حيث هاجم التنظيم مراكز قيادة "قوات سوريا الديموقراطية" في المدينة مرتين متتاليتين خلال أقل من ثلاث ساعات، وذلك في إشارة واضحة إلى امتلاكه زمام المبادرة.
 
ولم تتمكن قوات "قسد" من إنهاء الاشتباك، إلى أن تدخلت قوات التحالف الدولي وقامت بإنزال جوي في المدينة لملاحقة المهاجمين ومنعهم من تحقيق أهدافهم.
 
ويدل ما سبق الى أن تنظيم "داعش" قد يكون دخل في مرحلة جديدة من النشاط بعد سنوات من عمليات الاستنزاف البسيطة والغزوات الإشغالية، قد يكون عنوانها العريض هو استفادة "داعش" من بعض فجوات السياسة الإقليمية المحيطة بالملف السوري عموماً، وملف شرق الفرات خصوصاً، من أجل توظيف إمكاناته على خط بعض أجهزة الاستخبارات، بما يمكنه من تحقيق قفزة نوعية على طريق عودته الى تصدر المشهد في المنطقة.

 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم