إعلان

حين ينظر بايدن إلى القضيّة الفلسطينيّة بعدسة أوباما

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
"نائب الرئيس الأميركي حينها جو بايدن ينظر إلى الرئيس الأسبق باراك أوباما، 2017 - "أ . ب
"نائب الرئيس الأميركي حينها جو بايدن ينظر إلى الرئيس الأسبق باراك أوباما، 2017 - "أ . ب
A+ A-

في أكثر المحطّات، تطلّع الفلسطينيّون إلى دور أميركيّ متوازن من أجل إيجاد حلّ لقضيّتهم. اليوم، ومع تجدّد القصف الإسرائيليّ على غزّة والتضييق على المصلّين في القدس والتهديد بطردهم من حيّ الشيخ جرّاح، يعاود فلسطينيون كثر توجيه أنظارهم إلى واشنطن. الملاحَظ في دورة العنف الحالية، شبه غيابٍ للدور الأميركيّ حتى قبل البحث في مدى توازنه.

 

رأى مراقبون أنّ إدارة الرئيس جو بايدن لا تستطيع الوقوف مكتوفة الأيدي. لكن هذا ما يرتسم حاليّاً إلى حدّ بعيد. أجرى بايدن اتّصالاً هاتفيّاً برئيس حكومة تصريف الأعمال الإسرائيلية بنيامين نتنياهو و"أعرب عن قلقه العظيم" من التصعيد، وأكّد "دعمه القويّ لحقّ إسرائيل بالدفاع عن نفسها". بينما شدّد في اتّصال مع رئيس السلطة الفلسطينية على "الحاجة إلى وقف "حماس" إطلاق الصواريخ على إسرائيل". 

 

كان لوزير الخارجية الأميركيّ أنطوني بلينكن اتّصال مشابه مع الرجلين، وقد أرسل موفده ونائب مساعده للشؤون الفلسطينية - الإسرائيلية هادي عمرو إلى الأراضي المحتلّة للتفاوض حول وقف التصعيد. حجم التفويض الذي أعطته الإدارة إلى عمرو مبهم، ومن غير المرجّح أن يكون كبيراً. فالولايات المتحدة بقيادة جو بايدن لم تضع هذه القضيّة ضمن الأولويّات على جدول أعمالها الخارجيّة. وشغور عدد من المناصب الأساسيّة ذات الصلة، وفي مقدّمها منصب السفير الأميركيّ إلى إسرائيل، هو أحد الأدلة على ذلك.

 

بين بايدن وترامب

ما يمكن أن يكون قد بدا لوهلة أنّه إدارة جديدة ذات توجّه سياسيّ جديد للقضيّة الفلسطينيّة سرعان ما تبيّن أنّه أقرب إلى السراب. لا يظهر أنّ بايدن يريد اعتماد نهج مختلف عن نهج سلفه دونالد ترامب على الرغم من أنّه فعل ذلك في أكثر من ملفّ. ربّما إعادة تحويل أقل من 250 مليون دولار كمساعدات أميركية إلى الفلسطينيين كان ترامب قد علّقها، هي إحدى الاستثناءات القليلة في هذا المجال.

 

وإذا كان ترامب قد رأى أنّه بالإمكان العمل على سلام شرق أوسطيّ قبل حلّ القضيّة الفلسطينيّة، وقد نجح في ذلك إلى حدّ كبير، فإنّ بايدن غير مهتمّ بحلّ هذه القضيّة حتى قبل توسيع عمليّة السلام في المنطقة – هذا إن كان مهتمّاً فعلاً بذلك. يبدو أنّ الرئيس الأميركيّ الحاليّ يفضّل معالجة الملفّات الخارجيّة "الآمنة" مثل التغيّر المناخيّ ومتابعة الانسحاب من أفغانستان والعودة إلى الاتّفاق النوويّ والاستدارة نحو أقصى الشرق وغيرها.

 

و"الأمان" هنا يترادف مع السياسات التي لا تشكّل صداعاً كبيراً له داخل حزبه، كما يترادف أيضاً مع تلك التي بإمكان غسل يديه منها لاحقاً لو ساءت الأمور، كما هي الحال في أفغانستان. في معظم تلك الملفّات، لا يقوم بايدن إلّا باستكمال أو بإعادة إحياء ما بدأه أوباما. حتى في القضيّة الفلسطينيّة، ثمّة تشابه كبير بين بايدن وأوباما. فالأخير لم يولِ رغبة بالاستثمار السياسيّ في إعادة إحياء عمليّة السلام. كذلك، لم يولِ أوباما أهمية للوضع السياسيّ في غزّة.

 

"نوع من الوهم"

ثمّة الكثير من الأسباب/الذرائع التي تدفع بايدن إلى عدم إعطاء الأولويّة للصراع الإسرائيليّ - الفلسطينيّ، وفي مقدّمها الخوف من الفشل خصوصاً في ظلّ ظروف غير مؤاتية لتحقيق تقدّم بين الطرفين، حتى قبل اندلاع النزاع. والاستدارة نحو شرق آسيا، كما إعطاء أولويّة لصراع القوى العظمى، هما سبب إضافيّ يدفع بايدن لنزع المنطقة عن لائحة أولويّاته الخارجيّة. لكنّ هذا السبب غير مفهوم بالنسبة إلى بعض المراقبين.

 

يرى كبير الباحثين المقيم في "معهد دول الخليج العربية في واشنطن" حسين إيبيش أنّ "كامل النزعة لفك الارتباط عن الشرق الأوسط هو نوع من الوهم". وأضاف في حديث إلى موقع "بيزنس إنسايدر" إنّه "حتى لو كنتَ تريد الاستدارة نحو آسيا، كما يقولون، أو التركيز على نزاع القوة العظمى، كما قال البعض الآخر، فإنّ موارد الطاقة في الشرق الأوسط لا تزال جوهريّة". وذكر إيبيش أيضاً أنّ النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني "لم يختفِ قط"، وكان سيندلع عاجلاً أم آجلاً. وأشار الموقع الأميركيّ نفسه إلى أنّ الصراع الذي اندلع أخيراً فاجأ بايدن.

 

يدرك صنّاع القرار في السياسات الخارجيّة أنّه لا يكفي وضع أهداف للرئيس الأميركيّ كي يتحرّك على أساسها. على الولايات المتحدة أيضاً، وتحديداً بصفتها قوة عظمى، أن تكون قادرة على وضع خطط طوارئ لمواجهة أزمات مفاجئة لا تكون بالضرورة على لائحة أهداف الرئيس، أقلّه في نقاط التوتّر المعروفة. ويبدو أنّ هذا ما لم يحدث مع الإدارة الحاليّة. بعبارة أخرى، لن تتغيّر ديناميّات الشرق الأوسط ويصبح أكثر استقراراً فقط لأنّ انشغالات الرئيس في أماكن أخرى.

 

مشكلة "الاستدارة": الأسوأ على الجبهتين

إنّ إزالة هذه المنطقة عن لائحة الأولويّات الأميركيّة من أجل التفرّغ للصين ليست نظريّة متناسقة. فالشرق الأوسط أساساً بات ساحة أساسيّة تمدّ فيها الصين نفوذها وتجد أسواقاً جديدة لها حتى بين الدول الحليفة تقليدياً للولايات المتحدة. وقد يكون بإمكان الصين أن تؤدّي دوراً هامّاً في الصراع الإسرائيليّ - الفلسطينيّ، بديلاً عن أيّ دور أميركيّ تقليديّ، طالما أنّ استثماراتها متصاعدة في إسرائيل، وطالما أنّ أولويّتها الاستقرار في المنطقة. والانسحاب الأميركيّ يقدّم فرصة لها لتحقيق تلك السياسة على المدى الطويل بالحدّ الأدنى.

 

بذلك، إنّ الاستدارة نحو شرق آسيا على حساب الشرق الأوسط قد تفاجئ بايدن مرّتين. الأولى كما حصل في التصعيد الأخير، والثانية، حين تنتج تلك السياسة عكس ما يتوق إليه بايدن: مدّ الصين بحيّز جغرافيّ حيويّ إضافيّ لمشروعها الاقتصاديّ. علاوة على كلّ ذلك، إنّ نظرة بايدن إلى الشرق الأوسط، من خلال "العدسة الأوباميّة"، قد تنتج أزمة ثالثة سبق أن شهدتها المنطقة خلال عهد الرئيس الديموقراطيّ السابق، وهي توسّع إيران الإقليميّ.

 

إذا حصل هذا التوسّع بعد العودة المرتقبة إلى الاتّفاق النوويّ، فالنتيجة الحتميّة هي تصاعد النفوذ الإيراني في غزّة. ينزع ذلك من بايدن ورقة قوّة في حال أراد إعادة إحياء عمليّة السلام وفقاً لتصوّر خاصّ بإدارته، ناهيك عن إمكانيّة توسّع التوتّر أكثر في الشرق الأوسط ككلّ. سيدفع هذا الأمر عاجلاً أم آجلاً الإدارة الأميركيّة إلى العودة مجدّداً نحو المنطقة للمساهمة في الحدّ من الأزمات.

 

ما يحدث أنّ بايدن يعيد تكرار تجربة أوباما في القضيّة الفلسطينيّة خصوصاً والشرق الأوسط عموماً. في نهاية المطاف، لم يحصد أوباما بسبب "استدارته" سوى الأسوأ أميركيّاً على الجبهتين: قوّة صينيّة متصاعدة عسكريّاً واقتصاديّاً (من دون نسيان تصاعد القوّة الكوريّة الشماليّة أيضاً)، وشرق أوسط مشتعل أحياناً وقابل للاشتعال أحياناً أخرى. يبقى السؤال عن السبب الذي يدفع بايدن إلى تكرار هذه السياسة بالرغم من أنّه، وعلى عكس أوباما، تسنّت له مراقبة نتائجها قبل الوصول إلى البيت الأبيض.

 

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم