إعلان

صراع في شوارع القامشلي حول "بايدن الكردي"!

المصدر: النهار العربي
شفان ابراهيم
قوة أميركية سابقاً في القامشلي
قوة أميركية سابقاً في القامشلي
A+ A-
بدأ الأكراد القاطنون في مدينة القامشلي، والتي يعتبرونها عاصمتهم القومية، يومهم الجديد بتبادل المعلومات والأخبار حول نتائج الانتخابات الأميركية، والتي في مجملها مأخوذة إما من المنصات الرقمية أو متابعة الأخبار لحظةً بلحظة. ويكاد ألا يخلو بيتاً كردياً من ملاحقة القنوات الفضائية حتى وهم على رأس أعمالهم، لمعرفة تفاصيل الانتخابات. كل ذلك لمعرفة مستقبلهم مع الرئيس الأميركي الجديد.
 
وتسود حالة قلق كبيرة لدى فئات كُردية مختلفة ومخاوف من تجديد فوز الرئيس الأميركي "دونالد ترامب" بولاية ثانية، حيث يتذكرون دوماً ما حصل إبان انسحابه من رأس العين/ سري كانيه ودخول الجيش التركي وفصائل المعارضة السورية إليها. ويعقد قسماً من الكُرد الآمال على المرشح الديموقراطي "جو بايدن" ويقولون إنه سيكون أفضل للكرد من سلفه.
 
دلالات تفضيل الكُرد للمرشح الديموقراطي "بايدن" بالفوز تعبير عن رغبة فئات عديدة من الناس الذين يعيشون في مدينةٍ تشهد وجود أربعة جيوشِ على أرضها موزعة ما بين أميركا، روسيا، قسد، والجيش السوري، وعلى بعد كيلومتراتٍ منها يتواجد الجيش التركي وفصائل المعارضة السورية، وذلك رغبة منهم بربط مصير قضيتهم مع نتائج السباق الانتخابي الذي يجري على بعد آلاف الأميال عن مدينتهم، خصوصاً أن المجتمع الكردي المحلي في سوريا، وعلى أمل أن تجد القضية الكردية حلاً لدى بايدن. 
 
ويقتنع الكرد بعد تجارب عديدة، بفشل كل السياسات والخطط التي حاولوا تطبيقها من دون الموافقة الدولية، كما لم تحمهم قوتهم العسكرية من التدخل التركي ثلاث مرات في مناطق درع الفرات وعفرين ورأس العين، كما لم يستفيدوا مباشرة سواء اقتصادياً، أو إنسانياً من انضمام قِواهم السياسية إلى أطر المعارضة السورية. بل يتطلعون لتصبح منطقتهم مركز استقرار أميركياً دائماً في الشرق الأوسط، لكن بضمانات عدم تكرار ما فعله "ترامب" سابقاً. وسبق أن قال المبعوث الأميركي "جيمس جيفري" لبعض القيادات الكردية السورية "إن رفع العلم الأميركي وإبقاء جندي واحد في المنطقة، يُعتبر وجوداً للجيش الأميركي". ولعل ذلك تكرار لمعضلة ربط مصير الأنظمة العربية وشعوبها ومشاريعهم المستقبلية والتنمية المستدامة بنتائج الانتخابات الأميركية.
 
يصف "رضوان سعدون" الذي تحوّل من العمل في الزراعة إلى بائع ألعاب الأطفال في سوق القامشلي المركزي، بعدما نزح مع عائلته من سري كانيه إبان الهجوم التركي، المشهد الكردي حيال عملية الانتخابات بـ"الطبيعي والاعتيادي، فالكرد ليس لديهم إمكانية المواجهة المباشرة مع تركيا، ولولا مساعدة التحالف لـ"قسد" ما تمكنت الأخيرة من القضاء على داعش. وأعتقد أن بايدن سيكون أفضل للكرد من ترامب، فلنا تجربة مريرة مع الرئيس الأميركي الجمهوري الذي سبق أن أنسحب من البلاد وسمح لتركيا بالسيطرة على مدننا، ونأمل أن يكون للرئيس الجديد موقف مغاير عن سلفه حول التدخل التركي وإيجاد حل للكرد في سوريا".
 
واحتضنت القامشلي كغيرها من المدن الكردية في سوريا، آلاف النازحين، سواء من عفرين أو تل ابيض أو راس العين إبان العمليات العسكرية التركية، ومن كوباني أثناء غزو تنظيم الدولة، ومنهم من بقي واستقر في المدينة ومنهم من غادرها إلى مناطق أخرى كتركيا أو إقليم كردستان أو أوروبا.
 
ولا يختلف توصيف رضوان سعدون عن توصيف غالبية النازحين إلى المدينة، والمجتمع المحلي نفسه. فأوضاعهم المادية والمعيشية ورغبتهم بالعودة إلى منازلهم لا تزال تسيطر على تفكيرهم. ويحملون هماً وخوفاً مركباً، أولاً بعدم العودة إلى مدينتهم، وثانياً بمخاوف النزوح من القامشلي أيضاً، خصوصاً أن كامل الشريط الحدودي يشكل ساحة لصراع القوى الإقليمية والدولية ذات الشأن في الملف السوري. ويخشى النازحون والأهالي من أن تصبح القامشلي والدرباسية وعامودا وحتى ديرك ضحايا جديدة للحسابات والمقايضات الدولية البينية. وهم أي الكرد، سبق أن جربوا شعور أن تصبح مدنهم هدية أو تصبح بمثابة تبادل للمناطق في ما بين الدول العظمى وشركائهم الإقليميين.
 
حال الصيدلانية سيرين عمو التي نزحت مع أهلها من الدرباسية منذ حوالى 9 أشهر، لا يختلف أيضاً. وتقول إن "الجميع متفائل بأن يكون الرئيس الأميركي الجديد أفضل من ترامب وإيجابياً في مواقفه من الكرد... نحن نغرق لذلك نتعلق بقشة أمل، والكل خائف من تدخل تركي في الشريط الحدودي، لكن نخشى أن من يصل إلى البيت الأبيض لن يهتم كثيراً بحالنا".
 
في المقابل، ثمة من لا يهتم كثيراً بمصير الانتخابات حيث تقول شانا محمد لـ"النهار العربي" وهي معيدة في جامعة قرطبة الخاصة في القامشلي، "لا يهمني من سيصبح رئيساً لأميركا، فالنتيجة هي ذاتها، ولن يقدم أي شيء لنا ولقضيتنا، بل سيكون كسائر الرؤساء الأميركيين السابقين، يعِدون ثم ينكثون بوعودهم، فكل من يدخل سباق الرئاسة يسعى لتقديم أبهى الصور عن نفسه وتقديم صورة المؤيد والمتضامن مع قضايا الشعوب المظلومة، وسرعان ما يلتزم بالسياسات الأميركية الساعية للسيطرة على الجميع من دون مقابل". 
 
ويتطابق رأي شانا إلى حدً كبير مع آراء وتوجهات طلبة جامعة قرطبة، الذين يجدون في بايدن صورة "تجميلية" عن ترامب. وتتمة لسياسة أميركا "بالإبقاء على بؤر التوتر دوماً، من دون حل المشكلات، ولو أرادات لوضعت حداً لشلال الدماء في سوريا" وفق ما قاله الطالب الجامعي "جوان محمد" الذي يضيف لـ"النهار العربي": "الكرد متفاعلون كثيراً مع الانتخابات الأميركية أكثر من الأميركيين أنفسهم، حيث في أميركا من لم يسمع بالمرشحين للرئاسة. أعتقد أن الاهتمام مبالغ فيه، أو هو نتيجة غياب أيّ أمل بالأطراف السياسية المحلية لأسباب عديدة، فتفاعل الأكراد بمن سيرأس أميركا، يفوق حجم من يرأسهم هم".
 
موقف الطلبة وأساتذتهم يتطابق أيضاً إلى حد ما، مع قسم من الأهالي والمجتمع المحلي في القامشلي حيث يقول نصار الخليل لـ"النهار العربي" وهو بائع موالح متجول "إن من يفوز سيبحث عن مصالحه ومصالح بلده. بالنسبة إليّ لو كنت هنا في القامشلي، أو في أيّ مكان أخر، فإن مهنتي لن تتأثر ولن تتغير، أنا أبيع الموالح سواء هنا أو في أي مكان، الأمر لا يعنيني كثيراً".
 
كما أن وسائل التواصل الاجتماعي للنشطاء الكرد لم تسترح من عناء المتابعة والرصد ونشر المنشورات والتوصيفات مثل "نيفادا عيونها زرقاء" و"السماء تعاقب ترامب لما فعله بالكرد" و"بايدن قال إنه لن يترك الكرد" و"بايدن قال إنه سيشهد إعلان دولة كردستان"... "ترامب كان يعاقب إيران لكن بايدن سيتوافق معها".
ويبدو أن خشية الأهالي في القامشلي كباقي المدن الكردية الأخرى إنما تنحصر حول أمرين أثنين، أولهما: استغلال الفصائل العسكرية للمعارضة السورية وبدعم من تركيا، لفترة الشهرين قبل تسلم الإدارة الأميركية الجديدة لمهماتها، والقيام بالمزيد من الهجمات أو زيادة وتيرة الانتهاكات الخطيرة في مناطق سيطرتها على المدن الكردية. أو لجوء بايدن للتوافق مع إيران حول ملفها النووي، وهو ما يتجاوز أثره حدود المجتمع الكردي صوب لبنان وسوريا والعراق.
 
 
الكلمات الدالة