إعلان

فقيرات سوريا يبعن شعرهنّ لثرياّتها... "كي لا نضطرّ لبيع أجسادنا"

المصدر: النهار العربي
دمشق-طارق علي
شعر للبيع
شعر للبيع
A+ A-
 "شعر طبيعي وغير مصبوغ ولا مرة، أبحث عن أحد ليشتريه أو يدلني الى كوافيرة تشتريه"، كان هذا نص منشور وضعته فتاة اسمها "لينا. أ"، على مجموعة عامة في موقع "فايسبوك"، وتختم منشورها برجاء أن يتم التفاعل مع المنشور، قبل أن تقوم بعد ساعة تقريباً بإضافة تعديل على النص الأساسي، تقول فيه: "تعديل: لقد احترت بسبب التعليقات، كل أحد يضع سعراً مختلفاً، وصلة شعري طولها 36 سنتمتراً ووزنها 80 غراماً"، لينا تركت الباب مفتوحاً للتباحث في سعر الوصلة، بعدما أنهت تعديلها بالطلب من المهتمين مراسلتها ليتم التوصل إلى سعر منطقي يرضي الطرفين.
 
حاز المنشور أكثر من 400 إعجاب، ومئات التعليقات، بين رافض ومستهجن ومتعاطف، وآخر يلعن ما آلت إليه حال السوريين، البعض ذهب في اتجاه منحها عناوين أشخاص قد يشترون منها، كما يقول تعليق "منى. ش": "هناك محل (أ) قرب مطعم (خ. ا)، هناك يشترون شعراً"، وكذلك "سناء. ر" دلّتها الى صالون (ج. ح) الذي يشتري الشعر، أما "محمد. ر" فقد كتب: "أحزن كثيراً حينما أرى أنّ أكثر شيء تحبه الفتاة وهو رمز أنوثتها، أن أراها مضطرة لبيعه بسبب الظروف".
 
وتنوعت التعليقات التي دعت الى رفع سوء الحالة عن لينا، بينما راح البعض يقدم نصائح على شاكلة ما قالته "مريم. هـ": "عليك معرفة سعر الغرام أساساً، ثم حسابها على أساس وزن الخصلة، لا تبيعي بأقل مما يستحقه من ثمن، شعرك نوعيته ممتازة، لا تبيعيه بأقل من سعره".
 
"النهار العربي" تواصل مع شخص يدعى "هادي. م" كان قد وضع منشوراً مشابهاً في مجموعة عامة للبيع والشراء، يقول: "شعر طبيعي غير مصبوغ سابقاً ولم يتعرض إطلاقاً لحرارة (السيشوار)، التواصل يكون بشكل خاص"، سألناه عبر رسالة خاصة عن التفاصيل، فجاء الجواب منه: "الوزن 80 غراماً، مكان التواجد: حمص ...."، وكذلك أرفق هادي رسالته بصورة للشعر والى جانبه أداة قياس توضح طوله.

 
أمميّة القضيّة
كانت صحيفة "نيويورك تايمز" قد نشرت مادةً تتحدث فيها عن اضطرار السوريات لبيع شعرهنّ، وجاء في المقالة: "النساء السوريات اليائسات يبعن شعورهن لتوفير الطعام لأطفالهن". وقالت امرأة تعيل ثلاثة أولاد في صالون تجميل في دمشق: "عليّ بيع شعري أو جسدي". يعمل زوجها نجاراً ويعاني مرضاً ولا يعمل إلا في فترات متقطعة، وهي بحاجة للوقود من أجل تدفئة البيت ومعاطف شتوية للأطفال. واشترت مقابل بيع شعرها بـ55 دولاراً الذي يستخدم لصناعة الباروكات بترولاً للتدفئة وملابس لأطفالها ودجاجاً مشوياً ذاقته عائلتها لأول مرة منذ 3 أشهر. وبكت ليومين خجلاً من نفسها بعد بيع شعرها.
 
لا يمكن المرور على ما قدمته الصحيفة الأميركية مروراً عابراً، صحيح أنّ الأزمة السورية لطالما كانت حاضرةً في الصحيفة، وإن كانت الوتيرة في تراجع مستمر خلال السنين التي تلت معارك المدن العنيفة، إلا أنّ إثارة الأمر بحد ذاته تشير إلى أهميته، وخطورته في آن، فالسوريون المستبسلون لتأمين قوت يومهم، تضيق خياراتهم يوماً بعد يوم.
 
تقرير الصحيفة ذاته الذي يحمل تساؤلاً مراً: "عليّ بيع شعري أو جسدي"، بهذه الكلمات المختصرة يمكن اختزال الحال، فما هو القادم للبيع بعد الشعر؟، الجسد؟ حقيقةً هذا بدأ يحصل، وإن كان في اتجاهين متباعدين، اتجاه لأشخاص العزيزي النفس والعائلة والماضي راحوا باتجاه البيع بما لا يمس الكرامة، علماً أنه حتى في هذا باتت كرامة السوريين في حضيضها، والاتجاه الآخر هو الدعارة لتأمين المال، وباتت منتشرة، "النهار العربي" سبق وأعدّ تحقيقاً خاصاً عن انتشار الدعارة وتناميها في المدن السورية، الفقر يحرّك كل شيء ويتحكم به، لا سيما أولئك الذين أطاحت الحرب أيامهم وأحلامهم.

اضطررنَ للبيع
تقول سماهر لـ"النّهار العربي" وهي سيدة ثلاثينية فقدت زوجها في الحرب: "ضاقت السبل أمامي، لدي ولدان، لم أعد أعرف كيف سأطعمهما، أنا موظفة نعم، ولكن راتبي لا يكفي لسداد ربع ديوني الشهرية، حاولت العثور على عمل آخر، كنت مضطرةً لمبلغ من المال، لسداد أجرة الغرفة التي أقطن فيها مع ولدي، ولم أجد من يقرضني إياه، ولم أرض لنفسي الحصول عليه بطريقة لا أرغبها، لذا اقتنعت بما سمعته يوماً من صديقتي عن صالون للتجميل في أحد الأحياء الراقية يشتري خصل الشعر، وبعت خصلة من شعري مقابل 320 ألف ليرة سورية (103 دولارات)"، وتوضح: "الشعر سينمو من جديد، لم أشعر بالإهانة لكرامتي، ولكني شعرت بحزن عظيم يعتصر نفسي، أي زمن هذا الذي بتنا فيه نبيع شيئاً منّا لنعيش؟".
 
مرام صاحبة صالون لتصفيف الشعر في دمشق، تقول لـ"لنهار العربي": "بدأت هذه الظاهرة بالانتشار كثيراً، صحيح أنها كانت موجودة ولكن بقلة، أما اليوم فهي موجودة بكثرة، نساء كثيرات يردن بيع شعرهنّ، والسعر يختلف بحسب النوعية، وبحسب الصالون، فثمة صالونات تشتري بأسعار مرتفعة نسبياً، لأنّ زبائنها التي ستبيع لهنّ هنّ أساساً من الطبقة الثرية، أما في الأحياء الفقيرة فيختلف الأمر جذرياً".
 
ريما طالبة في كلية الاقتصاد، هي الأخرى باعت خصلةً من شعرها بمبلغ 165 ألف ليرة سورية (53 دولاراً): "يختلف الأمر بحسب الصالون، وبحسب سماكة الشعر وطوله ووزنه وإذا ما كان قد صُبغ سابقاً...، كنت مضطرةً لهذا المبلغ ثمناً لمتطلباتي البسيطة، نادمة؟ نعم نادمة جداً، ولكن ماذا كان يمكن أن أفعل، نحن عائلة فقيرة للغاية، وبرغم ذلك أهلي جنّ جنونهم، ولكن هل كان هناك حل آخر؟ "لم يكن هناك أي حل"، تقول: "أتمنى لو كان شعري يطول كل شهر لأبيعه من جديد".

البحث عن الطّبقة الوسطى
في المنطق المعيشي السوري، كل ما ورد من الأرقام أعلاه لا يعني شيئاً، سوى أنها حلول يومية لا شهرية حتى، فأفضل الدراسات وأكثرها تفاؤلاً تقول إن الأسرة السورية تحتاج لأكثر من 500 ألف ليرة سورية لتعيش، لمجرد أن تعيش، من دون أي رفاهية، ولكن هذه هي الحال، الناس تريد أي شيء ليسد رمقها.
 
وفي المقلب الآخر، مطاعم دمشق وحاناتها وباراتها ممتلئة بالناس. التوزع الاقتصادي السوري بات يشي بما يحصل، طبقتان اجتماعيتان، واحدة ممعنة في الفقر، وأخرى ممعنة في الثراء، بغض النظر عن أسبابه، وإن كانت واضحة وجلية، الطبقة الفقيرة تبيع شعرها، والثرية تشتري، إلا أنّ المهم أنه ما عاد هناك طبقة وسطى في سوريا، هذه الطبقة تلاشت واندثرت، وبالتالي ما عاد هناك تجانس في المجتمع، بل حتى أن الشرخ الهائل بات يتحكم في رقاب طبقة لحساب طبقة أخرى، طبقة عمادها أثرياء الحرب الجدد، وهم كثر وكثر.

 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم