إعلان

يوتيوبرز سوريّون بلا رقابة... امتهان للكرامات و"ثقل دم" لا يوصف

المصدر: النهار العربي
دمشق-طارق علي
من فيديو توزيع المال في الشارع
من فيديو توزيع المال في الشارع
A+ A-
"ما هذه السخافة التي يقدمونها، والله هذا أمر معيب، أين السلطات منهم؟ إنهم يستبيحون الشوارع وخصوصية الناس وكرامتهم في الطرق، أنا ألغيت متابعة هذه الصفحات العائدة لهم على مواقع التواصل الاجتماعي لأنّها كلّها استفزاز باستفزاز، ثم كيف فجأة انتشروا بهذه الكثافة والسرعة، نمنا وصحونا فجأة على صفحات كثيرة للغاية وراءها يوتيوبرية يقلدون الفيديوات الغربية ولكن بمنتهى الابتذال"، يقول الطبيب جاد الله فرح لـ"النهار العربي" في معرض حديثه عما يمكن تسميته بثورة الـ"يوتيوبرز" في سوريا، والذين ظهروا وتكاثروا فجأة.
 
يمكن الحديث عن انتشار هذه الظاهرة في سوريا ووصف دورها بالسلبي غير المسلي عموماً تبعاً لوجهة نظر الشارع فيها، لا سيما أن عشرات المنصات الوليدة على مواقع التواصل الاجتماعي تقدم فيديوات تسيء إلى السوريين بقصد السخرية مراراً، ولعلّ أقساها كان فيديو تسبب بطلاق سيدة من زوجها أمام الكاميرا مباشرة.
 
حصل ذلك في فيديو بُثّ على منصة "نيودوز" التي يفترض أنها ترفيهية، وكانت حينذاك توقف أناساً في الشارع وتطلب منهم الاتصال بأزواجهم والقول لهم إنهم قد خانوهم، وبالفعل وقعت سيدة ضحية هذه المزحة السمجة، فاتصلت بزوجها وقالت له: "أنا أخونك"، فثار غضبه وطلقها على الهاتف مباشرة وأمام كاميرا المنصة التي تصور الحادثة، لتنهار بالبكاء. حاول فريق العمل التدخل لكن من دون جدوى، ليكمل لاحقاً التصوير مع ضحايا آخرين. الفيديو أحدث ضجة طالبت بمحاسبة القائمين على المنصة لتقديمهم محتوى سخيفاً ومسيئاً وبتنظيم القطاع وتأطيره ضمن موافقات رسمية تتولاها جهات ناظمة كوزارة الإعلام على الأقل، لتحد من الفوضى التي تحدثها منصات كهذه ولتضبط أنشطتها، باعتبار أن بعض الفيديوات التي بُثّت تنحدر إلى مرتبة جريمة مجتمعية وأخلاقية. فهذه المنصات تطارد الـ"تريند" وبالتالي تتناول قضايا تلامس حياة الناس ويومياتهم، ولهؤلاء الناس تجربة مريرة مع اليوتيوبرز.

جلاد جديد
قبل ثلاثة أشهر تقريباً ظهر فجأة شاب يرتدي عباءة عربية بيضاء في شوارع دمشق ويمسك بيديه رزماً من المال، ويحرسه شخصان وترافقه كاميرات، ويوزع المال على الناس في طريقة فيها ما فيها من امتهان الكرامات، وقتها قامت الدنيا ولم تقعد بسبب الفيديو المسيء إلى كرامة السوريين الذين راح قسم منهم ممن التقاه في طريقه يستعطفه ليمنحه المال، الفقر يفعل أكثر من ذلك، فالعيب فيه لا بهؤلاء الغلابة، هو أراد من لباسه ومظاهر البذخ والحراسة والمشي وبيديه رزم المال أن يوصل رسائل هو أدرى بها.. المهم في القصة أن الحكومة لم تتحرك ولم تفعل شيئاً حياله، ليكون بطل اليوتيوب هذا جلاداً جديداً يضرب بسوطه ظهور السوريين المساكين.

ثقل الدم
القاسم المشترك بين معظم اليوتيوبرز السوريين ثقل الدم، معظمهم وليس جميعهم، فبعضهم وهم قلة ما زال متمسكاً بتقديم محتوى مفيد، أما البقية فيقدمون فيديوات مكررة ومتشابهة إلى حدّ التطابق دون الإتيان بجديد يذكر، سوى أنّهم في كل مرة يتفوقون على أنفسهم "بالغلاظة"، هذا ما يقوله المهندس الياس حداد لـ"النهار العربي": "هؤلاء أصحاب المنصات ينافسون بعضهم بعضاً من هو الأسوأ، ليتهم فقط لو قدموا فكرة واحدة عليها القيمة وتسهم في إثراء المجتمع، ولكن عبث، مراهقة بمراهقة، والضحية هو الشخص العادي الذي يقع ضحيتهم، بالله عليكم، يخرج السوري من منزله وهو (يخانق ذباب وجهه) بسبب الأوضاع، كيف سيتحمل أيضاً خفة دمكم اللا معقولة في الطرق، ثم ألم يلاحظوا أن أحداً من ضحايا مزاحهم السمج لم يضحك حين قالوا له نحن نصور مقلباً أو ما إلى ذلك؟".
 
على آخر فيديو بثته منصة "إن فوكس" كانت التعليقات على الشكل التالي، وفاء عبد الله قالت: "منتهى قلة الأدب والسخافة"، محمد آدم قال: "ليست طبيعية قلة الأدب والاحترام"، أما صبحي عيدي فقال: "ليس هنالك أبشع من مزح كهذا"، ومئات التعليقات المشابهة على الفيديو الذي كان موضوعه السخرية من شاب جالس في الحديقة عبر شابين تابعين للمنصة يجلسان قربه ويأخذان بالضحك بلا سبب، ما جعل الشاب الضحية في حالة هستيرية من الغضب دفعته للوقوف والهجوم عليهما ومحاولة ضربهما، وهذه بحد ذاتها نقطة يجب التوقف عندها، فحين يضطر الشخص الذي يقع ضحية لهذه الفيديوات أن يستخدم يديه ليضرب، فهل ما زال الأمر يسمى "مقلباً خفيفاً ولطيفاً"؟
 
واحد من الفيديوات الأخيرة التي قدمتها واحدة من تلك المنصات حمل عنوان: "عملنا مقلب ضرب الخلفية بنص الشام"، لتنهال مئات التعليقات الأخرى الرافضة لهذا الانحطاط الأخلاقي الذي تقدمه هذه المنصات، ولتغيب في الإطار، بعض المنصات القليلة التي تهدف لنشر المحتوى العلمي والثقافي الذي يتناسب مع طبيعة المجتمع السوري وشخصيته، على حساب تلك المنصات التي تعرف جيداً كيف تروج لنفسها عبر الدعاية السلبية.

تقاذف المسؤوليّة
معاون وزير الإعلام قال في تصريح سابق قبل بضعة أيام إنّ بعض المنصات عبر "فايسبوك" تسيء بمحتواها إلى المجتمع السوري وتنتهك الحرية الشخصية، "ونحن في وزارة الإعلام لا نمنح موافقات لمثل هذه المنصات إطلاقاً، وهي بالأساس لا تقوم بمراجعتنا أصلاً، فهي تصور وتعمل من تلقاء نفسها"، مضيفاً: "يخضع عمل هذه المنصات بالدرجة الأولى لقانون الجريمة الإلكترونية إذا كان المحتوى الذي تبثه مضراً ويسيء إلى المجتمع أو الأفراد الذين يكونون هدفاً لهذا المحتوى، وبإمكان أي متضرر التقدم بشكوى، والمبادرة تبدأ من المتضرر".
 
وبيّن أنّ المسؤولية في هذا الصدد هي مسؤولية مجموعة من المؤسسات "الإعلام، الداخلية، المؤسسة العامة للسينما، لجنة صناعة السينما"، "وتبدأ المسؤولية من الأشخاص المتضررين في الفيديوات".

الصحّة أولاً
قد لا يبدو الأمر بهذا السوء الشديد، ولكن حينما يطغى السيّئ على الجيد لا يعود هناك مكان لذكره، وهذا ما يحصل في سوريا اليوم، بخاصة أنّ الانفتاح على منصات التواصل الاجتماعي جاء دفعة واحدة هرباً من الاحتكار الرسمي لوسائل الإعلام المرئية والمذاعة والورقية بشقها الأكبر، لذا وجد الشباب في "يوتيوب" و"فايسبوك" متنفساً ومكاناً فيه حرية تكاد تكون غير محدودة، ليحقق بعضهم انتشاراً ورواجاً وشهرة واسعة، فيما نال قسم آخر، وهو الأكبر، سوء تقدير الجمهور.
 
في النهاية، يمكن تقديم نصيحة واحدة حول هذه المنصات، وهي نصيحة يكاد يكون قد أجمع عليها السوريون أخيراً، والحديث هنا عن المنصات التي تحاول أن تقدم محتوى "كوميدياً مبتذلاً"، وهي: "إن كان لديك مرض الضغط فلا تتابع ما يقدمونه".
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم