إعلان

حرب غزة: ترسخ دور مصر المحوري

المصدر: النهار العربي
علي حمادة
علي حمادة
دور مصري
دور مصري
A+ A-
هكذا، و في لحظة مفصلية مؤاتية، عادت مصر الى لعب دور مركزي في الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي ، و استطراداً حجزت لها  من جديد مكاناً اول في  اللعبة الكبرى في المنطقة . فقد مكنت حرب إسرائيل   وحركة "حماس"، أو ما سمي إسرائيلياً بعملية "حارس الأسوار" و "حمساوياً بعملية "سيف القدس "، مصر من حجز موقع متقدم  لها ، و ذلك بعد مرور اكثر من سبع سنوات على آخر حرب إسرائيلية على غزة، وتعطّل عملية السلام، ثم ذهاب المنطقة خلال ولاية الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب في اتجاه آخر مغاير لكل الاتجاهات التي حصلت قبل، بدفن عملية السلام، و الاستيعاض عنها بـ"صفقة القرن"، والاتفاقات الابراهيمية التي، وإن شكلت نقلة نوعية في  تاريخ المنطقة ، لكن من دون الاهتمام اميركياً بالصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، الذي بقي عنواناً لاختراق استقرار المنطقة من قبل قوى أخرى مثل ايران.  
 
فقد شكلت حرب غزة الأخيرة معطوف عليها الهبة الفلسطينية في القدس، و الضفة الغربية، و أراضي ١٩٤٨، مناسبة لكي يكتشف الإسرائيليون ان ثمة عناوين لا يمكن تجاوزها بالسهولة التي يفترضها القادة اليمينيون، و في مقدمهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي حاول ان يختصر الصراع بعلمية عقارية بحتة، في حين ان القضية اكبر، و انها ما لم تعالج من جذورها، فإنها ستبقى تعود مرة بعد مرة لتهدد استقرار المنطقة، و تطلعها نحو المستقبل. كما انها ستبقى باباً يتسلل اليه العنصر الإيراني المزعزع لاستقرار الكيانات في المنطقة، من خلال مصادرته قضية، يجب أن يعمل العرب، بجدية على استعادتها، و انتزاعها عنوة من الاجندة الإيرانية، من خلال الدفع الجدي نحو حل صراع دام اكثر من سبعة عقود، و لم يعد من الممكن القبول لا عربياً، و لا حتى دولياً بان يصبح اليمين الإسرائيلي المتطرف صاحب الكلمة الفصل و النهائية فيه. 
 
بالعودة الى مصر فقد تمكنت من خلال الدور المحوري الذي قامت به خلال حرب غزة الأخيرة، من الحؤول تطور الحرب "المحدودة" الى حرب شاملة، يغرق فيها الجميع . ففي مكان ما  وبعيداً عن الحرب الدعائية، انقذ المصريون غزة، و الفصائل الفلسطينية التي كانت واقعة تحت ضغط عسكري كبير، وأوقفوا الحرب قبل ان تزداد دموية، و في المقابل انقذوا الإسرائيليين من التورط في حرب كانت ستكون اكثر قذارة على مستوى الدموية، من دون ان تحقق لهم إنجازاً عسكرياً حاسماً ينعكس سياسياً بما يمكنهم من فرض تهدئة طويلة الأمد. و في مكان ثالث فتح المصريون من خلال دورهم الذكي في الحرب، باباً لعودة إدارة الرئيس جو بايدن الى التعاطي مع ملفات الشرق الأوسط الشائكة، و ذلك بعدما كانت هذه الإدارة حرفت انتباهها نحو الشرق  الصين)، واضعة الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي في مرتبة متدنية  من اهتماماتها. و قد أجبرت حرب غزة الأخيرة الاميركيين على العودة الى الساح ، و ذلك بالرغم من أنهم كانوا تحاشوا في الأشهر الثلاثة الأولى بعد تسلم بايدن سلطاته الرئاسية، الدخول في التفاصيل، حيث لم يحسموا في قرارات  مهمة تقليدياً  مثل تعيين مبعوث أميركي الى الشرق الأوسط، او تعيين سفير جديد في إسرائيل، أو البت في وعد انتخابي لبايدن يقضي بإعادة فتح القنصلية الأميركية في القدس الشرقية، كمحطة للتواصل المباشر مع الفلسطينيين. و لكن ما حصل خلال أحد عشر يوماً من الحرب بين الفصائل الفلسطينية و إسرائيل، و الحقائق التي ارستها المواجهة، دفعت الاميركيين الذين كانوا ابدوا في مطلع ولاية بايدن "برودة " تجاه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الى الانخراط مجدداً بالتنسيق مع الرئيس السيسي نفسه، و فريقه، و ذلك بعدما أمطره الاميركيون بوبل من عبارات الشكر، و التقدير على دور مصر الذي أوقف حرباً كان يمكن ان تقود الى نتائج اكثر خطورة. و لا سيما ان الأصابع  الإيرانية في عملية "سيف القدس " التي اطلقتها حركة "حماس " و "الجهاد الإسلامي " كانت جلية الى حد بعيد، بحيث ان قادة الفصيلين المذكورين لم يحاولوا إخفاء تلقيهم المال، و السلاح، و التدريب على التقنيات الصاروخية، و قد اعلن  ذلك قادة الفصائل اكثر من مرة  خلال خلال الحرب و بعدها . مثل قول رئيس حركة "حماس" في غزة يحيى السنوار قبل ثلاثة أيام ان "الحركة لديها ميزانية، و موارد مالية كافية معظمها من ايرا ". أو ان يعتبر الاعلام الإيراني المقرب من المرشد علي خامنئي مرات عدة  ان ما حصل في غزة انتصار إيراني، و يعود الى الدعم المالي، و العتاد العسكري، و الخبرات، والتدريب من ايران. 
 
بناء على ما تقدم، و مع وصول الطرفين، فصائل غزة، و الإسرائيليين الى نقطة حرج ، كان لابد  للدور المصري ان يتقاطع عنده الجميع، نظرا لتأثير مصر الكبير على الواقع في غزة، و علاقاتها مع إسرائيل،   والاميركيين، ودول المحور العربي المعادي لإيران ، إضافة الى حاجة جميع الأطراف الى "وسيط" يمكنه ان يضغط في اكثر من اتجاه، و لا سيما بعدما انتهت الحرب، و بات المطروح على الطاولة تهدئة طويلة بين الطرفين بمراقبة دولية، و إعادة اعمار غزة، و تبادل الاسرى، إضافة الى أفكار جديدة لاعادة اطلاق عملية سلام . كل ذلك في وقت يعمل المصريون على إعادة  وضع السلطة الوطنية الفلسطينية في قلب الحدث، على قاعدة انها تمتلك الشرعية التي تفتقدها فصائل غزة، مهما تعاظمت ترسانتها الصاروخية. و قد شكلت زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي غابي اشكينازي يوم امس الاحد الى القاهرة مناسبة أخرى  لتبين محورية الدور المصري في صراع بأهمية الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي. هنا دليل آخر على ان حقائق الجيوسياسة نادراً ما يمكن تجاوزها بسهولة . ومصر حقيقة جيوسياسية راسخة.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم