إعلان

تحويل الصّراع على القدس حرباً دينيّة فهل يتحمّل العالم نتائجها؟

المصدر: النهار العربي
فلسطين- مرال قطينة
مدينة القدس
مدينة القدس
A+ A-
قبل أيام وجه المفتي العام للقدس والديار الفلسطينية الشيخ محمد حسين نداءً عاجلاً الى الرؤساء والملوك والأمراء في العالم، ناشدهم فيه "ضرورة العمل لوقف العدوان العنصري على المسجد الأقصى والحرم القدسي الشريف"، لكنه حذر أيضاً "من بداية حرب دينية يتحمل العالم أجمع نتائجها وتبعاتها". قد يشعر البعض أن نداء المفتي مبالغ فيه، لكنه تحدث بوضوح عما تخطط له إسرائيل منذ سنوات وبات واقعاً ملموساً، في ظل المتغيرات المتسارعة على الأرض والتطورات السياسية الإقليمية والدولية.
 
في 28 أيلول (سبتمبر) عام 2000 تغيّرت المعادلة وانقلبت الموازين في مدينة القدس خاصة وفي فلسطين عموماً، بعد دخول رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق زعيم حزب "الليكود" في حينه أرييل شارون الى المسجد الأقصى وباحات الحرم القدسي، بتنسيق مسبق مع الجهات الأمنية الإسرائيلية برفقة حراسه وخمسة نواب وعناصر من الوحدة الخاصة "اليسام"، وصرّح يومها بـ"أن جبل الهيكل بأيدينا"، وهي الجملة نفسها التي استخدمها قائد وحدة المظليين موطي غور عند احتلال القدس الشرقية عام 1967، ما أثار استفزاز جموع المصلين ودفعهم الى التجمهر والتصدي له.
 
وكان من نتائج هذه الزيارة التي استغرقت 45 دقيقة سقوط 7 شهداء و250 جريحاً فلسطينياً، وكانت الشرارة لاندلاع "انتفاضة ثانية" استمرت زهاء خمس سنوات. وسبق "زيارة" شارون للحرم بأيام لقاء جمعه مع مدير حملته الانتخابية أرثر فلنكنشتاين في نيويورك، الذي رأى خلاله "أنه يجب على شارون وضع قضية القدس في صلب حملته الانتخابية المقبلة لرئاسة الحكومة".
 
 شكلت تبعات "زيارة" شارون البداية لحقبة جديدة سياسياً، رسمتها إسرائيل بدقة، وبدأت فرض واقع جديد على الفلسطينيين بأن أحكمت سيطرتها بشكل أكبر على المدينة المقدسة، ومضت في تنفيذ مشروعها التهويدي بشكل أوسع، وأبرز خطوطه كانت محاولاتها المستمرة تغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى بحسب الاتفاقيات السابقة مع دائرة الأوقاف الإسلامية التابعة للأردن منذ احتلال المدينة عام 1967، وفرضت من خلاله وجوداً مستمراً لأفراد الشرطة الإسرائيلية في محيط الحرم، وسمحت للفلسطينيين بالمرور من خلال حواجزها عند كل الأبواب، الأمر الذي تسبب وما زال يسبب توتراً شديداً واستفزازاً للفلسطينيين، كما سبب الخوف من التقسيم الزمني للحرم بين المسلمين واليهود ضغطاً وجعل الأجواء مشحونة باستمرار، تخللتها جولات من الاضطراب والعنف بحق المؤمنين والزوار من غير اليهود، بخاصة عندما تفرض السلطات الإسرائيلية قيوداً على الرجال الذين تقل أعمارهم عن 50 عاماً عند دخول الحرم للصلاة فيه، وعند فتح باب المغاربة أمام دخول المستوطنين والزوار اليهود.
 
لم تتوقف إسرائيل عند هذا الحد، بل استغلت كل الوسائل المتاحة والفرص المواتية لاستفزاز مشاعر الفلسطينيين، مسلمين ومسيحيين، وحوّلت ردود فعلهم على اعتداءات المستوطنين الوحشية على أنها فعل تخريبي مدمّر بحد ذاته، وتدعم الحكومة الإسرائيلية من خلال 6 مكاتب والبلدية المستوطنين وتقف خلفهم، برغم أن حاخامات اليهود الأرثوذكس، بمن فيهم الحاخام الأكبر لإسرائيل، يعارضون دخول اليهود الحرم القدسي من منطلق الخوف من تدنيس "قدس الأقداس"، لأن مكانه غير معروف، علماً أن المؤرخ يوسفيوس قام بحسابات أثبتت "أنه لا يمكن أن يكون داخل البلدة القديمة أساس".
 
دفعت إسرائيل إعلامياً باتجاه تحويل الصراع السياسي حرباً دينية متطرفة، ولطالما ربطت وسائل الإعلام الإسرائيلية والعالمية خلال السنوات الماضية مقاومة الفلسطينيين الاحتلال ومحاربتهم الاستيطان والاستعمار الصهيوني بـ"الحرب على الإرهاب"، مدّعية أن الفلسطينيين يشبهون الدواعش في دوافعهم وأنهم في مهمة جهادية شديدة العنف تنبع من أصوليتهم الدينية، وأصبح البديل لواقع الفلسطينيين من أصحاب الأرض ومن لهم كامل الحق بتقرير مصيرهم تحويلهم إرهابيين متطرفين يضمرون كراهية دينية للآخر.
 
وكان التركيز على التقليل من شأن الطبيعة الاستفزازية للجمعيات الاستيطانية واليمين الصهيوني المتطرف بشكل مضلل ومخادع الى أقصى الحدود، فالحركة الاستيطانية الصهيونية هي نفسها التي تتحدث بصراحة عن تدمير قبة الصخرة واستبدال بناء "الهيكل اليهودي الثالث" بها، وتدعو بالموت للعرب. فالكراهية الدينية هي خطر شديد، إذ إنها تعني أنه لا مخرج ولا حل ولا مفر من استخدام العنف، وهذه الخطوط تتوافق كثيراً مع توجهات اليمين الإسرائيلي والحكومات الإسرائيلية المتعاقبة حول كيفية إدارة الصراع، لأنه إذا أصبح الموضوع دينياً فكيف يكون إنهاء الاحتلال مفيداً؟ بخاصة الآن أكثر من أي وقت مضى ونحن نشهد تصعيداً للخطاب الديني وتسليحه على نطاق واسع في الحروب الوحشية في الشرق الأوسط، أسوأ شيء يمكننا القيام به هو تأطير الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي على أنه ديني، في الوقت الذي يحتاج فيه هذا الصراع القائم على الأرض والحقوق حلاً سياسياً عادلاً، ينقذ المدينة المقدسة من الحزن وإراقة المزيد من الدماء، فالمدينة تصارع منذ سنوات استخدام الآثار والدين لاحتكار المواقع ورمزيتها التاريخية للدلالة على هويّتها.
 
شهدت السنوات الأخيرة تزاوجاً بين المتعصبين من الأعضاء البارزين في الجماعات الصهيونية المسيحية الأميركية والصهاينة اليهود الذين توافقوا في تمييزهم ضد غير اليهود، في الأساس ضد المسيحيين والمسلميين الفلسطينيين، ويشكلون جزءاً من اللوبي المؤيد لإسرائيل، يلتزم بعض هؤلاء الصهاينة المسيحيين بتعاليم لاهوت يدعى "التدبيرية" أو "القدرية" والتي تؤمن بأن قيام دولة إسرائيل كان ضرورة حتمية لإتمام النبوءة بعودة المسيح الى العالم، إذ يتم تفسير أجزاء منتقاة من العهد القديم للتنبؤ بسلسلة من الحوادث العنيفة التي ستؤدي الى المجيء الثاني للسيد المسيح، وتدعو هذه العقيدة جميع اليهود الى الذهاب الى "أرض إسرائيل" حيث يتحول 120 ألف يهودي الى المسيحية، ويقتل المتبقين في معركة قاسية ودموية، تقوم هذه الجماعات بتمويل الجمعيات الاستيطانية في القدس بمبالغ ضخمة لدعمها في شراء عقارات في البلدة القديمة، ولتهويد الأحياء العربية في سلوان والشيخ جراح ورأس العمود، ولتنفيذ اقتحامات للحرم القدسي الشريف، ولتمويل احتفالات يوم توحيد شطري المدينة بعد احتلالها أو كما يطلقون عليه "يوم القدس".
 
الدكتور مصطفى أبو صوي، أستاذ كرسي الإمام الغزالي في المسجد الأقصى وجامعة القدس قال لـ"النهار العربي": "إسرائيل تعمل على تغيير الوضع القائم التاريخي الذي وُضع عشية حرب الـ67، المقصود إدارة المسجد الأقصى العربية الفلسطينية مئة بالمئة، شخصياً عايشت أياماً كانت الأوقاف تستطيع إدخال مواد بناء أو البلاط لتبليط المصلى المرواني، الآن يستحيل إدخال أي شيء، حتى وجبات الإفطار للمصلين مُنعت ومُنع الناس من الإفطار في ساحة الغزالي باب الأسباط، ومُنع الشباب من السهر في باب العمود. عملياً هناك قرار بتقييد هامش الحرية في الحركة باستمرار، في المقابل هناك التصريحات العنصرية التي يطلقها ممثلو اليمين المتطرف الصهيوني ويحصلون على دعم الحكومة ويقومون بزيارات استفزازية مقابل التضييق واعتقال موظفي الأوقاف الإسلامية".
 
ويشير أبو صوي الى أن "إسرائيل تقوم على توظيف البعد الديني لأجل الحصول على مكاسب سياسية، والساسة الإسرائيليون ليسوا بالضرورة من المتدينين على وجه الخصوص، لكن من الواضح أنهم بالتعاون مع مؤسسات الاحتلال كافة يضافرون الجهود في كل ما يخص المسجد الأقصى ويحصلون على الضوء الأخضر من مكتب نتنياهو".
 
ويشرح أن "الوازع الديني حاضر باستمرار، (فالفلسطينيون يختلفون بين استعمال مصطلحي أسرلة أو تهويد على كل ما تقوم به إسرائيل من تغييرات أو فرض للقوة سياسياً وثقافياً، لكننا دائماً نتساءل حول كل ما تقوم به إسرائيل. هل تقوم بخلق دين رابع إضافة لليهودية والمسيحية والإسلام؟ البعد الديني لم يكن غائباً في أي لحظة".
 
ويخلص أبو صوي الى "أننا نتحدث عن خطاب مقابل خطاب الأسرلة أو التهويد، خطاب عربي فلسطيني مسيحي ومسلم، هناك جمعيات فلسطينية مسيحية مثل "السبيل وكايروس فلسطين" تبنّت اللاهوت التحرري الذي يرفض الرواية المسيحية الصهيونية، وبذلك تم إنتاج خطاب مخالف للصهيونية المسيحية، ويعبّر عن جميع الكنائس المحلية في فلسطين، ويصطف مع القضية الفلسطينية وعدالتها ضد الصهيونية، كذلك بالنسبة الى المسلمين، هناك مثلاً "سورة الإسراء" التي من خلالها نستطيع أن نربط العلاقة الوثيقة بين الإسراء والمعراج والمسجد الأقصى والأرض المقدسة، من دون أي بعد سياسي، وهناك عشرات الأحاديث عن بيت المقدس، قبل 500 عام قام مجير الدين الحنبلي بكتابة "الأنس الجليل في تاريخ القدس والخليل" قبل قيام الحركة الصهيونية أو دولة إسرائيل أو وجود أي خطاب منافس، وذكر أن "المسجد الأقصى هو اسم للمكان للمساحة الكاملة 144 دونماً لأن الأبنية محدثة"، الأمويون بنوا هذه الأبنية، وعندما حدث الزلزال كان هناك 15 رواقاً ولم تكن هناك ميزانية إلا لإعادة بناء 7 أروقة، وهذا لم ينقص من قدسية المكان".
 
ويؤكد أبو صوي أن "هذا الخطاب الديني موجود، وهو جزء لا يتجزأ من العقيدة الإسلامية وليس بحاجة لأي حرب دينية أو سياسية لأتحدث عنه. المشكلة الأساسة أن هناك صراعاً سياسياً وإسرائيل غير ملتزمة القانون الدولي أو أياً من الاتفاقات التي تم توقيعها، ويتم السماح لها بالقفز على قرارات الشرعية الدولية ومجلس الأمن، في عالم السياسة هذه القرارات لا يتم تطبيقها، ونتنياهو على وجه الخصوص عمل على تأجيج الصراع الديني واستخدم كل السبل، لذلك فهو دائماً يحاول الهروب الى الأمام من قضايا فساده ومحاكمته بخلق صراعات جديدة.





 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم