"قصور سرمدا" وسط الخراب السّوري : عمران لمآرب أخرى؟

المصدر: النهار العربي
عبدالله سليمان علي
مشروع قصور سرمدا.
مشروع قصور سرمدا.
A+ A-
في خطوة تبدو معاكسةً لواقع البلدة الحدوديّة الصغيرة التي أصبحت بفعل موجات النزوح إليها بحجم مدينة متوسطة، تشهد سرمدا وسط الخراب والتهديد واحتمالات التصعيد العسكري، حركة عمرانية نوعيّة شدّت الأنظار إليها بسبب ما تنطوي عليه الدعاية المواكبة لها من وعود بالأمان والرفاهية في زمن الخوف والبؤس.
 
سرمدا عاصمة النزوح في الشمال السوري التي تطوّقها من جميع الجهات مخيمات اللاجئين من أبناء الطبقات المتوسطة والفقيرة، والتي تُعتبر نتيجة موقعها القريب من الحدود التركية بمثابة الملاذ الآمن والمفضل لمئات المقاتلين الأجانب ممن تلاحقهم أجهزة استخبارات عالمية، وقع الاختيار عليها كي تضمّ أول مجمع سكني من نوعه لجهة المساحة ونوعيّة المباني الفاخرة. 
 
قصور وسط الخراب
 
أطلق على المجمع اسمٌ يكاد سامعه يظن نفسه يعيش في كوكب آخر بسبب تنافره مع واقع المدينة الأمني والعسكري، هو اسم "ضاحية قصور سرمدا". وكأنّ من اختار تسمية "قصور" أراد لها أن تحمل المعنى المقابل المبالغ فيه لتسمية "المخيمات"، في دلالة واضحة على الازدواجية العميقة التي باتت ترزح تحتها سرمدا، سواء من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية أم من الناحيتين الأمنية والعسكرية. 
 
وتتولى تنفيذ مشروع "قصور سرمدا" شركة "المتّحدة للعمران" التي تمثل شركة "أيوب وطيبة للأعمال التجارية" التي يديرها الثنائي أبو النور وأبو زيد. 
 
ويقوم المشروع على مساحة تقدر بما يقارب 50000 متر مربع من الأرض، أي ما لا يقل سوى بألف متر عن مساحة مدينة إدلب. وهو يهدف لإقامة "شقق سكنية بالمواصفات الأوروبية"، بحسب إعلان الشركة. 
 
ومن المفترض ابتداءً أن تتكوّن المدينة الجديدة ـ إن صحّ التعبير - من نحو ثلاثين مبنى، كل مبنى يتكون من سبع طبقات مجهزة بمصاعد كهربائية حديثة، على أن يكون إجمالي الشقق ما يقارب ألف شقة سكنية. وهناك شبكة مياه وخزان عال موصول إلى كل شقة. وكل شقة مزودة بشرفات ذات إطلالة رائعة. وتفصل بين المباني شوارع عريضة وفق أحدث الدراسات العالمية، وأرصفة عريضة مع حزام أخضر وحدائق في وسط المباني. وبطبيعة الحال سوف تضم المدينة جامعاً ومدرسة ومستوصفاً وصالة رياضية ومحطة وقود. 
 
وفي إشارة الى الوضع الأمني والعسكري الذي يحيط بمشروع المدينة، حرص القائمون عليه على أن يذكروا في إعلاناتهم ما يجيب على بعض الهواجس التي يمكن أن تخطر ببال الراغبين في الشراء، فشددوا على أن "جدران المباني تحمي من الزلازل والكوارث الطبيعية والبشرية"، كما أنها "تحتوي على بوابة رئيسية ونظام سكيورتي" و"مجهزة بكاميرات مراقبة ونظام حماية".
 
وتتراوح أسعار الشقق "على العظم" في المشروع بين 6500 و8500 دولار، أي ما بين 15 مليوناً و18 مليون ليرة سورية، أي أن سعر المتر الواحد يساوي  190000 ليرة سورية، وهو ما يعادل تقريباً الأسعار في المدن السورية الآمنة من حجم مدينة سرمدا ومستواها. ومع إضافة كلفة الإكساء فإن سعر الشقة يمكن أن يتراوح بين 25 و35 مليون ليرة سورية، وذلك من دون احتساب أسعار الأثاث واللوازم الكهربائية في أي بيت. أي أن كلفة الشقة الواحدة قد تصل إجمالاً إلى ما يقارب الخمسين مليوناً حتى تصبح جاهزة للسكن.
 
 
نطاق الخمسة كيلومترات 
 
وبطبيعة الحال، لا تبدو كلفة المشروع الباهظة ووعود القائمين عليه لعملائهم بشقق فاخرة وآمنة، متناغمةً البتّة مع الواقع الأمني والعسكري الذي يحيط بمدينة سرمدا، خصوصاً بعد اقتراب الخطر منها منذ سيطرة الجيش السوري على الفوج 46 في شهر شباط (فبراير) الماضي. فقد سادت، آنذاك، توقعات قوية بأن تكون سرمدا هي الهدف التالي للجيش من أجل بسط سيطرته على الطرق المؤدية إلى معبر باب الهوى الحدودي. 
 
ولم يكن اتفاق الخامس من آذار (مارس) بين موسكو وأنقرة الذي أوقف عملية الجيش السوري وأعاد الهدوء إلى جبهات القتال في إدلب وريف حلب الغربي، السبب الوحيد الذي أزال المخاوف على مصير مدينة سرمدا، وشجّع بالتالي المستثمرين على إكمال مشاريعهم التجارية، بما فيها مشروع "قصور سرمدا" الذي تسارع العمل فيه تسارعاً ملحوظاً منذ توقيع الاتفاق وكاد يشارف على الانتهاء. إذ بالإضافة إلى الضمانة الثنائية التي يمثلها اتفاق آذار، فإن هناك ضمانة أقوى وأشمل هي التي يستند اليها المستثمرون من أجل الانخراط في مشاريع كبيرة وسط بيئة غير مواتية، وتتمثل هذه الضمانة بنطاق الخمسة كيلومترات الذي يعتبره المستثمرون بمثابة ضمانة دولية لحماية المنطقة وعدم تعرضها للقصف، بحسب ما أفاد "النهار العربي" أحد الشركاء في شركة "أيوب وطيبة" المسؤولة عن تنفيذ "قصور سرمدا". 
 
وأضاف المصدر، الذي اكتفى بالتعريف عن نفسه باسم أبو زيد، بأن قصور سرمدا تقع في نطاق الخمسة كيلومترات، وهي منطقة آمنة بضمانات دولية، ما يجعلها من الملاذات الآمنة التي لا تهددها عمليات القصف من أي طرف، سواء كان هذا الطرف النظام السوري أم الجماعات المسلحة الأخرى، بحسب قوله.
 
وكان نطاق الخمسة كيلومترات قد ذكر بعد الاتفاق الذي وقعته الولايات المتحدة وأنقرة في شهر آب (أغسطس) من عام 2019. وتضمن الاتفاق إنشاء مركز عمليات مشتركة في تركيا، لتنسيق وإدارة إنشاء "منطقة آمنة" شمال سورية، لضمان إزالة الهواجس الأمنية التركية، على أن تكون هذه المنطقة ممراً (كوريدور) آمناً، يمكن أن يساهم في الجهود التي تسمح للمهجّرين السوريين بالعودة إلى بلدهم. ومع أن بنود الاتفاق لم تعلن، بخاصة لجهة تفاصيل المنطقة الآمنة ومواصفاتها،  إلا أن مصادر أميركية وأوروبية ذكرت في ذلك الحين "أنها تمتد بين 5 و15 كلم، على طول الحدود التي يصل طولها إلى 900 كلم".
 
وذهب بعضهم إلى أن الخمسة كيلومترات ما هي إلا تطبيق لاتفاق أضنة الأمني الموقع بين أنقرة ودمشق عام 1998 والذي قيل إن أحد بنوده السرية يجيز للقوات التركية التوغل في الأراضي السورية لمسافة خمسة كيلومترات لملاحقة عناصر حزب العمال الكردستاني.
 

انتقادات للمشروع
 
التناقض الحادّ بين الواقع المعيشي الصعب الذي يرزح تحته أهالي مدينة سرمدا، وحالة البؤس التي تخيم على طوق المخيمات حولها، وبين وعود الترف والرفاهية التي يعد بها القائمون على مشروع القصور، دفع كثيرين إلى انتقاد المشروع واتهام المشرفين عليه بالمتاجرة بمآسي النازحين واللاجئين. وما زاد من حدة التناقض، أن فخامة المشروع لا تبعد سوى بضعة كيلومترات عن بؤس أحد المخيمات الذي يعج بآلاف النازحين الباحثين عن "الستر" فقط. 
 
وفي هذا السياق، ظهرت الازدواجية التي تتعامل بها "هيئة تحرير الشام" المسيطرة الفعلية على إدلب وأريافها، والتي لا يمكن لأي مشروع أن يبصر النور من دون موافقتها. إذ بينما سارعت إلى احتضان مشاريع فاخرة مثل مشروع القصور، فإنها لا تتوانى عن التضييق على أهالي المخيمات وتهديدهم. وقد وقع آخر هذه الحوادث في شهر  آب الماضي عندما أبلغ عناصر أمنيون من الهيئة أهالي مخيم البردقلي شمال سرمدا بضرورة إخلاء الموقع والسكن. وقد طردت الهيئة بالفعل عدداً من الخيام لتقوم بتوسيع مقلع الحجارة الذي يملكه أحد القياديين في الهيئة بحسب "المرصد السوري".
 
ونشر "مراسل الشرقية"، وهو حساب على تلغرام يتابع أخبار مقاتلي دير الزور في الفصائل كافة، صورة لبوابة المشروع الفاخرة وكتب تحتها "صح خسرنا ريف حلب وإدلب بس كسبنا شوفة قصور سرمدا التي بنيت على سرقة قوت الشعب وما جاء لأهالي المخيمات في الشمال السوري"، في إشارة إلى أن القائمين على المشروع لا يبالون بالهزائم العسكرية، ويقومون بمشاريعهم من وراء سرقة المساعدات التي يُفترض أن تصل إلى مخيمات النزوح.
 
وقال أبو يحيى الشامي، المعروف بمناهضته لـ"هيئة تحرير الشام" وانتقاده لها على حسابه على موقع تلغرام، إن "قصور سرمدا هو مشروع رفاه وترف في الزمان والمكان الخطأ، ولن يشتري المجاهد الصادق ولا الشعب الثائر،  فهؤلاء يفضّلون الخيمة مع التحرير على القصر مع التهجير". وشدد على"تسليط الضوء والتساؤل دائماً، لماذا ولمن ومن أين لهم هذا؟".
 
وفي المعنى نفسه تقريباً كتب الناشط المعارض أحمد العقدة على حسابه في "تويتر": "يقال في المثل إن الناس يهنئون الغني ويسألون الفقير من أين لك هذا. هذا مجمع سكني من أحدث طراز في سرمدا شمال ادلب، المدينة غير المستقرة والمحاطة ببحر من مخيمات اللاجئين حيث الفقر والنزوح. لكن السؤال منطقي فعلاً: لماذا هذا ومن أين لك هذا في التوقيت هذا؟ رزقنا الله وإياكم حلالاً دوماً".
 
أما محمد الشامي فقد غرّد تحت وسم #قصور_سرمدا على"تويتر" قائلاً: "كلٌ يغني على ليلاه .. مــا شُيدت تلك القصور الفارهة، إلا على أكتافِ أهل الخيام المهترئة".
 
وذكر عدد من المواطنين لـ"النهار العربي" أن مشروع القصور هو من أموال تجار الحروب الذين كوّنوا ثرواتهم نتيجة اللعب على الحبال بين الأطراف المتصارعين واستغلال المعابر للتهريب والتجارة بما هو مسموح به أو ممنوع. وأضاف أحدهم، رافضاً الكشف عن اسمه، أن هذا المشروع يشكل نقطة تحول في الشمال السوري، لأنه يعني أن تركيا بدأت القيام بخطوات تنفيذية لضم إدلب إليها، لافتاً إلى أنه لا يستطيع الاقتناع بأن أنقرة لا علاقة لها بالمشروع. 
 
فيما لم يستبعد رأي آخر أن يكون المشروع تابعاً لرجال أعمال أتراك اتخذوا واجهة لهم من رجال أعمال سوريين بهدف تنفيذ مخططات السياسية التركية التي أعلن عنها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بخصوص بناء مدن على الحدود، وذلك ـ كما يعتقد - من أجل تغيير ديموغرافية المنطقة والتضييق على المكوّن الكردي. وأشار أصحاب هذا الرأي الى أن قصور سرمدا قد تكون مجرد بداية، وقد تشهد مناطق أخرى أمثال هذه المشاريع.
 
ملاذ للإرهابيين؟
 
من جهة أخرى، حذّر البعض من أن الشقق التي يحتويها مشروع "قصور سرمدا" قد تتحول ملاذاً آمناً للمقاتلين الأجانب وكبار المطلوبين لأجهزة الاستخبارات العالمية. ولم يستبعد هؤلاء أن يسعى بعض المقاتلين الأجانب إلى شراء شقق في المشروع بأسماء مستعارة أو أن يفوضوا مواطنين سوريين شراء شقق لحسابهم إذا حاولت إدارة المشروع عدم تمليك الأجانب، وهو ما لم تظهر بوادره حتى الآن. وثمة أسباب عدة قد تدفع المقاتلين الأجانب إلى استملاك شقق في هذا المشروع، فمعظم هؤلاء يتمتعون بإمكانات مالية تتيح لهم شراء شقة بسعر 8500 دولار، كما أنهم من أكثر فئات المقاتلين استهدافاً، لذلك من مصلحتهم البحث عن ملاذ يقاوم صدمات القصف والانفجارات. لكن الأهم بالنسبة اليهم قد يكون هو أن موقع القصور يقع خارج خريطة استهداف طائرات "درونز" الأميركية أو التابعة للتحالف الدولي، لأن واشنطن التزمت مع أنقرة على أن تكون منطقة الخمسة كيلومترات بمثابة ممر آمن لعودة النازحين، كما أن موقع القصور بالقرب من الحدود التركية قد يمنحهم مزيداً من الخيارات إذا ضاقت الحالة الأمنية والعسكرية بهم وقرروا الخروج من الأراضي السورية.
 
وبرغم أن أحد الشركاء في "المتحدة للعمران" نفى لـ"النهار العربي" صحة هذه الاتهامات، مؤكداً أن الشركة لا تتعامل إلا بموجب عقود واضحة ونظامية ولا يمكن لأي مشبوه أن يستغلها للتستر والاختباء، إلا أن الوقائع وتعقيدات المشهد في الشمال السوري، خصوصاً لناحية الهشاشة القانونية، تجعل جميع الاحتمالات ورادة وممكنة الحدوث.
 
الكلمات الدالة