إعلان

فلسطين 2021: عام آخر من الفرص الضائعة والانتخابات المؤجلة وتشديد القبضة الأمنية

المصدر: النهار العربي
فلسطين- مرال قطينة
من تشييع الناشط نزار بنات
من تشييع الناشط نزار بنات
A+ A-
لم يكن العام 2021 سهلاً على الفلسطينيين بأي شكل من الأشكال، ولم يقل عن سابقه حزناً وآسي، وكأنه استكمال لما حصده الفلسطينيون في العام السابق.
 
حمل عام 2021 في طياته الكثير من الأزمات والإخفاقات السياسية، كان أبرزها إلغاء الانتخابات بحجة عدم مشاركة القدس فيها ترشحاً وانتخاباً، بعدما رفضت إسرائيل مشاركة المقدسيين في الانتخابات الفلسطينية. لكن سيناريو تأجيل الانتخابات الفلسطينية فضح الخلافات والانقسامات التي كانت تدور في الخفاء داخل أكبر فصيل فلسطيني، حركة "فتح"، ليبدو المشهد أكثر تعقيداً: حرب طاحنة وصراع على البقاء ليس بالضرورة للأفضل لكنه بالتأكيد للأقوى.
 
الانشقاق في حركة "فتح" وإلغاء الانتخابات
أنهك تراجع شعبية "فتح" في الشارع الفلسطيني على مدى السنوات الـ 15 الماضية، والخلافات التي طفت على السطح بعد الانقسام، الحركة داخلياً، وكان لتصدُّر صراع القوى بين قياداتها على المراكز ثمن باهظ بفقدان "فتح" مركزها وصدقيتها بين كثير من الفلسطينيين، كما أن تفرد الرئيس الفلسطيني محمود عباس بالقرارات التي تخص الحركة أثار جواً مشحوناً بين تيارات متناحرة وعزز الصراعات بين قيادات لا تتوقف عن تبادل الاتهامات بالفساد وسوء استخدام المناصب.
 
وبين الانشقاق والفصل والتمرد، تحول أكبر فصيل فلسطيني فصائل مشتتة، فكان لفصل عضو اللجنة التنفيذية الدكتور ناصر القدوة تبعات داخلية قاسية. كذلك، أثار ترشح القيادي "الفتحاوي" وعضو اللجنة المركزية الأسير مروان البرغوثي تداعيات أخرى أشد ضراوة، لكن الصدمة الحقيقية للشارع الفلسطيني كانت إعلان حركتي "فتح" و"حماس" نيتهما تشكيل قائمة موحدة، لتسود موجة إحباط عام بعد إلغاء الانتخابات. ووفق مراقبين، فإن أحد أسباب التأجيل هو تخوف العديد من النافذين في الحياة السياسية الفلسطينية من أن تأتي الانتخابات الفلسطينية بنتائج ترخي قبضتهم عن السلطة. 
 
نزار بنات
لكن مقتل الناشط السياسي المعارض نزار بنات على أيدي الأجهزة الأمنية الفلسطينية، فجر بركان الغضب الشعبي في وجه السلطة، فخرج مئات من الشبان الغاضبين في مدن رام الله والخليل وبيت لحم مطالبين بإسقاط النظام ورحيل محمود عباس. 
 
ولعل الغضب الشعبي العارم هو نتاج سنوات من السياسات غير المحسوبة وغير المدروسة تجاه الفلسطينيين، والتي نتج منها تآكل شرعية الرئيس، مع انتشار  الثراء والرفاهية والامتيازات بين دائرة من ذوي النفوذ والمصالح على حساب الطبقات المتوسطة والفقيرة.
 
فأركان الحكم في الضفة الغربية وحركة "حماس" في قطاع غزة أصبحوا يشكلون عبئاً شديداً على الفلسطينيين عامة، بعدما توالت الفضائح السياسية وتراكمت ملفات الفساد وسوء الإدارة وخيانة الأمانة العامة في أدراج هيئة مكافحة الفساد، لتطغى سياسة تعميق الانقسام والفشل المتلاحق في إدارة القضية الفلسطينية داخلياً وخارجياً.
 
فشل الدبلوماسية الفلسطينية وسياسة التنسيق الأمني
  على الصعيد الخارجي، أظهر عام 2021 فشلاً ذريعاً للدبلوماسية الفلسطينية   خلال السنوات الماضية، بتحويلها الاجماع شبه الكامل بين العرب والمسلمين على مستقبل فلسطين والقدس مجرد مسألة أخرى على أجندة عربية مزدحمة، وعجزها عن التأكيد أن الصراع "الفلسطيني - الإسرائيلي" ليس خلافاً قانونياً.
 
لم يكن القانون الدولي هو الذي أجبر إسرائيل على الانسحاب من شبه جزيرة سيناء أو من جنوب لبنان، لقد كان مزيجاً من سياسة القوة والدبلوماسية. أما بالنسبة الى تكتيك القيادة الفلسطينية وميلها الى تهديد إسرائيل بأفعال ليست لديها نية بمتابعتها مثل "التهديد بوقف التنسيق الأمني، ففقد مصداقيته لدى الجمهور الفلسطيني، كما أن حفاظ القيادة الفلسطينية على التنسيق الأمني مع اسرائيل قلل من قدرتها على الاعتراض على أي سياسة أو قرار إسرائيلي.
 
الفلتان الأمني وزعزعة السلم الأهلي
يضاف الى كل ذلك مراحل متقدمة من الفلتان الأمني والعنف وفوضى السلاح في مدن فلسطينية فقدت الأجهزة الأمنية السيطرة عليها مثل الخليل وجنين، لأسباب أبرزها تلكؤ السلطة في مواجهة السلاح وعسكرة المجتمع وعدم حسمها النهائي لهذا الأمر، إضافة الى عدم قدرتها على فرض سيادة كاملة للقانون، لأن صلاحياتها محدودة وفقاً لاتفاق أوسلو وتقسيم المناطق الى (أ،ب،ج) وضعف منظومة العدالة، وتغول السلطة التنفيذية والركون الى القانون العشائري وغياب منظومة الرقابة، بخاصة المجلس التشريعي وغياب المشروع الوطني الجامع. 
 
الجنازة الخطيرة
وكانت جنازة القيادي البارز في حركة "حماس" في مدينة جنين وصفي كبها، التي شارك فيها آلاف الفلسطينيين وتخللها إطلاق نار في الهواء من مسلحين من مختلف الفصائل الفلسطينية ومن كل المدن الفلسطينية، حدثاً استثنائياً من حيث مشاركة مسلحي حركتي "حماس" و"الجهاد الاسلامي". السلطة وصفتها بالمؤشر الخطير، ونفذت على إثرها حملة أمنية غير مسبوقة من الاعتقالات وامتدت المواجهات من مدينة جنين الى المخيم، فيما وصفت وسائل الإعلام الإسرائيلية جنين بـ"غزة الصغيرة".
 
ولفتت صحيفة "يديعوت أحرنوت" الى أن الرئيس الفلسطيني قرر تغيير قادة الأجهزة الأمنية في محافظة جنين وأوعز بعملية عسكرية فيها بسبب ظهور مسلحين من حركتي "حماس" و"الجهاد الاسلامي" وفقدان السلطة سيطرتها على أجزاء كبيرة من مدينة جنين بسب تزايد المجموعات المسلحة فيها، مشيرة الى ارتباطها الوثيق بحركتي "الجهاد" و"حماس" و"كتائب شهداء الأقصى"، ومعتبرة أن الدخول الى مخيم جنين هو البداية لعملية إعادة السلطة الى جنين ودخول المخيم والبقاء فيه بشكل دائم. ربما ما يميز مخيم جنين من وجهة نظر الفلسطينيين هو الوحدة بين كل الأذرع العسكرية للفصائل الفلسطينية وهو عملياً ما يقلق اسرائيل.
 
إدارة بايدن والسلطة الفلسطينية
كانت ادارة جو بايدن واضحة بأن الصراع "الفلسطيني – الإسرائيلي" لن يندرج في سلم أولوياتها، بعد أن أدرجته الإدارات الأميركية المتعاقبة في طليعة السياسة الأميركية. ومع ذلك، أعادت أحداث القدس -باب العمود والشيخ جراح-   الصراع الى صدارة الاهتمام الاميركي والدولي، وركز بايدن خلال جولة التصعيد على قطاع غزة في أيار (مايو) الماضي على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، لكنه صرح في مناسبات عديدة بأن حل الدولتين هو السبيل الوحيد لحل الصراع، فيما استخدم مبعوثو إدارة بايدن وزير الخارجية أنتوني بلينكن وهادي عمرو ومستشار الأمن القومي جيك سوليفان مصطلحات عن حق الفلسطينين بالأمل والعيش الكريم وأن الولايات المتحدة تعتقد بأن "الفلسطينيين والإسرائيلين يستحقون تدابير متساوية بالأمن والحرية والفرص والكرامة"، من دون الحديث عن القضايا الأساسية.
 
وفيما تصر إدارة بايدن على أنها تسعى الى مشاركة نشطة لدفع التقدم نحو حل الصراع، ما زالت الأمور تراوح مكانها، إذ لم تنجح إدارة بايدن بفتح القنصلية الأميركية للفلسطينيين في القدس الشرقية، كما لم يتم فتح البعثة الدبلوماسية الفلسطينية في واشنطن على الرغم من أنها أعادت المساعدات الى السلطة الفلسطينية بشكل جزئي، وكانت واضحة وصريحة بأن إعادة إعمار قطاع غزة مشروطة بابعاد حركة "حماس" عن القيادة. 
 
لقاءات غانتس - عباس
وسجل حدثان بارزان سياسياً جمعا الرئيس الفلسطيني مع وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس، الأول في منزل أبو مازن في رام الله، والثاني تمثل بزيارة هي الأولى للرئيس الفلسطيني لمنرل مسؤول إسرائيلي منذ عام 2016، إذ التقى الاثنان في منزل وزير الدفاع الاسرائيلي في منطقة روش هاعين - رأس العين وتبادلا الهدايا، وبحثا في مختلف القضايا الأمنية والمدنية. لكن العنوان الأبرز كان أن السلطة الفلسطينية تعاني من أزمة حادة. وكتبت صحيفة "اسرائيل اليوم" أن "عباس الديكتاتور يعمل تحت رعاية إسرائيل وهو يعد أيامه الأخيرة". وأشارت الصحيفة الى أن هذا نابع من رغبة إسرائيلية في منع "حماس" من السيطرة على قلب البلاد، لكن هذا اليوم يقترب أكثر، فمع تفاقم فشل السلطة الفلسطينية ستفقد شرعيتها الداخلية، لدرجة أنها لن تعود مفيدة لكبح جماح حركة "حماس"، وسيكون من الأفضل أن نترك السلطة تسقط".
 
...عموماً، أثببت 2021 أنه لا يمكن حصول بداية فلسطينية جديدة بالوجوه والآليات نفسها التي أدت الى طريق مسدود، بات من الضروري إيجاد نهج جديد ورؤية وتطلعات تتأقلم مع المستقبل، تمنح جميع الفلسطينين الحق بالتمثيل والمشاركة وتتبنى أفكاراً جديدة للحقوق الفردية والجماعية على أساس العدل والمساواة. 

 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم