إعلان

جماعة "إخوان سوريا"... تتذاكى لاسترضاء السعودية بعداء إيران

المصدر: النهار العربي
عبدالله سليمان علي
الإخوان المسلمون" في سوريا"
الإخوان المسلمون" في سوريا"
A+ A-
لم يسبق أن شعرت جماعة "الإخوان المسلمين" على مدى مسيرتها الممتدة منذ عام 1928 بالعري والانكشاف الفاضح كما تشعر به في هذه المرحلة التي تتضافر فيها جهود عربية وأوروبية لتفكيك شبكاتها وتجفيف منابع تمويلها وردعها عن القيام بأدوار تخريبية، سواء بيدها مباشرة أو عبر التنظيمات الدموية الهجينة التي تخرج من رحمها.
 
رفعت أوروبا الغطاء عن "الجماعة" في أعقاب هجمات باريس وفيينا، والأخيرة في صدد إصدار قانون يقضي بتجريم "الإسلام السياسي"، وذلك بعد عقود من سياسة أوروبية مريبة كانت تقوم على استيعاب الجماعة واحتوائها وأحياناً احتضانها لتكون أداة في مواجهة بعض الأنظمة العربية والإسلامية أو جسراً للعبور إلى بعض الأزمات والتدخل فيها.
 
اليقظة الأوروبية المتأخرة والتي لم تحصل إلا بعد أن اضطر بعض عواصم القارة العجوز إلى دفع الثمن من دماء مواطنيها في سلسلة من الهجمات الإرهابية التي هزتها مؤخراً، سارعت المملكة العربية السعودية إلى ملاقاتها في منتصف الطريق، ساعية عبر بيان صادر عن هيئة كبار العلماء إلى تسمية الأمور بمسمياتها وتحديد العدو الأول أو الجذر الذي تنبت منه شجرة الإرهاب التي ينبغي اجتثاثها، وهو "الإخوان المسلمون".
 
ورغم أن موقف الرياض من "الإخوان" قائم منذ عام 2014 عندما قررت وزارة الداخلية السعودية تصنيف "الجماعة" على قائمة الإرهاب، وهو ما تجدد في بيان سابق لهيئة كبار العلماء عام 2017، إلا أن التطورات على الجبهة الأوروبية التي تشهد معركة غير مسبوقة ضد التنظيمات الإسلامية المتطرفة، استلزمت على ما يبدو تأمين مظلة إسلامية تحظى بشرعية في العالم الإسلامي من أجل شرعنة الإجراءات الأوروبية وحرمان أية جهة من العمل على نسفها من الداخل، من خلال تصويرها على أنها تستهدف الإسلام وليس الجماعات المتطرفة، فكان بيان هيئة كبار العلماء السعوديين في هذا التوقيت لغرض القيام بهذه الوظيفة.
 
بيد أن الغاية من البيان لا تقتصر على تأمين المظلة فحسب، بل تتعدى ذلك إلى تعميق خطوط السياسة السعودية الجديدة بإزاء جماعات الإسلام السياسي في الداخل والخارج، وهو ما يشي باحتمال تصعيد المواجهة ضد هذه الجماعات في بعض الدول الخليجية في المرحلة المقبلة، كما أنه يأتي بمثابة خطوة استباقية قبل جلوس الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن وراء المكتب البيضاوي، من أجل تأكيد ثوابت الرياض في مواجهة الرهانات التي يقامر فيها البعض بخصوص عودة السخونة إلى خط العلاقة بين الإدارة الديموقراطية والاسلام السياسي.
 
وسط شمولية المواجهة السابقة وتشعبها بين الخليج وأوروبا، كان من المستغرب أن تبادر "جماعة الاخوان المسلمين – فرع سوريا" إلى الرد على بيان هيئة كبار العلماء وإن بطريقة مواربة وغير مباشرة، حيث أعلن براءته من فكر الغلو والتكفير، وخص بالبراءة تنظيمي "القاعدة"  و"الدولة" في إشارة إلى تنظيم "داعش".
 
ويرى بعض المراقبين أن موقف المملكة كان كفيلاً بإثارة القلق لدى قيادة "إخوان سوريا" على وجه الخصوص، ما دفعهم إلى الرد بهذه السرعة، وذلك لأسباب عدة، أهمها أن الملف السوري ما زال قيد التجاذب والاستقطاب إقليمياً ودولياً، وهو ملف حيوي بالنسبة إلى جماعة "الإخوان" التي تأمل في أن يعود عليها بمكاسب سياسية تعيدها إلى عصر التمكين الذي فقدته في دول أخرى.
 
وبما أن الرياض تؤدي دوراً بارزاً في الملف السوري، فقد تولّدت خشية لدى "إخوان سوريا" من أن ينعكس الموقف السعودي على فرصهم في اقتناص تلك المكاسب خصوصاً في ظل الخلاف السعودي – التركي وتداعياته المترامية على أكثر من ملف وجبهة.
 
ويتمثل السبب الثاني الذي قد يكون وراء اندفاعة "إخوان سورياط للرد، هو أن قيادات وكوادر ومؤسسات الفرع السوري متواجدة في المنافي خارج الأراضي السورية منذ ثمانينات القرن الماضي، وبالتالي هي مرشحة أكثر من غيرها لأن تحصد نتائج الحملة الأوروبية ضد جماعات الإسلام السياسي نظراً الى حجم استثمارات الجماعة في أوروبا من خلال شبكات الجمعيات الخيرية والمساجد والمؤسسات التعليمية والإعلامية التي أنشأتها هناك.
 
ولعل العبارة المفتاحية التي وردت في بيان الفرع السوري وتحتاج إلى بعض الإضاءة هي العبارة التمهيدية التي سبقت إعلان البراءة، أي قوله "في ظلّ الظروف والمتغيرات الدولية والإقليمية، وما يتكشف لنا يوماً بعد يوم من عمليات بعض الناس في إعادة الاصطفاف، حرصاً على مصالح موقتة عارضة؛ نحبّ أن نؤكد في جماعة "الإخوان المسلمينط في سورية... براءتنا من فكر الغلو والتكفير"، فمن يقصد البيان ببعض الناس وما هي عمليات إعادة الاصطفاف التي يشير إليها؟ هل المقصود إعادة اصطفاف في تنظيمات المعارضة السورية وهيئاتها أم أنه أراد أن يحيل الأمر إلى مفهوم أوسع للاصطفاف يشمل دولاً ومحاور؟.
 
ما يهمنا في هذه النقطة بالذات أن البيان "الإخواني" لم يتطرق إلى "هيئة تحرير الشام" (جبهة النصرة) في سياق براءته من التنظيمات المتطرفة، رغم أنها من أكبر التنظيمات الجهادية في سوريا وأقواها وأكثرها هيمنة، فضلاً عن أنها مصنفة على قوائم الإرهاب الدولي، فهل عدم التطرق من باب التقية التي اعتاد "الإخوان" على ممارستها أم أنها تعبر عن موافقتهم على الأمر الواقع الذي تفرضه الهيئة في إدلب ممثلاً بهيمنتها شبه المطلقة على شؤون المنطقة الإدارية والعسكرية والأمنية، لا سيما بعد الانقلاب الذي دعمته الأخيرة داخل "أحرار الشام" وانعكاساته على المجلس العسكري الموحد.
 
هذا الغموض الذي يلفّ موقف "الإخوان" بخصوص جماعة مصنفة على قوائم الإرهاب، يؤكد أن "البراءة" من فكر الغلو والتطرف ليست سوى محاولة لتمويه الموقف الحقيقي لـ"الإخوان" الذي يتخذ من تعقيدات الواقع ستاراً لحجب توجهاته وأهدافه.
 
وتكرست هذه النزعة للتمويه والانتفاع، من خلال استغراق البيان الذي أصدرته "جماعة إخوان سوريا" في العداء لإيران ومشروعها الصفوي ونظام الحكم فيها، حيث أفاد أنه "نؤكد براءتنا على السواء وبالقدر نفسه من المشروع الصفوي، ومن نظرية الولي الفقيه، ومن دولة الملالي في طهران (التي تحتل بلادنا، وتعيث فيها فساداً وإجراماً وتخريباً) وكذا من كل تنظيم ومنظمة وحركة وجماعة تَمُدُّ يَدَ الولاءِ إلى هذا المشروع وإلى هذه الدولة، تحت أي عنوان أو لافتة أو تبرير؛ أو تقبل أي شكل من أشكال العلاقة، ولا نقبل من أحد في علاقته بمن دمر العراق والشام واليمن قولاً ولا عذراً". إذ لا يخفى حجم التذاكي الذي يشير إليه، هنا، استحضارُ إيران وخطرها للرد على بيان هيئة كبار العلماء، وذلك في مسعى واضح من "الإخوان" لإحياء أساليب قديمة في العمل السياسي على قاعدة "أنا وابن عمي عالغريب".
 
وتدل هذه العودة إلى ذلك الأسلوب على أن قيادة الفرع السوري لم تستوعب حجم التغيرات التي طرأت على السعودية في السنين الأخيرة والتي أصبحت بموجبها مواجهة "الإخوان" من وجهة نظر ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لا تقل أهمية عن مواجهة ما تمثله إيران من أخطار. كما أن "إخوان سوريا" على ما يبدو لم يقرأوا جيداً ما يمكن أن يترتب على قدوم جو بايدن من تحولات جذرية في مشهد المنطقة، وما قد يترتب عليها من زعزعة العلاقات والتحالفات التي قامت في عهد الرئيس دونالد ترامب، خصوصاً بالنظر لما سيترافق مع قدوم بايدن من تعويم لجماعات الإسلام السياسي والدول التي تقف وراءها، وهذا بحد ذاته يكفي لإطلاق صفارة الانذار في عدد من العواصم العربية وعلى رأسها الرياض وأبو ظبي تجاه الخطر القادم من "الإخوان"، فكيف بعد ذلك تحاول الجماعة أن تبيع بضاعتها الكاسدة ولمن ستبيعها؟.
 
 
 
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم