إعلان

مسيحيّو الجزيرة السورية صاروا أقليّة بعدما كانوا شعباً

المصدر: النهار العربي
رستم محمود
A+ A-
خمسة عجائز فحسب، يجلسون سوية، حول مائدة صغيرة، في منزل طيني تقليدي يقع في "حيّ السريان" جنوب مدينة القامشلي، في أقصى شمال شرق سوريا. المائدة التي تعدّها "خالة نجمة" كل يوم أحد، حيث تعيش وحيدة في فناء دارها، تراقب عشرات الصور اعلمعلقة على جدران غُرف بيتها، لتسعة من أبنائها وأكثر من عشرين من أحفادها، هاجروا أو هُجّروا جميعاً، منذ سبعينات القرن المنصرم حتى الآن، بينما بقيت "خالة نجمة" كما يسميها أهل الحارة وحيدة، تتدبر أمور عيشها، بمساعدة المحيطين بها.
 
من على تلك المائدة، تقول "خالة نجمة" لـ"النهار العربي": "نحن الخمسة فقط من بقينا من أبناء قريتنا، التي كان عدد بيوتها يتجاوز الخمسين بيتاً في ستينات القرن المنصرم، ويملك أبناؤها مئات الهكتارات من الأراضي الزراعية، وكانوا يمتهون مختلف الأعمال، الزراعية والتجارية والصناعية، وذلك لقربها من مدينة القامشلي، والمستوى التعليمي المرتفع لأبنائها".
 
تُمثل حالة "الخالة نجمة" وأبناء قريتها استعارة تعبيرية عن الأوضاع الديموغرافية للمسيحيين في منطقة الجزيرة السورية، الذين كانوا تشكيلاً أهلياً في منطقة الجزيرة السورية، إلى جانب العرب والأكراد والأرمن واليزيديين، وأكثر الطبقات الاجتماعية حيوية وفاعلية في مختلف القطاعات الاقتصادية والإدارية وحتى السياسية، لكن نسبتهم الديموغرافية تناقصت طوال العقود الثلاثة الماضية، ليتحولوا إلى مجرد أقلية سكانية متفرقة.
 
لم يكن ثمة أي أرقام أو بيانات رسمية حول أعداد المسيحيين في تلك المنطقة الشمالية الشرقية من البلاد. لكن أرقام المؤسسات الاجتماعية والخيرية التابعة للكنيسة السريانية الأرثوذكسية، والتي كانت قد سُربت عام 2010، كانت تقول إن عدد العائلات لأبناء هذه الطائفة في مدينة القامشلي فحسب إنما هو بحدود أربعة آلاف أسرة، أي قرابة خمسة وعشرين ألف نسمة، يُضاف لهم من قد يساويهم عدداً من أبناء الطوائف الأرمنية والكاثوليكية والآشورية، أي أن مجموع أعداد المسيحيين في مدينة القامشلي كان يقارب ربع مجموع سكان المدينة، وأنهم في مختلف مناطق محافظة الحسكة في الجزيرة السورية كان عددهم يقارب المئة ألف نسمة، لم يبقَ منهم إلا أقل من عشرين ألفاً.
 
يُعيد الباحث حنا أدوارد أسباب تراجع أعداد المسيحيين في منطقة الجزيرة السورية إلى ثلاثة، إذ يقول لـ"النهار العربي": "اعتباراً من ثمانينات القرن المنصرم، وبعدما تحوّلت المناطق الشمالية الشرقية من سوريا إلى منطقة مهملة تنموياً، هاجر الآلاف من مسيحيي المنطقة نحو الدول الاسكندنافية، التي كانت تقدم بعض التسهيلات في ذلك الاتجاه. إلى جانب ذلك، فإن طبيعة الطبقات الاجتماعية المسيحية، بسبب نوعية العمل وارتفاع نسبة التعليم، خصوصاً بالنسبة إلى الإناث، قلل من نسبة الخصوبة في البيئة المسيحية، على عكس البيئات الكردية والعربية. أخيراً، فإن المسيحيين هنا تملّكهم خوف شديد نتيجة الحوادث التي جرت خلال السنوات العشر الأخيرة، فصارت النسبة الأكبر منهم تحاول الهجرة".
 
كان المسيحيون في الجزيرة السورية يمتدون على كل البقع الجغرافية للمنطقة، فالعشرات من القرى كان سكانها مسيحيين بالكامل، إلى جانب المساهمة الرئيسية للمسيحيين في بناء العديد من المدن والبلدات في تلك المنطقة، مثل ديريك، المالكية وتربسبية، القحطانية والقامشلي وعامودا والدرباسية ورأس العين، وكانوا حتى ستينات القرن المنصرم يشكلون أكثر من نصف سكان هذه المدن، والقوى الأهلية الأكثر حيوية في الحياة الثقافية والاقتصادية وحتى السياسية فيها.
 
على النقيض من مسيحيي باقي المناطق السورية، فإن مسيحيي الجزيرة السورية كانوا يملكون حساً ونزعة قومية، يعتبرون أنفسهم سرياناً وأرمنَ وآشوريين، إلى جانب هوياتهم الدينية، وكانوا يملكون العديد من الأحزاب والقوى السياسية، التي لا يزال بعضها موجوداً حتى الآن، مثل المنظمة الآشورية الديموقراطية وحزب الاتحاد السرياني، التي كانت تملك عدداً من المطالب السياسية الخاصة، مثل الاعتراف بالقومية الآشورية والتعليم باللغة السريانية والأرمنية في المدراس العامة. وبسبب خياراتها السياسية تلك، فإن العديد من ناشطيهم وسياسييهم تعرضوا للاعتقال منذ ثمانينات القرن المنصرم، بعضهم لسنوات كثيرة.
 
حتى قبل عقد واحد فحسب، كان مسيحيو منطقة الجزيرة السورية يشكلون عصب الفعل الاقتصادي في أربعة قطاعات رئيسية، وبالذات في المدن الرئيسية الثلاث في المحافظة، الحسكة والقامشلي والمالكية. فالجهاز الإداري الحكومي، خصوصاً في مجالات التعليم والخدمات العامة، كان بمعظمه من مسيحيي المنطقة، الذين كانوا أفضل تعليمياً وأكثر تمدناً من باقي السكان المحليين في تلك المدن. إلى جانب ذلك، فإن أسواق الصاغة والخدمات البنكية كانت مسيحية بمعنى ما، حيث كانت الأسواق التي شغلوها في السنوات التأسيسية لهذه المدن قد سمح لها بتلك المكانة. فالدورة الاقتصادية المحلية، خصوصاً في الجانب المالي، كانت تمر بالضرورة عبر شبكات مؤلفة من ارتباطات أهلية من أبناء الطوائف المسيحية.
 
إلى جانب ذلك، فإن مسيحيي الجزيرة السورية كانوا يسيطرون على قطاع الصناعة، سواء السيارات أو الخدمات الصناعية لمصلحة القطاع الزراعي. فكل مُدن الجزيرة السورية، التي كانت فيها "مُدن صناعية" رديفة، كان مسيحيو المنطقة يسيطرون عليها سيطرة شبه تامة، خصوصاً من الأرمن الذين كانوا أصحاب روابط أهلية وصناعية مع أبناء الطائفة الأرمنية في مدينة حلب، الذين كانوا يشغلون المكانة نفسها.
 
تراجعت أدوار المسيحيين في كل تلك القطاعات، وصاروا أقلية عددية ضمنها، بحيث يمكن ملاحظة ذلك بوضوح على لافتات مراكز المُدن الصناعية بالقرب من المدن، أو من خلال أسماء محال الصاغة ولوحات الأطباء وأسماء المكاتب الهندسية في المدينة. حتى حيّ الوسطى المركزي في مدينة القامشلي، الذي بقي لأكثر من ثلاثة عقود كاملة حياً مسيحياً بالخالص، بمثابة نواة التفت فيه الجماعة المسيحية على ذاتها، صار المسيحيون فيه قرابة النصف فحسب.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم