إعلان

الجولاني في بدلة رسمية... هل يسعى لتلميع صورته دولياً؟

المصدر: النهار العربي
عبدالله سليمان علي
الجولاني في بدلة رسمية
الجولاني في بدلة رسمية
A+ A-
ارتدى زعيم "هيئة تحرير الشام" أبي محمد الجولاني البدلة الرسمية أخيراً، كما بيّنت صورة جمعته مع الصحافي الأميركي مارتن سميث قبل بضعة أيام. سبق ذلك بأعوام تخلي الجولاني عن الثوب الأفغاني القصير الذي يمثل الزيّ المحبب للجهاديين "داعش" خصوصاً، مستبدلاً إياه بارتداء سترة عسكرية، مشابهة لما كان يرتديه أسامة بن لادن زعيم تنظيم "القاعدة" الأسبق. ثم أصبح الجولاني يميل إلى تغيير أزيائه بين الحين والآخر، بما يناسب ظروفه ويعكس توجهاته إلى أن وقف إلى جانب سميث مرتدياً للمرة الأولى "جاكيت" بطراز غربي حديث.
 
ردود الفعل المستغربة حيناً والساخرة حيناً آخر، التي توالت من جهات وشخصيات مختلفة عقب نشر الصورة، اضطرت المكتب الإعلامي في "هيئة تحرير الشام" لأن يصدر بياناً لتوضيح السبب الذي دفع الجولاني إلى الذهاب في ملابسه نحو خيار "التغريب" مستغنياً عن "القميص" الذي يربطه بالتراث وكان يدّعي أن الله ألبسه إياه.
 
وقال البيان إن "الصورة التي انتشرت لقائد هيئة تحرير الشام أبي محمد الجولاني رفقة الصحافي الأميركي مارتن سميث هي جزء من استضافته في إدلب لمدة ثلاثة أيام"، وشدد على أن "من الواجب علينا كسر العزلة وإبلاغ واقعنا بكل السبل الشرعية المتاحة، وإيصال ذلك إلى شعوب الإقليم والعالم بما يساهم في تحقيق المصلحة ودفع المفسدة لثورتنا المباركة".
 
ولا يفصل سوى أقل من خمسة شهور بين زيارة مارتن سميث إلى إدلب ولقائه بالجولاني والمقابلة الصحافية التي أجرتها معه "مجموعة الأزمات الدولية" في شهر أيلول (سبتمبر) الماضي. وكأنّ الرفض الدولي للجهود التي بذلها الجولاني سابقاً من أجل تلميع صورته والعمل على رفع اسم جماعته من قوائم الإرهاب، دفعه أكثر فأكثر نحو بذل مزيد من الجهود وتقديم تنازلات جديدة، وإن كانت شكلية، من أجل استرضاء أجهزة استخبارات بعض الدول الغربية بالإيحاء لها أنه مستعد لتلبية الشروط التي تضعها عليه بغية إخراجه من ضيق التصنيف إلى رحابة الاعتراف به وبأدواره السياسية المقبلة.
 
ولم يكن من قبيل المصادفة أن تتزامن زيارة سميث التي استمرت لثلاثة أيام مع صدور تقرير لافت عن "مجموعة الأزمات الدولية" تضمن تقديم توصية إلى إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن لإعادة النظر في تصنيف "تحرير الشام". ويدل ذلك على وجود لوبي دولي يعمل ربما على خدمة أجندة الجولاني وإنقاذه من النفق الطويل الذي تفرضه عليه عمليات محاربة الإرهاب لا سيما أن وزارة الخارجية الأميركية لا تزال تنظر إلى الجولاني باعتباره شخصاً "إرهابياً" مهماً زادت "وسامته" أو غيّر من أزيائه، كما غرّد برنامج مكافآت من أجل العدالة تعليقاً على صورة الجولاني مع سميث.
 
وذكرت المجموعة في تقرير صادر الأربعاء في 3 من شباط (فبراير) الجاري، أنه "إذا كانت إدارة بايدن تتطلع إلى تصحيح سياسة واشنطن الخارجية المفرطة في العسكرة، فإن إحدى الفرص لإعادة تحديد استراتيجية الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب تكمن في إدلب". واعتبر التقرير أن التسمية "الإرهابية" التي لُصقت بـ"أقوى جماعة متمردة في إدلب" تقوّض وقفاً حاسماً لإطلاق النار وتغلق المسارات المحتملة لتجنب مواجهة عسكرية، كما تعكس فجوة في السياسة الغربية.
 
وبناء على ذلك، افترض التقرير أن التغييرات التي مرت بها "الهيئة"، كانفصالها عن تنظيم "القاعدة" وسعيها للدخول إلى مجال المشاركة السياسية في مستقبل سوريا، يجب أن تفتح، من الناحية النظرية، الفرص لتجنب تجدد العنف في المنطقة. ووفق التقرير، فإن الاستمرار في وضع "الهيئة" على قوائم الإرهاب تترتب عليه تداعيات سلبية كثيرة، أهمها: التأثير سلباً في الدعم الغربي لتوفير الخدمات الأساسية في إدلب، ما يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية؛ الحيلولة دون إجراء مناقشات مع "هيئة تحرير الشام" نفسها حول سلوكها ومستقبل المنطقة التي تسيطر عليها، حيث تتجنب الدول الغربية والأمم المتحدة الاتصال تماماً، بينما تحصر تركيا نفسها في الحد الأدنى المطلوب لتسهيل وجودها العسكري في إدلب.
 
وما لم يقله التقرير صراحة، ملمحاً إليه في شكل غير مباشر هو تشجيع تركيا على إقامة علاقات دبلوماسية مع "هيئة تحرير الشام"، وذلك في إطار إشارته إلى الحاجة الملحة لوضع أفكار إبداعية حول كيفية الحفاظ على الهدوء "الهش" بموجب اتفاق وقف إطلاق النار الروسي -  التركي، من خلال معالجة مسألة وضع "الهيئة" مباشرة.
 
وأوصى التقرير إدارة بايدن بالعمل مع الحلفاء الأوروبيين وتركيا للضغط على "هيئة تحرير الشام" لاتخاذ مزيد من الإجراءات التي تعالج المخاوف المحلية والدولية الرئيسية، ولتحديد معايير واضحة، إذا تم الوفاء بها، يمكن أن تتمكن "الهيئة" من التخلص من تصنيفها "الإرهابي".
 
ومن شأن ذلك، وفق التقرير، أن يحقق فائدتين للإدارة الأميركية: الأولى هي تقليل مخاطر اندلاع "انفجار عنيف" في شمال غربي سوريا. والثانية، تمكين الإدارة من تحسين علاقاتها مع حليف رئيسي في منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، من خلال التعاون مع أنقرة في هذه القضية ذات الاهتمام المشترك.
 
ورغم أن الولايات المتحدة تصنّف "هيئة تحرير الشام" على قوائم الإرهاب منذ عام 2017، فإن الإدارة الأميركية السابقة لم تتخذ أية خطوات تصعيدية ضد الجماعة، بل اكتفت باستهداف الجماعات المنافسة لها لا سيما جماعة "حراس الدين" المبايعة لتنظيم "القاعدة" العالمي. علماً أن الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما كان قد وقّع في آخر ايام ولايته الثانية أمراً تنفيذياً يقضي بتوسيع استخدام الطائرات المسيّرة في استهداف قادة "جبهة النصرة" غير أن هذا القرار بقي طي الأدراج المغلقة طيلة ولاية ترامب.
 
وفي ضوء خشية الجولاني من أن يسارع بايدن إلى الانقلاب على مواقف إدارة ترامب، وأن يعمل على تفعيل سياسات وقرارات أوباما بما فيها القرار التنفيذي السابق، يكون قراره بارتداء البدلة الرسمية والاستنجاد بالإعلام الغربي عموماً والأميركي خصوصاً لشرح وجهة نظره وتقديم جماعته كجماعة معتدلة بعيدة من الإرهاب، قراراً مفهوماً ومتوقعاً لا سيما أنه الطريق الوحيد الذي بات في إمكانه، سلوكه بعد أن أغلقت في وجهه السبل الأخرى.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم