إعلان

باب العامود خط أحمر

المصدر: النهار العربي
فلسطين- مرال قطينة
باب العامود في القدس
باب العامود في القدس
A+ A-
للبلدة القديمة في القدس أهمية تاريخية ورمزية دينية وأبعاد سياسية، صقلتها الحروب والمعارك التي شهدتها في وجه الغزاة عبر التاريخ لتشكل هويتها الحالية. فعدا عن كونها مركزاً للمدينة المقدسة وقلبها النابض بالحياة لا تزال القدس القديمة قبلة للعالم حتى لو لم يعترف بذلك. أهميتها الدينية كبيرة لكل الديانات السماوية، ففيها الحرم القدسي الشريف أحد أهم المعالم الاسلامية في العالم الذي يشمل المسجد الأقصى وقبة الصخرة، وفيها أيضاً كنيسة القيامة أقدس الكنائس وأكثرها أهمية في العالم، دخل اليها السيد المسيح وعاش وتألم ومات وقام في اليوم الثالث من بين الأموات وصعد الى السماء، ومنها عرج النبي محمد (ص) الى السماء في رحلة الإسراء والمعراج.
 
ما يميز القدس القديمة حتى اليوم سورها العظيم الذي تم بناؤه في عهد السلطان العثماني سليمان القانوني خلال الأعوام الممتدة بين 1535- 1542، وجعل له 11 باباً لا تزال 7 منها مفتوحة "باب العامود، باب الساهرة، باب الأسباط، باب المغاربة، باب النبي داود، باب الخليل او بوابة يافا، باب الجديد الذي أنشئ عام 1898 عند زيارة الإمبراطور الألماني غليوم الثاني للمدينة"، و4 مغلقة "باب الرحمة او الباب الذهبي، والباب الواحد، والباب الثلاثي او المثلث، والباب المزدوج".
 
تحمل أبواب المدينة أسماءَ عدة، أهمها على الإطلاق وأكبرها باب العامود، ويعرف الباب أيضاً ببوابة نابلس وباب النصر وبوابة دمشق لأنه كان مخرج القوافل اليها. يعود تاريخ بناء باب العامود الى القرن الـ12 الميلادي في عهد الإمبراطور الروماني هادريان، أما تسمية باب العامود، فتعود لوجود عامود يحمل تمثال الإمبراطور داخل الباب الذي بقي حتى الفتح الإسلامي للمدينة، ويظهر في خريطة الفسيفساء التي عثر عليها في كنيسة بيزنطية في مدينة مادبا في الأردن، ولذلك أطلق على الباب "باب العامود" ولا يزال الفلسطينيون يستخدمون هذه التسمية في دلالة على توارث الأجيال لتاريخ المدينة.
 
يقع الباب في الجزء الشمالي للبلدة القديمة ويعتبر البوابة الرئيسية لدخولها ومن أفخمها وأكثرها زخرفة وارتفاعاً إذ يبلغ ارتفاعه 8 أمتار، ويعود شكله الحالي للحقبة العثمانية. قيل قديماً "إن الغزاة يدخلون الى القدس من باب الخليل، أما المحررون فيدخلون اليها من باب العامود".
 
عام 1964 تحديداً يوم الرابع من كانون الثاني (يناير)، زارت السيدة فيروز مدينة القدس للمرة الثانية للمشاركة في جوقة التراتيل لمناسبة زيارة البابا بولس السادس في أول زيارة يقوم بها الى الأراضي المقدسة، التي كانت تحت إشراف الإدارة الأردنية آنذاك. أذكر أن والدي الراحل قال لي انه كان يومها ضمن فرق الطوارئ التي تشرف على الحدث، ووصف لي المشهد مرات عدة حين دخلت السيدة فيروز للبلدة القديمة عبر "باب العامود" ترنّم التراتيل بصوتها الملائكي على أنه مشهد سوريالي في لوحة تعبر عن جمال القدس وروحانيتها. كان البرد شديدأ وتساقط المطر وحبات البرد بغزارة في ذلك اليوم، وعلى الرغم من ذلك تجمعت حشود كبيرة من أهالي المدينة لاستقبال الموكب الذي لا يتكرر كل يوم حيث أضاف حضور السيدة فيروز رونقاً خاصاً وجمالاً مختلفاً.
 
قبل سنوات كان باب العامود أهم مساحات المدينة ونقطة التقاء اجتماعية وثقافية وسياسية للسكان والزوار على حد سواء، ففيه كان أهالي المدينة يلتقون صباحاً لشراء حاجياتهم من بائعات الخضروات اللواتي كنّ يفترشن الأرض بمحاصيلهن الزراعية التي تأتي من قرى شمال غربي القدس وبيت لحم وأريحا والخليل، وفيه اتخذ أقدم باعة الصحف في المدينة زاوية لبيع الصحف الفلسطينية المسموح منها والممنوع، وعلى الأطراف كانت عربات بيع "كعك القدس" تتجول بحرية لتمتع الأهالي والزوار بنكهة مختلفة تحمل رائحة المكان وعبق تاريخه، كما كان باعة القهوة والعرقسوس والتمرهندي ينتشرون في المكان طيلة العام. ولطالما كان الباب وما زال نقطة انطلاق لكل الاحتجاحات والتظاهرات ضد الاستعمار البريطاني عام 1920، والاضراب الكبير عام 1936، وبعد الاحتلال الإسرائيلي خلال الانتفاضتين وبعد إعلان ترامب القدس "عاصمة لإسرائيل" في 6 كانون الأول (ديسمبر) عام 2017، شهد احتجاجات وتظاهرات ضد القرار.
 
لكن بعد التضييق وسلسلة التغييرات في لوائح الأنظمة والقوانين طوال الأعوام الماضية التي قامت بها سلطات الاحتلال من طريق "بلدية القدس" التابعة لها في شكل مكثف، اختلفت الصورة سريعاً واصبح المكان أكثر فراغاً، فبعد أحداث عام 2015 أقامت الشرطة الإسرائيلية نقاط مراقبة وتفتيش على المداخل الخارجية والداخلية للباب ما جعله دائماً منطقة توتر وحيزاً آخر للصراع بين الفلسطينيين وسلطات الاحتلال، فالمقدسيون بالرغم من كل المحاولات الإسرائيلية للسيطرة والتهويد يعشقون الباب ويلتقون فيه ويجلسون على مدرجه على مدار العام، وخلال شهر رمضان يمارسون طقوسهم باحتساء القهوة بعد الأفطار.
 
لطالما كان باب العامود ساحة لمعركة فرض السيطرة على المكان التي اتبعتها الحركة الصهيونية منذ عهد "تنظيم الأرغون" بزعامة مناحيم بيغين وصولاً إلى الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، ولعل أبرز القصص الموثقة ما ذكره المؤرخ المقدسي عارف العارف في كتابه "النكبة الفلسطينية والفردوس المفقود" عن "قنبلة باب العامود" حيث فجر أعضاء التنظيم عام 1947، برميلاً من المتفجرات استشهد على اثره 14 فلسطينياً وأصيب قرابة 30 آخرين. واستكملت بلدية القدس عملية السيطرة في السنوات الأخيرة بتنظيمها احتفالات من أبرزها "يوم القدس" احتفالاً باحتلال شطري المدينة حيث يجوب المستوطنون شوارع المدينة، يرقصون ويغنون حاملين الأعلام الإسرائيلية بطريقة استفزازية، في طريقهم إلى حائط البراق، عادة ما تنتهي بمواجهات باب العامود بعد التعرض للتجار والهجوم على الفلسطينيين داخل أسواق البلدة القديمة، ومنذ ما يقارب 9 اعوام تقوم بلدية القدس بتنظيم "مهرجان الأنوار" الذي يقوم على فكرة إضاءة سور البلدة القديمة والأبواب على شكل رسوم دينية وقصص تلمودية بخلفية موسيقية تشرح الرواية الصهيونية.
 
تأتي قرارات الشرطة الإسرائيلية هذه السنة بإغلاق ساحة باب العامود أمام الفلسطينيين في شهر رمضان ومنعهم من الجلوس على المدرج للقاء الأقارب والأصدقاء للترفيه عن انفسهم بعد صلاة التراويح، كخطوة استفززية جديدة أثارت حفيظة الفلسطينيين ودفعتهم للتظاهر يومياً للتنديد بهذا القرار، ما زاد من التوتر في المدينة الى أن انفجرت الأوضاع في الأيام الأخيرة بعد التظاهرة التي نظمتها حركة "لهافا" المتطرفة، لتتحول الاحتجاجات الى مواجهات شبه يومية اتسع نطاقها لتشمل أنحاء مختلفة من الضفة الغربية وقطاع غزة، فباب العامود ليس بالمكان العادي هو أشبه بوسط البلد في المدن الأخرى أما بالنسبة للفلسطينيين فهو أكثر من مكان هو انتماء وما تبقى من الأملاك ورمز للوجود وجزء من هوية القدس العربية الفلسطينيية، وخط أحمر لا يمكن المساس به.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم