إعلان

لا ماء ولا كهرباء في منازل سوريا... حمّام السّوق يستعيد مجده

المصدر: النهار العربي
دمشق-طارق علي
استراحة ما بعد الحمام
استراحة ما بعد الحمام
A+ A-
"أبحث عن حمّام سوق في الشام تكون المياه فيه ساخنة، وهناك مقابس كهربائية ليجفف الشخص شعره، أريد نصيحتكم عن تجربة، والأفضل أن يكون في القيمرية (دمشق القديمة) ونواحيها"، هذا نص منشور وضعته ريهام .أ في مجموعة مغلقة في موقع "فايسبوك"، لتتبع منشورها بتعديل بعدما قرأت مئات التعليقات على طلبها، تقول التعليقات إنّ "حمام (...) أفضل شيء، أما (... و ...) فأكثر من شخص نصح بهما وأكثر من شخص لم ينصح بهما أيضاً".
 
قد يبدو المنشور للوهلة الأولى عادياً في سياق يوميات أهل الشام، لكنّ الكلمات تلك تخفي الكثير خلفها، فريهام لا تبحث عن الحمام لتجربته كطقس، حالها حال مئات السوريين، بل هي تريد مكاناً تتوافر فيه المياه الساخنة للاستحمام، والتي صارت على جدول الحرمان في سوريا، فتلك المياه تحتاج الكهرباء للتسخين، ولا كهرباء، إذاً، لا ماء، ثم تحلم ريهام أكثر، وتطلب أن يكون في الحمام مقابس للكهرباء. الفتاة تريد أن تشحن هاتفها، وربما كمبيوترها المحمول.
 
دون خط الاستحمام
مازن أحد الشباب الذين علقوا على منشور ريهام، يقول لـ"النهار العربي": "تخيل! هذا ما صرنا نلجأ إليه، حمامات السوق الجماعية، بكل ما لها وما عليها، دع الأمن الغذائي والاجتماعي جانباً، هل يُعقل أن نبحث عن مكان خارج منزلنا للاستحمام؟ قبل شهر وأكثر ربما عانت منطقة سكني في ريف دمشق من انقطاع مياه مستمر ومتواصل لفترة ليست بالقليلة، لجأت إلى منزل صديق لي في المزة لأستحمّ عنده، والله هذا غريب! لست ضليعاً بالأمر، ولكني أسأل، حين نقول إنّ معظم سوريا تحت خط الفقر، هل هناك مقياس يقال فيه ما نسبة الناس الذين هم دون خط الاستحمام؟ قرفنا ما حولنا والآن سنقرف أنفسنا لقلة الاستحمام"، يتحدث مازن بلهجة حادة وغاضبة، ويسأل فعلاً عن حلول. يحاول استعراض حزمة من المقترحات، قبل أن يختم حديثه بأنّ أياً منها غير قابل للتطبيق.
 
أما حمادة محمود فيقول لريهام ساخراً: "ألم تسمعي عن فوائد الاستحمام بالمياه الباردة، تابعي قناة "سما" فقد شرحت عن الموضوع، واضحكي كثيراً، إذا استطعتِ الاستحمام بالماء البارد، فهو أفضل من حمام السوق".
 
أما رشا قدورة فتقول لها: "اسمعي مني وسخني مياه بالحلة ولو على الحطب في منزلك واستحمي، ولا تذهبي إلى حمامات السوق، لا أشعر بالثقة حيالهم".
 
 
بحث عن حمّام مناسب على "فايسبوك"
 
لا مياه، لا كهرباء
يشرح المهندس مفيد شحرور لـ"النهار العربي" موضوع البحث عن مياه ساخنة للاستحمام بقوله: "أنا أقيم في ريف دمشق، في مدينة جرمانا، التي يعادل اكتظاظها السكاني الاكتظاظ في دمشق. نحن شبه محرومين من المياه، فالمدينة تعتمد على الآبار، وهذه الآبار بحاجة لتغذية كهربائية لتضخ المياه للمنازل، وحين تحصل ـ إن حصلت ـ على كهرباء، تكون الكهرباء مقطوعة لدينا، وبالتالي لا يمكننا تشغيل المضخات المنزلية لتعبئة المياه، وإذا ما حصل ووصلت المياه إلى المنازل، بعد قليل تقطع الكهرباء، ولا نتمكن من تسخين مياه الحمام، وهكذا دواليك، مرتين قصدت حمام السوق أخيراً".
 
وكذلك يبحث عزت. ج عن حمام في السوق: "أبحث عن حمام سوق يكون جيداً وخدمته جيدة ومياهه ساخنة ووفيرة للغاية". لم يعد الأمر غريباً، صار من السهولة لحظ هؤلاء الناس الذين يطلبون معلومات عن حمامات السوق، القصة بدأت تصير عرفاً، وفي مقياس الحال اليوم، هذا الأمر ليس عادياً، بل فيه ما فيه من انعدام أساسيات الحياة وسبلها الضيقة على قلتها.
 
8 آلاف إلى 12 ألفاً
ضمن هذه الأرقام، تستقبل حمامات الأسواق في دمشق زبائنها. وهم الزبائن الهاربون من ساعات التقنين التي كادت تلامس 20 ساعة قطع يومياً، حقيقةً، لامست هذا الرقم في أحياء عدة، بل وفي محافظات بحالها!
 
تقول الطالبة الجامعية ريا الحبال لـ"النهار العربي" إنّها زارت حمام السوق أكثر من مرة في الأسابيع الماضية: "اذهب مع بضع صديقات لي، هناك كهرباء ومياه ساخنة، وما كنا لنذهب لولا أنّنا وصلنا الى مرحلة بدأنا نشعر فيها بالقرف من أنفسنا، وعلاوةً على ذلك فنحن نتسلى في الحمّام، كونه جمعة فتيات، ولكن هذا لا يلغي أنّ الحمّام قياساً بالدخل السوري ليس بالقليل، فوسطياً مبلغ عشرة آلاف مقابل الاستحمام ليس بالقليل". وعن الحال في منزلها، تقول: "سخان مياه الحمّام يتطلب ساعة أو ساعتين ليسخن، وما من داع لأخبرك عن واقع الكهرباء لدينا، ولدى كل السوريين، وهات أن نوزع أدوار الاستحمام بين أفراد أسرتنا، لذا ذهبت إلى حمّام السوق، فهكذا أوفر وقتاً عن نفسي، وأمنح الأفضلية لغيري، لإخوتي الصغار على أقل تقدير".
 
الأمر ذاته ينطبق على كل الفئة التي تذهب للاستحمام في السوق، يقول محمود الشيخ وهو أحد روادها الجدد لـ"النهار العربي": "بت أقصد الحمّام مرة في الأسبوع وبصورة منتظمة خلال الأشهر الثلاثة الماضية، وحقيقة أعجب بعض أصدقائي بالفكرة، وبدأنا نذهب معاً، هناك نجلس لوقت جيد، نستحم، ونتمتع بالدفء، ونشرب النرجيلة ونستمتع، فلنقل إنّه طريقة جديدة ومجدية للترفيه عن أنفسنا وتغيير الجو، وفوق كل ذلك التنعم بجمالية الاستحمام".
 
"يعزّ عليّ أنّني أجبرت على الاستحمام خارج منزلي، منزلي الذي أعتبره مملكتي، كحال كل صاحب منزل، السخان لديّ في المنزل يعمل على الكهرباء أو المازوت، الكهرباء حدّث ولا حرج، وأما المازوت فحصتنا السنوية ككل الأسر 50 ليتراً فقط، وهذه الـ50 ليتراً لا تكاد تكفي أسبوعين للمدفأة، فبالتأكيد لن نستخدمها لتسخين مياه الحمام، لذا، كان لا بد من أن أسمع نصيحة هاني صديقي في الذهاب الى حمّام السوق، وحقيقة صار الأمر ممتعاً لي، قياساً بثلاث زيارات، لم أشعر بالانزعاج أي مرة، بالعكس استمتعت"، يقول جورج وهو صاحب محل لبيع الأجهزة الخلوية في دمشق.
 
حمام إكسترا
يؤكد عامل في أحد حمامات السوق في دمشق أنّ الإقبال في هذه الفترة ليس له مثيل قياساً بكل سنوات الحرب، "بعدما كانت زيارات الحمام تهدف فقط للمتعة والاستجمام وجمعة الناس، اليوم صارت زيارة حمامنا مطلباً ملحاً وضرورة لا يمكن الاستغناء عنها لفئة واسعة تبحث فقط عن مياه للاستحمام، بسبب ظروف كثيرة، أنا نفسي أعاني منها في منزلي، وما يحصل الآن أعاد الألق والبهجة لهذه الحمامات، بعدما كانت قد فقدت بريقها المعتاد في سنوات الحرب القاسية".
 
ويوضح العامل أن بدل الاستحمام قد يصل إلى نحو 25 ألف ليرة إذا رغب الزبون بطلب أمور إضافية مثل المساج والبخار و"النرجيلة"، أما دونها فتراوح التسعيرة للاستحمام فقط بين 8 آلاف ليرة و12 ألفاً.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم