إعلان

هكذا سرق جدار الفصل العنصري ما تبقى من أراضي الفلسطينيين

المصدر: النهار العربي
فلسطين- مرال قطينة
الجدار
الجدار
A+ A-
في صباح 11 أيار (مايو) الماضي، كان أحمد نضال برغوث يتابع عمله فني كهرباء في إحدى ورش البناء في مدينة القدس، تلقى اتصالات عديدة من أصدقائه تفيد بأن جرافات عسكرية ترافقها آليات تابعة للجيش الإسرائيلي تقترب من منزل عائلته في قرية الولجة ـ الجديدة إلى الشمال الغربي من مدينة بيت لحم، وأن المنزل قد يكون هدف هذه الآليات، بعد دقائق تلقى اتصالاً آخر من زوجته ميرا تخبره بضرورة العودة إلى المنزل، فقد وصل الجيش الإسرائيلي إلى محيطه وأغلق المنطقة ومنعهم من الاقتراب من المنزل الذي سيقومون بهدمه خلال 45 دقيقة، وهي المدة التي احتاجها أحمد للوصول إلى بيته من القدس التي تبعد نحو 5.8 كيلومترات، كانت الجرافات الإسرائيلية قد هدمت المنزل بالكامل وحوّلته إلى حطام، وصل أحمد إلى ما تبقى من ركام منزله، وهو العريس الجديد الذي تزوج قبل أشهر، وكان يوفر ما تسنى من دخله ليقوم بتجهيز منزل أحلامه مع عروسه.
 
قد لا تختلف قصة أحمد إلى حد كبير عن قصص غيره من الفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة الغربية داخل المنطقة (جيم أو سي)، وهي المنطقة التي تقع تحت السيطرة الإدارية والأمنية لإسرائيل، وتشكل ما نسبته 60 في المئة من مساحة الضفة الغربية. لكن أجيال العائلة بلا شك شاهدة على حكاية شعب يعاني منذ 74 عاماً من الاحتلال، فهي إحدى العائلات الـ350 التي تم تهجيرها من قرية الولجة في 21 تشرين الأول (أكتوبر) عام 1948، لتنتقل مع باقي العائلات التي تم طردها بعد تدمير القرية من قبل لواء "عتسوني" للإقامة في مدينة بيت جالا. أما العائلات الأخرى فقد انتقلت إما إلى مخيم الدهيشة قرب بيت لحم أو إلى مخيم شعفاط أو إلى الأردن، لكن عائلة أحمد عادت بعد عام 1967 لتقيم على ما تبقى من أراضيها ولتقيم مع عائلات أخرى ما يُعرف اليوم بقرية الولجة - الجديدة.
 
 
تعتبر قرية الولجة من قرى محافظة القدس، وكانت تقع على مساحة تقارب 18 ألف دونم، 80 دونماً منها كانت مزروعة بالزيتون. في محيط القرية أيضاً الكثير من عيون الماء التي تنبع من الجبال، كما تمتاز بأرضها الجبلية، وتُعرف بمرور خط سكة الحديد القديمة زمن العثمانيين. يتذكر أحمد صالح برغوث (أبو نضال) جد أحمد، سنوات التهجير والفقر التي عاشها خلال طفولته بعد تدمير القرية، ويذكر كيف كانت الحياة صعبة لـ9 أفراد بعد التهجير، إلى أن عادوا إلى ما تبقى من أراضيهم، ما يقارب 6000 دونم من أراضي القرية التي بقيت على الجهة الأخرى من الخط الأخضر.
 
بعد احتلال الضفة الغربية قبل 55 عاماً، ضمّت إسرائيل نحو ثلث مساحة القرية الجديدة إلى مسطح مدينة القدس، كما صادرت ما يقارب 6000 دونم من أراضي القرية المهجرة، من أجل إقامة حي "جيلو" الاستيطاني، ووضعت يدها على قسم آخر بموجب أمر عسكري، كما رفضت بلدية القدس تقديم أي خدمات بلدية للسكان، ما اضطرهم إلى أن يبنوا منازلهم من دون تراخيص، وهذا ما فعلوه على مر السنوات الماضية. ووفقاً لمنظمة "بتسيلم" الإسرائيلية، "هناك 38 أمر هدم من أصل 60 منزلاً أصدرها قسم الإجراء الخاص بالأراضي التابع لوزارة القضاء الإسرائيلية، وفي حال تنفيذ أوامر الهدم سيفقد 380 شخصاً منازلهم"، وبحسب المنظمة الإسرائيلية "تستند هذه الأوامر إلى قانون "كمينتس" الذي بموجبه تُفرض غرامات باهظة على من يبني من دون ترخيص، أو من لا يقوم بهدم منزله بنفسه".
 
جدار الفصل العنصري
خلال السنوات الماضية، رفضت السلطات الإسرائيلية إعداد خرائط هيكلية للقرية، ما دفع السكان إلى إعداد هذه الخرائط بأنفسهم، لكنها رفضت بحجة أن "أراضي القرية ذات قيمة من ناحية المناظر الطبيعية ولها قيمة بيئية عالية، لوجودها ضمن تواصل أراضي خلاء، ولتضمنها قيماً عالية زراعية وأثرية متفردة"، وعليه فإن الخرائط المقدمة تمس بجميع هذه القيم.
 
لكن السلطات الإسرائيلية لم تكترث لهذه الأمور عندما شرعت في بناء جدار الفصل العنصري في عهد حكومة أرييل شارون في حزيران (يونيو) عام 2002، حيث يمر على 85 في المئة من أراضي الضفة الغربية، ويبلغ طوله نحو 703 كيلومترات، ويصل ارتفاعه في بعض المناطق إلى 9 أمتار، وفي مناطق أخرى إلى 4.5 أمتار، ويعاني الفلسطينيون القاطنون بمحاذاته من الإساءة الواضحة لأبسط حقوقهم، إضافة إلى القيود المفروضة على التنقل والحركة أو الوصول إلى أراضيهم الزراعية، وفي معظم الأحيان أدت إلى مصادرة أجزاء كبيرة منها.
 
يقول أبو نضال البالغ من العمر 75 عاماً، إنه عندما بدأت إسرائيل بناء الجدار المحاذي لأرضه فقدت العائلة ما يقارب الـ40 دونماً، جزء منها ذهب إلى مسار الجدار (نحو 7 دونمات)، أما الجزء الآخر فقد أصبح في الجهة الثانية للجدار، بما فيها 130 شجرة زيتون وأشجار أخرى مثل المشمش العجمي والتين والدراق والبرقوق، إضافة إلى مقبرة صغيرة تضم قبوراً للعائلة تعود لوالده ووالدته وعمه، وقد حصل على قرار من محمكة العدل العليا الإسرائيلية بحق الوصول إلى الجهة الأخرى من الجدار، حيث قبور العائلة، لزيارتها متى شاء، على أن يقوم الجيش الإسرائيلي بإنشاء نفق بين جهتى الجدار، ويتم إغلاق الباب بالمفتاح في غير أوقات الزيارة وتبقى النسخة مع أبو نضال، لكن في عام 2011 وبعد أربعة أشهر من صدور القرار، حضر الجنود إلى المنزل وأخذوا المفتاح بحجة أنهم سيقومون بفتح بوابة إلكترونية مع كاميرات، ولا يزال أبو نضال بانتظار ذلك اليوم، فالجيش لم يكترث لقرار المحكمة. لقد داسو عليه ولم يحترموا قرار محكمتهم.
 
لم يبق لأبو نضال إلا ما يقارب الثلاثة دونمات من أرضه، يزرعها بكل أنواع الأشجار المثمرة من مشمش وزيتون وتين وعنب والفستق الحلبي والقيقب، ويستغل كل شبر منها. ويلفت أبو نضال إلى أن بناء جدار الفصل العنصري ليس مخططاً جديداً، وأن حجة الإسرائيليين لبنائه "حماية المواطنين الإسرائيليين من الهجمات الانتحارية" غير صحيحة، فهم "يريدون أن يسلبونا ما تبقى لنا من أراض، إنها سياسية محكمة للضغط علينا ودفعنا إلى الرحيل من أرضنا".
بعدما أخذنا في جولة برفقة حفيده حول المنزل وداخل أرضه، وصلنا إلى ركام البيت المهدم، نظر أبو نضال وقال: "أردت أن أوفر لأحفادي بيتاً ليتزوجوا وينشئوا أسرة، العائلة كبرت ولم يعد المنزل يتسع لمزيد من الأشخاص، لكنهم حتى بعدما ربحنا الجولة الأولى لمنع هدم المنزل في المحاكم الإسرائيلية، واضطر حفيدي أحمد لدفع مبلغ 15 ألف شاقل (نحو 4300 دولار أميركي)، أصروا على الدخول في جولة اخرى في المحاكم الإسرائيلية لهدم المنزل، لأنه محاذ لجدار الفصل العنصري. 
 
أقيم جدار الفصل العنصري ومعظمه من الباطون على نحو 500 دونم من أراضي الولجة، وعزلها عن كروم الزيتون واللوز، ولا يسمح للأهالي اليوم بدخولها سوى بتنسيق مسبق، فقط خلال موسم قطاف الزيتون، ومن آثار بناء الجدار القضاء على إمكان تربية المواشي، إذ تقلصت جراءه المراعي ومُنع الوصول إلى عيون الماء، كما مكّن الجدار سلطة حماية الطبيعة من سرقة المزيد من الأراضي ومصادرة 1000 دونم أخرى من قرية الولجة لإقامة حديقة "عيمق رفائيم". 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم