إعلان

​انتحال الصيدلة... ظاهرة سورية تتلاعب بصحة المرضى

المصدر: النهار العربي
دمشق-طارق علي
صيدلية في دمشق
صيدلية في دمشق
A+ A-
في إحدى صيدليات جرمانا سأل "النهار العربي" شخصاً يديرها ويفترض أنّه الصيدلاني عن توافر بعض الأدوية، عبر سؤاله عن أسماء مركباتها الطبية لا أسمائها التجارية، فظهر عليه الإرباك، ليعترف بأنّ زوجته هي الصيدلانية وبأنّه يساعدها في إدارتها، ولكن خبرته، وبحسبه، تتيح له إدارة الصيدلية بغياب زوجته. "النهار العربي" طلب منه دواء رالفيك ودواء ديباكن، خلال دقائق أحضر الرجل دواء رالفيك وأخذ يبحث مرتبكاً عن دواء ديباكن، علماً أنّ الاسمين هما للمستحضر الطبي نفسه، قبل أن يقوم بإجراء اتصال هاتفي من الغرفة الداخلية للصيدلية، ويعود مبتسماً ليقول: "هما الدواء نفسه، الحق عليّ، لم أكن مركزاً". حادثة كهذه توضح وجود مشكلة حقيقية، فذلك الشخص ليس إلا مستأجر لشهادة الصيدلة من صيدلاني نظامي، وهذا أمر ينتشر هذه الأيام في سوريا.
 
بعد بحث معمق وصل "النهار العربي" إلى ريم وهو اسم مستعار لصيدلانية في دمشق قامت بتأجير شهادتها لقاء مبلغ مالي شهري نظراً الى عدم امتلاكها رأس المال لفتح صيدلية، وفتح صيدلية صار مكلفاً للغاية في هذه الأيام بطبيعة الحال.
 
تفيد ريم بأنّ الرقابة شبه غائبة من النقابة في هذا الإطار، "أنا أجّرت شهادتي لشخص ليس صيدلانياً وقام بافتتاح صيدليته على اسمي وهو يمارس المهنة، وعموماً قد لا يكون ضليعاً بالأمور الصيدلانية، ولكن لا بد من أنّ لديه خبرة ولو بسيطة، وفوق ذلك فإنه يكسب الخبرة المطلوبة خلال الوقت والممارسة، ولكن حتى ذلك الوقت فأكثر ما يخيف هو أن يكون ليس لديه علم في الكثير من الأمراض والآفات والاستطبابات ومضادات الاستطباب والتداخلات الدوائية للأدوية والجرعات الآمنة والمسموح بها وكيفية تناول الأدوية، لئلا تصبح هذه الأدوية سيفاً ذا حدّين قد يفضي سوء استعماله الى نتائج لا تحمد عقباها، والأسوأ من ذلك هو مسألة تبديل الأدوية الموصوفة من قبل الأطباء بمستحضرات أخرى عن جهل أو معرفة لمصالح تربط الصيدلي بشركات أدوية معينة".
 
وتؤكد ريم أنّ الصيدلي إذا تعامل على قاعدة إعطاء الأولوية لإنفاق ما لديه من أدوية على حساب أنواع الأمراض ومتطلباتها فهناك تكون الطامة الكبرى التي قد تهدد حياة المريض حرفياً، "يحصل هذا أحياناً".
 
ماهر زهيرة صيدلاني في دمشق يقول إنّ "هؤلاء الأشخاص خطر على المهنة وعلى حياة المرضى على حد سواء، فأحياناً يبيعون الدواء بأسعار أقل من قيمته السوقية بسبب جهلهم بتسعيرته الجديدة، وأحياناً أخرى يقومون برفع أسعار بعض الأصناف عن غير دراية أيضاً، ليبدو الأمر شبيهاً بمن يملك بسطة يبيع عليها، وهذا كلّه هين أمام الخطأ في صرف الوصفة الطبية، أعرف طفلاً رضيعاً حصلت معه اختلاجات كادت تودي بحياته بسبب خطأ في صرف العيار الطبي للمستحضر الدوائي من قبل شخص يمتهن الصيدلة، وحتى الآن ثمة محاكم وأخذ ورد في هذا الموضوع". 
 
 
 
مصدر في وزارة الصحة قال لـ"النهار العربي" إنّ هذه الحالات موجودة ولا يمكن نكرانها، ولكن في الوقت نفسه لا يمكن القول إنّها طاغية ومتفشية إلى حد لا يمكن معه مكافحتها، "هي ظاهرة موجودة ولكن ضعيفة نسبياً، صحيح أنّهم موجودون ولكنّهم قلة قياساً بالعدد الكلي في المحافظات السورية، ولجاننا المختصة والمتابعة في الوزارة والنقابة والمديريات الصحية تتابعهم وتلاحقهم بشكل فوري وعبر جولات دائمة ومستمرة".
 
وفي الإطار، والكلام للمصدر، إنّه تمت في الفترات الماضية إحالة العديد من الأشخاص الذين مارسوا مهنة الصيدلة بغير حق على القضاء وكذلك أشخاص انتحلوا صفة أطباء، وبينهم معالجون فيزيائيون أحدهم مارس المهنة لسنوات طويلة قبل كشف أمره، ومجمل هذه الحالات يتم كشفها عبر الشكاوى الرسمية التي تصل الى الجهات المختصة، يقول المصدر إنّ بعضهم كان يمتلك بطاقات صحية مزوّرة.

الخيار الأوفر
يتجه بعض الناس عند التعب أو المرض إلى الصيادلة مباشرة لاستشارتهم على اعتبار أنّ ذلك يكون أوفر بكثير من زيارة الأطباء، ولكن أحياناً قد تحمل هذه الزيارات مخاطر يدفع المريض ثمنها سريعاً، وهو ما يقوله زهير زيزفون العامل في فرن الى "النهار العربي": "راجعت صيدلانياً في منطقتي في دمشق إثر إصابتي بسعال شديد وألم في الحلق والبلعوم، ليصف لي حقنةً قال إنّها سريعة المفعول ونتائجها فورية تقريباً، وبأنّها أسرع من الكبسولات طالما أنني أتوجع، ولكن بعد أخذي الحقنة بنحو ربع إلى ثلث ساعة أصابتني قشعريرة شديدة وارتفاع كبير في درجة الحرارة، ليتبين أني مصاب بحساسية من مركب الحقنة، وكاد ينتهي الأمر على سوء شديد لولا توجهي فوراً إلى المستشفى".
 
وبين شخص يبحث عن التوفير وآخر يقع ضحيته، يمكن القول إنّ العلاج صار ترفاً مبالغاً به للسوري، الذي صار من الممكن، في المتوسط، أن تكلفه معاينة الطبيب والأدوية بحدود 50 ألف ليرة، وهو نصف الراتب الحكومي الشهري، ما يجعل الحديث السوري المستمر عن مجانية الطبابة في سوريا ضرباً من الخيال، يقول شاب التقاه "النهار العربي" في إحدى الصيدليات وكان يبحث عن إبرة لمرض التصلب اللويحي لوالده سعرها مليون ليرة، وهو يحتاج أربع أبر شهرياً.


.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم