إعلان

خمسة أعوام على التدخل الروسي في سوريا.. عجز عن ترجمة المكاسب سياسيا

المصدر: النهار العربي
علي حمادة
علي حمادة
من القصف الجوي الروسي على الأحياء السكنية في ادلب
من القصف الجوي الروسي على الأحياء السكنية في ادلب
A+ A-
يوم تدخلت روسيا عسكرياً في الحرب السورية، كانت منطقة الساحل، حيث الوجود الكثيف للطائفة العلوية السورية، مهددة بالسقوط في أيدي فصائل المعارضة المتعددة المشارب والتي كانت تقاتل قوات النظام السوري ومعه الميليشيات الإيرانية الطائفية وفي مقدمها "حزب الله". وكانت الفصائل تتقدم نحو عقر دار النظام الذي بدا كأنه يتهاوى في ظل عجز التورط الايراني في الحرب السورية عن منع سقوط المنظومة بأسرها. وكانت موازين القوى تميل لمصلحة الفصائل المعارضة والمتنوعة، وأحياناً المشتتة، والتي كانت، رغم ذلك، تحرز تفوقاً كبيراً في ساحات المعارك في ريفي إدلب وحماة، وعلى تخوم منطقة الساحل شمال مدينة اللاذقية.
 
لم يفلح التورط الإيراني الكثيف في وقف تقدم المعارضة التي كانت تسيطر على معظم أجزاء مدينة حلب وريفها، ومعها معظم الطرق الدولية الرابطة ما بين شمال سوريا ووسطها. كما أن الجنوب السوري كان خرج بشكل عام عن سيطرة النظام وحلفائه الإيرانيين. استنجد الإيرانيون مباشرة بالروس خلال زيارة قام بها قائد "فيلق القدس" آنذاك قاسم سليماني على رأس وفد عسكري إيراني لموسكو طالباً النجدة من أجل إنقاذ الوضع في سوريا والحؤول دون تعاظم خطر سقوط الهيكل على رؤوس الجميع من أقصى الشمال الى اقصى الجنوب.
 
 
اتخذ الروس القرار بالتدخل مباشرة في شهر آب (أغسطس) من عام 2015، وبدأت العلميات العسكرية في بداية شهر تشرين الأول (أكتوبر) من العام نفسه، من خلال السيطرة على الأجواء وإطلاق سلسلة عمليات قصف جوي هائلة بقوة النار التي تضمتنها، وخلال بضعة أسابيع، بدأت موازين القوى تنقلب لمصلحة تحالف النظام – إيران – روسيا.
 
وتواصلت العلميات الروسية المكثفة التي دمرت مدناً وقرى بالعشرات، ولم تميز ما بين الأهداف المدنية وتلك العسكرية، وأسفرت عن مقتل آلاف المقاتلين المعارضين، وفي الوقت نفسه عشرات، لا بل مئات الآلاف، من المدنيين العزل الذين وقعوا بين ناري المعارضة والنظام.
 
كان التدخل العسكري يهدف الى تغيير موازين القوى، بدءاً باستهداف المعارضة السورية قبل أي شيء آخر، وتحييد نتظيم "داعش" الذي استغل التدخل الروسي كي يضرب قوات المعارضة، وفي المقدمة فصائل "الجيش السوري الحر" التي تلقت الضربات من الجانبين في كل بقعة من بقاع المواجهة على الأرض السورية.
 
وكثيراً ما أخذ على التدخل الروسي انه والنظام ومعه الإيرانيون حيدوا "داعش" في عملياتهم العسكرية. لا بل قيل في مكان إن تفاهمات حصلت على أكثر من صعيد، بدءاً بالعمليات العسكرية المنسقة ضد المعارضة التقليدية، وصولاً الى إقامة علاقات تجارية في ميدان تهريب النفط عبر خطوط المواجهة.
 
لقد حيّد الروس "داعش" بشكل مريب لأشهر طويلة، بالتواطؤ مع الإيرانيين ونظام بشار الأسد. ولولا تدخل "التحالف الدولي" الذي قادته الولايات المتحدة في العراق وسوريا لما أمكن إلحاق هزيمة بتنظيم "داعش" على النحو الذي حصل في ما بعد.
 
أدى التدخل الروسي المنفلت من كل اعتبار قانوني أو أخلاقي الى تغيير موازين القوى، وصولاً الى مساعدة النظام في استعادة شكل من أشكال السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي السورية. وفي المقابل تشتت المعارضة، الى حد تحولت في ما بعد "كتائب" متعددة الولاءات والمصالح والارتباطات، حتى وصل الأمر ببعضها الى التحول مرتزقة يتم إيفادهم لخوض حروب خارج الأراضي السورية من ليبيا الى القوقاز ...
 
بالعودة الى التدخل الروسي الذي حقق انتصاراً عسكرياً، يمكن القول إن الانتصار هذا الذي حاولت موسكو أن ترفقه بعملية سياسية، عبر مساري "آستانا" و"سوتشي" للتهرب من مخرجات "جنيف" والقرار 2254 الصادر عن مجلس الأمن سنة 2011، لم يحقق شيئاً يذكر يمكّن الروس من ترجمة الانتصار العسكري الى إقامة واقع سياسي تستند اليه موسكو لقبض ثمن التدخل، ليس بإقامة قواعد عسكرية على غرار قاعدة "حميميم" الجوية، أو قاعدة "طرطوس" البحرية فحسب، وإنما من خلال تحقيق تسوية سياسية سورية تترجم الانتصار العسكري، وإن كان تم أيضاً من خلال تفاهمات أقامتها موسكو مع تركيا في منطقة إدلب، ومع الأميركيين في شرق سوريا، ومع الإسرائيليين في ما يتعلق بالتحليق في الأجواء السورية لضرب التمدد الإيراني نحو الجنوب.
 
 
 
ورغم كل المحاولات على مدى السنوات الماضية، لم تفلح موسكو في إعادة تأهيل نظام بشار الأسد، أو أقله شخص بشار الأسد ليكون جزءاً من مستقبل سوريا السياسي في مرحلة ما بعد الحرب. فقد بقي الأطراف المعنيون بالحل السياسي وإعادة إعمار سوريا، من الولايات المتحدة الى أوروبا والدول العربية المركزية، رافضين حلاً سياسياً لا يشتمل على تغيير جذري في بنية النظام، وفي إشخاصه، وفي المقدمة استبعاد بشار الأسد في مرحلة الحل السياسي.
 
وتم إفهام الروس بأن إعادة الإعمار تمر حكماً بالحل السياسي المنشود بدءاً بتوصل اللجنة الدستوية الى صيغة دستورية متفق عليها تفتح الباب أمام التغيير الكبير - وهذا ما حال دونه بشار الأسد ومن خلفه إيران التي رأت أن الحل السياسي يخرجها حكماً من سوريا وفي لحظة سياسية ما يقطع عليها طريق طهران – بغداد – دمشق – بيروت التي تعتبر هدفاً إيرانياً استراتيجياً لا تتهاون في شأنه.
 
بعد خمسة أعوام على التدخل الروسي، وإعلان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قبل أيام أن "المواجهة المسلحة انتهت، وبقيت بؤرتان، واحدة في إدلب، والأخرى شرق الفرات، ولا حل عسكرياً في هاتين المنطقتين"، يبقى انتصار موسكو منقوصاً ما لم يقترن بحل سياسي يحصن مكاسبها الاستراتيجية. وكلما تأخر الحل السياسي، تراجعت قيمة المكاسب الروسية، وتآكلت لمصلحة القوى الأخرى العاملة على الأرض، بدءاً بالإيرانيين والأتراك والأميركيين، وأخيراً وليس آخراً العاملين في الجو، أي الإسرائيليين الذين يخوضون، بدعم أميركي وتسهيل روسي مواجهة لمحاصرة التمدد الإيراني في سوريا. 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم