إعلان

القضيّة الفلسطينيّة... هل حان وقت التّغيير السّياسيّ الدّاخليّ؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
أطفال فلسطينيون يلوّحون بالعلم الفلسطينيّ - "أ ب"
أطفال فلسطينيون يلوّحون بالعلم الفلسطينيّ - "أ ب"
A+ A-

باتت حظوظ التوصّل إلى وقف لإطلاق النار في غزّة أكبر خلال الساعات الأخيرة، إذ توقّع المسؤول في حركة "حماس" موسى أبو مرزوق التوصّل إلى وقف لإطلاق النار خلال يوم أو يومين. وحثّ الرئيس الأميركيّ جو بايدن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأربعاء، على التوصّل إلى "تهدئة"، تمهيداً لوقف إطلاق النار. ونقلت "رويترز" عن مصدر أمني مصري قوله إنّ "حماس" والإسرائيليين وافقوا من حيث المبدأ على وقف إطلاق النار وتبقى بعض التفاصيل للاتفاق عليها.

 

ونقلت صحيفة "نيويورك تايمس" عن مصدرين مطّلعين على اتّصال جرى بين بايدن ونتنياهو، يوم الاثنين، قال فيه الأوّل إنّه لا يستطيع تأمين الغطاء السياسيّ لإسرائيل لفترة طويلة بسبب الضغط الكبير الذي يواجهه من الحزب الديموقراطيّ. وشهدت العلاقات بين فرنسا والولايات المتحدة توتراً أمس في مجلس الأمن بسبب ما وصفته باريس بأنّه تباطؤ أميركيّ في الموافقة على مشروع قرار تقدّمت به فرنسا، ومشاريع أخرى ترمي إلى وقف إطلاق النار وإيصال المساعدات الإنسانية، خصوصاً إلى قطاع غزة.

 

مع إيحاء المؤشّرات باقتراب انتهاء الجولة الحالية من العنف، على الرغم من استمرارها لغاية اللحظة، قد يكون سؤال "ماذا بعد" الأفضل تلخيصاً لتطلّعات الفلسطينيين المستقبلية. يأتي هذا السؤال في وقت لا يبدو أنّ الأجواء الدولية مناسبة لدفع عملية السلام قدماً، لكن أيضاً في ظلّ انقسامات وأخطاء طويلة المدى ارتُكبت في السياسات الداخليّة، لا تقلّ مفاعليها شأناً عن تداعيات العراقيل الدوليّة. وإذا كانت موازين القوى الدولية لا تسمح بحلّ القضيّة في القريب العاجل، وربّما المتوسّط أيضاً، فإنّ المشكلات الداخليّة تعدّ عاملاً أكثر قدرة للسلطة الفلسطينية و"حماس" على التحكّم به.

 

قبل اندلاع الأزمة الحاليّة، قدّم أحمد سامح خالدي وحسين آغا من كلية سانت أنتوني التابعة لجامعة أكسفورد تصوّرهما لحلّ القضيّة الفلسطينية، عبر مقالة نشرتها مجلّة "فورين أفيرز" الأميركيّة. بصفتهما مشاركين في المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية على مدى عقود، طالب الأكاديميّان المسؤولين الفلسطينيّين باعتماد نظرة جديدة تحاكي التطورات وتتخلى عن الأفكار القديمة التي أثبتت عبثيّتها في الماضي.

 

"استعصاء على الإصلاح"

يبدأ خالدي وآغا من حيث نجحت منظمة التحرير الفلسطينية بعد تأسيسها في 1964: جمع الفلسطينيّين وتأكيد وجود هويّة سياسيّة فلسطينيّة مستقلة وإيجاد مكان لها على الأجندة الدولية، كما إعادة الفلسطينيين الى نوع من الحكم الذاتي. لكنّها فشلت في إنهاء النزاع وتأسيس دولة مستقلة. لهذا السبب بات المطلوب "بداية جديدة".

 

يشير الكاتبان الى أنّه لم يعد بمقدور السلطة الفلسطينيّة أن تنتقد الدول العربية التي اختارت السلام مع إسرائيل. فمنظّمة التحرير الفلسطينية أطلقت هذا المسار سنة 1988 ونسّقت أمنيّاً مع تل أبيب، حتى من دون تكبّد عناء شرح هذا التنسيق للفلسطينيّين، علماً أنّها لم تنل الكثير مقابله. من جهة أخرى، لم يعد نظام توزيع التمثيل وفقاً للحصص داخل المنظمة مناسباً للعصر، وكذلك الأمر بالنسبة إلى لغتها وتصرفاتها وتوجهاتها بحيث أصبحت من حيث التركيب والوظيفة "عصيّة على الإصلاح".

 

لذلك، على أيّ هيئة جديدة تخلف المنظّمة التمتّع بأدوات تمثيل جديدة، بما فيها لفلسطينيّي الشتات وإطلاق رؤية واسعة لا تنحصر برؤية رام الله للحوادث. وضمن سلسلة الأخطاء التي يسردها الكاتبان، الرهان تكراراً على الولايات المتحدة (ثم انتقادها عند التدخّل) والاتحاد الأوروبّيّ، كما عدم إيلاء السلطة الفلسطينية الأهمية اللازمة للحقوق الفرديّة للفلسطينيين مثل حرّية العمل والتنقّل وتأمين فرص الازدهار. لكنّ ذلك لا يعني أنّ حركة "حماس" تقدّم نموذجاً أفضل. على العكس من ذلك، قدّمت الحركة حكماً "أقلّ جاذبية" للفلسطينيّين، حيث جلبت المعاناة والفقر وانخفاض مستوى المعيشة لسكّان قطاع غزّة، وفقاً لآغا وخالدي.  

 

خسارة جولات التّفاوض

على صعيد المفاوضات، تابع الكاتبان، اعتنق القادة الفلسطينيّون مطالب لم يحيدوا عنها بالرغم من تغيّر الظروف، كما أنّ ما قالوه سرّاً كانوا يقولونه علناً، بعكس الإسرائيليّين الذين كانوا يخفون نياتهم ويقرنونها بالظروف المستجدّة. ترك ذلك الفلسطينيّين يصابون بالخسارة تلو الأخرى: رفضوا خطّة التقسيم الأمميّة سنة 1947 ثمّ قبلوا بها سنة 1988 بشروط أصعب. ورفضوا مقترح الرئيس المصريّ أنور السادات حول الاستقلال الذاتيّ، ثمّ قبلوا به ضمن اتّفاق أوسلو بشروط أصعب أيضاً. ما فعلته منظّمة التحرير والسلطة الفلسطينية لاحقاً هو أنّها بدّدت أصولاً موجودة لمصلحة فرص مستقبلية غير مضمونة، بحسب الأكاديميّين.

 

علاوة على كلّ ذلك، ساهمت السلطة و"حماس" بتعميق الشرخ الفلسطينيّ، بحيث أصبح الخلاف بين الطرفين متأزّماً على المستوى نفسه من التأزّم بين الفلسطينيين والإسرائيليين. لم يقدّم الطرفان جواباً حول كيفيّة إنهاء الشرخ، بل إنّهما غير مستعدّين للتخلّي عن سلطتيهما.

 

حيويّة لا تواكبها القيادة

في الإضراب الشامل الثلثاء، الذي حمل عنوان "من البحر إلى النهر"، بيّن الفلسطينيّون أنّهم يتمتّعون بديناميّة جديدة أسقطت حتى "الخط الأخضر" الفاصل بين الفلسطينيّين المتمتّعين بالجنسيّة الإسرائيليّة وفلسطينيّي 67. واعترفت صحيفة "هآرتس" بأنّ هؤلاء الفلسطينيّين وجدواً قاسماً مشتركاً للتوحّد في وجه "التنمّر والقمع". في مقابل هذه الحيويّة، ثمّة سلطتان لم تعد تلبّيان تطلّعات الفلسطينيّين كما في السابق.

 

قبل النزاع الأخير، عمد رئيس السلطة الفلسطينية محمود عبّاس إلى تأجيل الانتخابات العامّة، مبرّراً قراره بعدم ضمان إجرائها في القدس الشرقيّة. لكنّ السبب المرجّح هو عدم ضمان فوز حركة "فتح" بقيادة عبّاس بالانتخابات، بسبب الانقسامات الداخليّة. لم يكن هذا القرار إشارة جيّدة إلى الأوروبيّين الذين يشكّلون أكبر داعم ماليّ للفلسطينيّ. كذلك، أشارت لجنة الانتخابات المركزيّة الفلسطينيّة إلى وجود حلول فنّيّة إذا منعت إسرائيل الانتخابات في القدس. وأمكن أن تقول "حماس" إنّها تمثّل 76% من الفلسطينيّين الذين يؤيّدون إجراء الانتخابات، علماً أنّ الحركة لا تتمتّع بنصف هذا التأييد الشعبيّ حتى في غزّة بحسب بعض استطلاعات الرأي.

 

وثمّة أقلام فلسطينيّة أخرى كتبت عن تحوّل حركتي "فتح" و"حماس" إلى نخبتين تخدمان نفسيهما بشكل منعزل عمّن يفترض بهما تمثيلهم، وقد أخفقتا في تأمين الظروف الاقتصادية الملائمة، إضافة إلى الافتقار لحوكمة رشيدة بالتزامن مع بروز جيل شاب يتطلّع إلى مستقبل جديد. وقد يكون هنالك خلاف حول ما إذا كان يجب تجديد السلطة الفلسطينيّة، أو إيجاد هيئة تمثيليّة أخرى تحلّ محلّها بالكامل. في جميع الأحوال، يبقى مرجّحاً أن تعجز القيادة الحاليّة والمنقسمة عن تلبية الكثير من الطموحات الفلسطينيّة.

 

إذا كان الوقت غير مناسب راهناً للتطرّق إلى ضرورة التجديد في النخب الفلسطينية، فإنّ النزاع العسكريّ الأخير يمكن، ولو عن غير قصد، أن يمهّد لفتح نقاش مستقبليّ حول كيفيّة الانتقال إلى مرحلة جديدة في قيادة القضيّة الفلسطينيّة.

 

بحسب خالدي وآغا، "إنّ بداية فلسطينية جديدة لا يمكن أن تبدأ بالوجوه نفسها، المعتقدات، والآليّات التي أوصلت إلى الطريق المسدود الراهن".

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم