إعلان

كورونا وجمود وهجرة المسيحيين... ميلاد حزين في بيت لحم

المصدر: النهار العربي
فلسطين- مرال قطينة
من بيت لحم
من بيت لحم
A+ A-
تعتبر مدينة بيت لحم في فلسطين أحد أقدم المجتمعات المسيحية في العالم، كونها مهد المسيح. إلا أن المدينة تعاني من تراجع الوجود المسيحي فيها خلال الأعوام المئة الماضية، ويعود ذلك في المقام الأول الى النكبة وممارسات الاحتلال الإسرائيلي من تضييق على الحريات وانعدام الأمن والأمان، إضافة للأسباب الاقتصادية وطلب العلم في الخارج... 
 
 في السنوات التي تدهورت فيها الأوضاع السياسية، وازدادت الضغوط الاقتصادية وتراجعت السياحة، وارتفعت البطالة، جراء الإغلاقات والحصار العسكري الإسرائيلي للمدينة في الأعوام ما بين 2000 و2005، هاجرت 3000 عائلة من محافظة بيت لحم الى أميركا اللاتينية، والولايات المتحدة وأستراليا، لتنخفض نسبة السكان المسيحيين حالياً في المحافظة الى ما يقارب 11 في المئة، بعدما كانت عام 1922 تشكل ما نسبته 90 في المئة من مجموع السكان وفقاً لدراسة نشرتها "مجموعة ديار" الفلسطينية.
 
 لبيت لحم تقليدياً دور رئيسي في القطاع الاقتصادي الفلسطيني، فهي تؤمّن ما نسبته 15 في المئة من الناتج العام من خلال قطاع السياحة. وقد استقبلت عام 2019 أكثر من 3 ملايين زائر وحاج. وفي المدينة أكثر من 30 فندقاً، وما يقارب 300 ورشة للحرف اليدوية، لكن مع وصول جائحة كورونا الى فلسطين واكتشاف الإصابات الأولى فيها أغلقت المدينة لمدة تزيد عن 70 يوماً. فازادت الأعباء المالية والاقتصادية على السكان في الأشهر التسعة الماضية، وارتفعت نسبة الفقر، بسبب توقف السياحة الداخلية والخارجية على حد سواء، وأغلقت المحال أبوابها فتعطلت الأشغال وأنهكت المشاريع الفردية والصغيرة، وازدادت معدّلات البطالة.
 
عن ذلك يقول مستشار حراسة الأراضي المقدسة الأب إبراهيم فلتس لـ"النهار العربي" إنه "خلال السنوات الماضية تبين أن الأوضاع الاقتصادية السيئة، وانعدام السياحة هي التي تدفع أهل بيت لحم الى الهجرة الى أميركا اللاتينية حيث هناك أكبر جالية فلسطينية".
 
ويضيف الأب فلتس: "العلاج الوحيد لحالة الهجرة هو توفير فرص عمل متساوية للجميع ليتمكن الناس من العيش بكرامة، فخلال الأعوام بين 2017 و2019 لم نشهد أي هجرة من المدينة، بالعكس فإن بعض العائلات التي سبق وهاجرت خلال الانتفاضة الثانية بدأت تعود، وأغلبها أقامت مشاريعها الخاصة. منها من أنشأ فنادق أو مطاعم أو تجارة. وكان 90 في المئة من العاملين في قطاع السياحة في بيت لحم من المسيحيين".
 
الكنائس المسيحية في فلسطين، وبخاصة الفرنسيسكانية، حشدت جهودها وسخّرت طاقاتها لمساعدة (الحجارة الحية). هب المسيحيون بكل طوائفهم للحفاظ على وجودهم في بيت لحم، لذلك تم دعم قطاعات الصحة والتعليم والسكن، إذ اعتبرت مدينة بيت لحم منكوبة على مستوى الوطن والعالم، بعدما فتكت جائحة كوفيد -19 بأهلها صحياً واقتصادياً واجتماعياً ومعنوياً. كما أن الكنائس والمؤسسات الدينية قدمت المساعدات للمسلمين والمسيحيين على حد سواء.
 
يحل عيد الميلاد هذه السنة والحياة شبه متوقفة، بعدما كانت المدينة تستقبله بالزينة والاحتفالات. ولا بدائل مطروحة، فالفلسطينيون بحاجة الى دولة ومؤسسات حكومية تقدم الخدمات، بشكل حقيقي وكامل للمواطنين وعلى الصعد كافة.
 
كاهن رعية اللاتين في كنيسة المهد رامي عساكرة قال لـ"النهارالعربي": "في الماضي كنا نساعد الناس في تعليم أولادهم، لكن بعد الجائحة لم تعد مساعدتنا تقتصر على التعليم، أصبحنا نساهم بتغطية مختلف مصاريفهم واحتياجاتهم اليومية، من الأكل والشرب والدواء وشحن الهواتف والكهرباء وسداد الفواتير، وحتى الإيجارات، مع ذلك فإن ما نقوم به غير كاف، فأغلب الناس ليس لديهم رواتب تقاعدية بسبب عملهم في القطاع الخاص وفي السياحة تحديداً".
 
ويلفت الأب عساكرة الى أن مكتب الخدمات الاجتماعية التابع للكنيسة يستقبل الناس ويتابع حالاتهم واحتياجاتهم، بسبب الجائحة وشح المساعدات. يقول: "دعانا واجبنا الى القيام بمبادرات، تمثلت أولاها في إقامة بازار الميلاد، إذ دعونا الناس الى التبرع بأغراض جديدة لا يحتاجونها شرط أن تكون جديدة، لنبيعها بأسعار زهيدة 1$ أو 2$ للأسر المحتاجة، على أن يذهب ريعها لتغطية المساعدات الطبية التي نقدمها، أما المبادرة الثانية فكانت "شجرة الأمنيات" وتقضي بأن يقوم الأشخاص بكتابة أمنياتهم أو ما يحتاجونه، أو يقوم  مواطنون بكتابة ما تحتاجه عائلات أخرى، وبعد الانتهاء يقوم خوري وراهبة بفرز الأمنيات وترقيمها، ثم نتركها ليختار الأشخاص، بحسب الرقم، تقديم المساعدة أو التبرعات، وبعد تسلم المساعدات، يقوم الخوري بتوزيعها على العائلات المحتاجة منعاً للإحراج، ومعظم الأمنيات هذا العام تركزت على ملابس العيد والكسوة الشتوية وبعض الاحتياجات المنزلية". 
 
وعند سؤاله عن أصعب الأمنيات هذا العام أجاب الأب عساكرة: "تم طلب أدوية قلب باهظة الثمن، ودفع إيجارات للمنازل، وأحياناً معالجة أسنان".
 
لا تتوقف المبادرات في بيت لحم، يعتبر "مخبز الساليزيان" من أهم المبادرات الخيرية في المدينة، أُنشئ عام 1870 على يد الأب أنطوان بيلوني (أبو اليتامى)، الذي فكر بتوفير دخل ثابت للميتم الذي كان يشرف عليه ويعتني من خلاله بيتامى بيت لحم والمنطقة.
يبلغ إنتاج المخبز اليومي 400 كيلوغرام من الخبز، يتم تقديم 200 كيلوغرام منها للمحتاجين والفقراء.    
الأب لورنزو سياجيتو الإيطالي الجنسية الذي يعيش في فلسطين منذ عام 1983 قال لـ"النهار العربي" إن "هناك ارتفاعاً في طلب الخبز مجاناً بنسبة تصل الى 40 في المئة تقريباً، وهذا يعني أن هناك الكثير من المحتاجين، بخاصة عمال القطاع السياحي بسبب الإغلاق، فهم بحاجة للمساعدات ونحن حالياً نقدم لهم الخبز مجاناً، هذا ما نستطيع تقديمه الآن، لكن خلال 6 أشهر سنحتاج لتبرعات المحسنين لنتمكن من القيام بهذا الواجب اتجاه الفقراء والمؤسسات المحتاجة".
وأضاف الأب لورنزو أن "المشكلة عالمية والفيروس موجود في كل دول العالم، ومن الصعب أن يتمكن أحد من الهجرة في الوقت الحالي، فإذا أراد أن يترك البلد فعليه أن يفكر قبلها الى أين يتجه، فتأثير الفيروس والصعوبات التي تسبب بها موجودة في كل مكان".





 

 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم