إعلان

عامودا تنتظر الرّئيس الأميركي... وعينها على سلوك أردوغان

المصدر: عامودا – رستم محمود ​
رستم محمود
ساحة عامودا الرئيسية
ساحة عامودا الرئيسية
A+ A-

 كان سكان بلدة عامودا، في أقصى شمال شرق سوريا، يتداولون صباح الأربعاء رواية القروي الذي أتى البارحة بأغنامه الثلاث إلى سوق الماشية في البلدة، وبعد جولة كاملة على صغار التجار هناك، رفض أن يبيعها بالسعر المعروض عليه، قائلاً: "إنه من الأفضل انتظار نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية حتى صباح الخميس فربما تتغير أسعار الأغنام والماشية في البلدة ومحيطها الريفي بناءً على تلك النتيجة"!!

تتجاوز دلالات هذه الرواية مجرّد كونها طرفة يتداول بها سُكّان البلدة، إذ هي تعبير مباشر عن الرابط والعلاقة السوريالية بين مصائر الناس في منطقة قصيّة وغير مرئّية على الخريطة المحلية، وبالتأكيد الإقليمية والعالمية، ونتائج حدث سياسي يجري في النصف الآخر من الكرة الأرضية.

السكان المحليون في هذه البلدة ومحيطها، يعرفون جيداً أنّ مصير منطقتهم مرتبط باستراتيجيات وخيارات الإدارة الأميركية تجاه منطقة الشرق الأوسط، وبالذات سوريا. فدون غيرها من مناطق البلاد، تُعتبر هذه البقعة محمية أميركية، سياسية وعسكرية، إذ ينتشر فيها قرابة الألف جندي أميركي موزعين على سبع قواعد عسكرية ومناطق تمركز. وهو ما يحمي هذه المنطقة من هجوم عسكري تركي، مثلما جرى طوال السنتين الماضيتين في منطقتي عفرين ورأس العين. كما يحميها من محاولة النِظام السوري إعادة نفوذه وسيطرته المباشرة عليها.

فهذه المنطقة تعيش شبه حُكم ذاتي، وإن لم يكن مُعترفاً به، وتُديره الإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا بيروقراطياً واقتصادياً، وتحميه "قوات سوريا الديموقراطية – قسد" عسكرياً، وهي فصيل عسكري يُقدّر عديده بحوالي ستين ألف مقاتل، وتعتبره الولايات المتحدة حليفاً عسكرياً لمحاربة تنظيم "داعش" الإرهابي.

تختصر "خالة نازو" قراءة المشهد السياسي والانتخابي الأميركي بالنسبة للسكان المحليين في هذه المنطقة، إذ تقول لـ"لنهار العربي": "بالنسبة لنا لا فرق تقريباً بين المرشحين، فأحدهما هو صديق (الرئيس التركي رجب طيب) أردوغان، وتقصد الرئيس دونالد ترامب، والآخر سيعقد صفقة مع الأسد وإيران، وتقصد مرشح الحزب الديموقراطي جو بايدن".

مثل الخالة نازو، فإن غالبية السكان هنا يستشعرون هشاشة أوضاعهم العامة، خصوصاً على المدى البعيد. إذ يُعرفون بأدوات تفكيرهم وتحليلهم البسيطة، المَعيشة واليومية، أنّ منطقتهم تشكّل ساحة لصراع القوى الإقليمية والدولية الكبرى، وأنّها دائماً مُعرّضة لأنّ تكون ضحية التوافقات والحسابات البينة بين هذه القوى. وذلك مثلما حصل أثناء أحداث منطقة عفرين عام 2018، حينما دفعت منطقتهم ثمن التوافق السياسي والعسكري الروسي/التركي. ثمّ أعيد المشهد في أواخر عام 2019 حينما قضت صفقة أميركية/تركية بتسليم المنطقة الممتدة بين بلدتي "تل أبيض" و"رأس العين" الشماليتين إلى تركيا، وتم تهجير قرابة ربع مليون كردي من سكّانها المحليين، واستولت الفصائل المتطرفة المرتبطة بتركيا على أراضيهم وممتلكاتهم.

يقول مجيد حمو، لـ"النهار العربي"، وهو كردي يعمل بائعاً متجولاً للأدوات المنزلية في القرى المحيطة ببلدة عامودا: "لا يحمل هذا الرئيس الأميركي أي وفاء لنا، ونحن الذين بذلنا قرابة 15 ألف ضحية من خيرة شبابنا، في مساعدة بلاده على محاربة تنظيم داعش الإرهابي طوال السنوات الست الماضية، وهو غير مستعد لحمايتنا ولو بجملتين على "تويتر"، وكل أملنا أن لا يكون الرئيس القادم كذلك".  

إلى حد بعيد، يمثّل رأي هذا البائع الكردي رأي المتابعين والناشطين السياسيين والمدنيين من سكان تلك المنطقة، الأكراد منهم بالذات، حيث ظلّت الانتخابات الرئاسية الأميركية جزءاً من مداولاتهم وحياتهم اليومية طوال الشهور الماضية، وكأنّها حدث داخلي ومفصلي. فهؤلاء بغالبيتهم المُطلقة يحملون في ذواتهم نقداً ولوماً على سلوك الإدارة الأميركية الحالية، التي تهدد بالانسحاب من مناطق شمال شرق سوريا، من دون أي مراعاة لمصير السكان المحليين، الذين سيتعرضون حتماً لعملية إبادة عسكرية وسياسية، إما على يد الجيش التركي والفصائل السورية الرديفة له، أو جراء عودة قوات الجيش السوري والفصائل الإيرانية للانتشار في تلك المنطقة.

وفي ساعات بعض ظهر الأربعاء، بقي السكان المحليون يتداولون فرص نجاح كلّ من المرشحَين، فعبارات مثل "لا أمل في فوز بايدن في نورث كارولاينا"، و"ميتشغان هي الفاصلة"، و"لولا خسارة فلوريدا المفاجئة لما كان هذا الانتظار واجباً"، كانت على ألسنة كثيرين من متابعي الانتخابات الأميركية.

لكن المسألة الأكثر تعقيداً بالنسبة للقواعد الاجتماعية كانت شرح بعض المطّلعين لنظام الانتخابات الرئيسية الأميركية.

إلّا أنّ مخاوف السكان هنا تبقى حاضرة في كل الأحوال. فالمتابعون المحليون يخشون من اندفاع عسكري تركي في المرحلة التي تفصل بين ظهور نتائج الانتخابات الأميركية وتسلّم الإدارة الجديدة مهامها، والتي ستطول لشهرين كاملين. فأردوغان قد يرى أنّ الإدارة الأميركية لا تستطيع في هذه الفترة الانتقالية أن تتخذ موقفاً حازماً من أعمال جيشه أو الفصائل السورية المتطرفة المرتبطة به.

كذلك يخشى السكّان المحليون من دخول الولايات المتحدة مرحلة نزاع قضائي طويل حول نتائج الانتخابات، ما سيدفع إلى تراجع الأداء الخارجي لواشنطن، وهو أمر قد تستغله تركيا وتحاول أن تفرض أمراً واقعاً في مناطقهم كما حصل في مناطق أخرى.   
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم