إعلان

الجولاني يستخدم ورقة "داعش" مجدداً... استباقاً لاشتقاقات خطيرة؟

المصدر: النهار العربي
عبدالله سليمان علي
الجولاني ومساعداه
الجولاني ومساعداه
A+ A-
عادت "هيئة تحرير الشام" إلى مواصلة مسلسل ملاحقة خلايا تنظيم "داعش" في إدلب بعد توقف دام لوقت غير قصير. وجاءت الحلقة الجديدة التي كانت بلدة كفرتخاريم مسرحاً لأحداثها، لتسلط الضوء مرة أخرى على لعبة القط والفأر القائمة بين "الهيئة" و"داعش" في تلك المنطقة المحفوفة بالمخاطر، ولتثير التساؤلات حول خلفياتها الحقيقية والغاية التي يسعى لها كل طرف من وراء استدامتها بهذا الشكل.
 
وقد جرت العادة لدى زعيم "هيئة تحرير الشام" أبي محمد الجولاني على أن يلوّح بورقة "داعش" في مناطق سيطرته كلّما أراد إرسال رسالة اعتدالٍ إلى بعض الدول الغربية لتلميع صورته باعتباره "شريكاً" في محاربة الإرهاب، أو كلّما شعر بأن الآفاق قد انسدت بوجهه وأن تعقيدات المشهد على وشك إغراقه فلا يجد إلا قشّة "داعش" ليتعلق بها طلباً للنجاة وإيجاد مخرج.
 
غير أن المداهمة التي قامت بها القوة التنفيذية في جهاز الأمن العام التابع لـ"الهيئة"، يوم الثلثاء الماضي، ضد خلية "داعش" في بلدة كفرتخاريم، وأسفرت بحسب وكالة "إباء"، الذراع الإعلامية للجولاني، عن "مقتل أحد عناصر الخلية التابعة للتنظيم، وسلم آخران نفسيهما، فيما قام اثنان بتفجير نفسيهما، قبل أن تتمكن القوة التنفيذية من السيطرة على المبنى المستهدف وتأمين محيطه بالكامل"، تبدو مختلفة بعض الشيء في الدوافع التي قادت إلى تنفيذها وتوقيت هذا التنفيذ كما في غاياته وأهدافه.
 
ولعلّ الهدف المشترك الذي تسعى إليه كل حملات الجولاني ضد خلايا "داعش" في المنطقة، هو تكريس موقع جهاز الأمن العام باعتباره القوة الضاربة الأولى التي يعتمد عليها في تحقيق مآربه وغاياته لا سيما تلك التي يريد تحقيقها ضد خصومه ومنافسيه في الداخل. 
 
وفي ظلّ توقف العمليات العسكرية على خطوط التماس مع الجيش السوري وحلفائه تنفيذاً لتفاهمات التهدئة بين روسيا وتركيا، يخشى الجولاني من أن يشكل ذلك مدخلاً لإعادة إشعال صراعاته الداخلية مع بعض الأطراف مثل "حراس الدين" التابع لتنظيم "القاعدة" العالمي، أو خلايا "داعش" أو حتى جماعات أخرى مدعومة من قبل تركيا مثل "أحرار الشام" و"الجبهة الوطنية للتحرير". وبالتالي يريد من خلال تجديد حملات المداهمة ضد ما يقول إنها "خلايا داعش" أن يوجّه رسالة إلى جميع هذه الأطراف بأنه لن يتوانى عن الضرب بالحديد ضد كل من يفكر في الاقتراب من حمى "إمارته".
 
وتعرضت "هيئة تحرير الشام" مؤخراً لضربتين قاسيتين، الأولى رفض الولايات المتحدة إزالة إسم الجماعة من قوائم الإرهاب ضاربة بعرض الحائط كل الجهود والتحولات التي قدمها زعيمها لنيل رضا الدول الغربية. والثانية تقليص أنقرة من مستوى التنسيق الأمني معها بخصوص حماية الطريق الدولي "أم فور"، حيث قامت بنشر قواتها ضمن محارس إسمنتية على طرفي الطريق لتتولى المهمة بنفسها.
 
لذلك، ثمة من يعتقد أن سياسة التغاضي عن "هيئة تحرير الشام" وقادتها التي مارستها الولايات المتحدة في عهد الرئيس ترامب ستتحول إلى سياسة أكثر تشدداً في ملاحقة الجماعة وقياداتها لا سيما أن الرئيس باراك أوباما كان قد وقع في آخر أيام ولايته عام 2016 أمراً تنفيذاً يقضي بتكثيف الغارات الجوية ضد "جبهة النصرة" قبل أن تتحول إلى "هيئة تحرير الشام". وقد تكون الضربتان السابقتان مجرد مؤشر على طبيعة التحول الذي يترقبه الجولاني بقلق بالغ.
 
ومما لا شكّ فيه، أيضاً، أن زعيم "هيئة تحرير الشامط قد شعر بالتوجّس من عملية تفجير مفخخة ضد قاعدة روسية في منطقة عين عيسى قبل أسابيع قليلة والتي تبناها تنظيم "حراس الدين"، إذ لا تشير هذه العملية إلى أن الأخير تمكن من كسر الطوق المفروض عليه في إدلب وأنه بات قادراً على العمل في مناطق بعيدة من سطوة الجولاني وحسب، بل تفتح الباب على احتمالات عدة قد يكون أخطرها بالنسبة إلى الجولاني أن يكون ثمة تنسيق أمني بين "حراس الدين" أو بعض مجموعاته وبين تنظيم "داعش" الذي ينشط في منطقة واسعة من البادية السورية، ومن ضمنها مساحات كبيرة في محافظة الرقة.
 
وكانت تقارير إعلامية غربية قد نشرت وثائق تؤكد وجود تعاون بين تنظيمي "حراس الدين" و"داعش" في أعقاب مقتل أبي بكر البغدادي زعيم "داعش" السابق في منطقة باريشا في ريف إدلب في شهر تشرين الأول (أكتوبر) من عام 2019. ونشرت التقارير صوراً لايصالات مالية قبض بموجبها "حراس الدين" مبالغ من "داعش" لقاء تهريب وتأمين مقارّ لبعض قادته في محافظة إدلب.
 
وسواء كانت هذه المعلومات صحيحة أم لا، فإن الجولاني لا يستطيع التغافل عنها لا سيما أنه يدرك مدى اهتمام قيادة "داعش" في تطوير نشاط عناصره وخلاياه في إدلب في مسعى كما يبدو لاتخاذ أراضي المحافظة منصة محتملة لتحقيق حلمه في العودة إلى المشهد.
 
وما من شأنه أن يزيد من قلق الجولاني في هذه المرحلة أن اكتشاف خلية كفرتخاريم تزامن مع تصاعد ملحوظ لعمليات تنظيم "داعش" في البادية السورية. وقد تدفع الغارات الجوية المكثفة التي تنفذها الطائرات الحربية الروسية ردّاً عليها، بعض عناصر التنظيم وقادته للهروب باتجاه إدلب لا سيما أنهم يعرفون بدقة المسالك الوعرة التي تضعهم في قلب إمارة الجولاني.
 
يأتي كل ذلك مع تكاثر الجماعات السرية التي تناهض الجولاني وتضع "الجهاد" ضده على رأس أولوياتها، إذ بعد جماعة "حركة المجاهدين في بلاد الشام" التي تأسست في شهر ايلول (سبتمبر) الماضي، تبنت حركة جديدة أطلقت على نفسها إسم "عبدالله بن أنيس" عملية استهدفت حاجز المطلق على مدخل إدلب في 8 من الشهر الجاري، ووصف بيان التبني عناصر "هيئة تحرير الشام" بالمرتدين.
 
لذلك من الطبيعي أن يستنفر الجولاني وأن يلوّح بعصا جهازه الأمني في هذا التوقيت استباقاً لما يخشاه من أن يكون الهدوء العسكري مدخلاً لتحديات جدية تنفجر في وجهه دفعة واحدة.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم