إعلان

كيف توظّف إسرائيل الاكتشافات الأثريّة لدعم روايتها التوراتيّة؟

المصدر: النهار العربي
فلسطين- مرال قطينة
ورشة تنقيب في القدس.
ورشة تنقيب في القدس.
A+ A-
 في مسلسل تضليلي، قدمت سلطة الآثار الإسرائيلية بعد حفريات أثرية طالت مدينة القدس وهضبة الجولان السورية، رواية عن اكتشافات أثرية تعود لحقبات زمنية مختلفة من تاريخ المنطقة، علماً أن مناطق الاكتشاف هي أراض محتلة منذ عام 1967، ما يجعل التنقيب والحفريات الأثرية فيها وفقاً للبروتوكول الثاني لاتفاقية لاهاي عام 1999، غير قانونية بل محظورة، لكن إسرائيل كعادتها لم توقع على البروتوكول ولا تأبه، وتستمر في تنفيذ مشاريعها ومخططاتها الى ما لا نهاية.
 
ووفقاً لسلطة الآثار الإسرائيلية، أدت هذه الحفريات لاكتشافات مهمة في القدس حيث تم اكتشاف كنز صغير عبارة عن جرة صغيرة وأربع قطع عملات ذهبية تعود للفترة الزمنية بين 940-980، وهي فترة انتقال السيطرة على فلسطين من الخلافة العباسية إلى الخلافة الفاطمية.
أستاذ التاريخ والآثار في جامعة بيرزيت الدكتور نظمي الجعبة، قال لـ"النهار العربي"، إنه "تم اكتشاف أربع قطع ذهبية، أربعة دنانير، قطعتين تعودان للحقبة العباسية وقطعتين تعودان للفترة الفاطمية، وذلك أثناء الحفريات لبناء مصعد يربط الحي اليهودي بساحة البراق. ليس هناك أي مفاجأة في الاكتشاف، إلا إذا كان السبب كونها قطعاً ذهبية، فمنطقة ساحة البراق أثبتت خلال الحفريات السابقة التواصل الحضاري، منذ الفترة الرومانية انتهاءً بتدمير حي المغاربة بعد احتلال القدس عام 1967".
 
يضيف الجعبة: "في هذه المنطقة آثار كثيرة تعود للمرحلة الصليبية، وهناك مخلّفات من الفترة الأموية، وآثار أيوبية ومملوكية انتهاءً بالفترة العثمانية والمرحلة الحديثة، كما عُثر على آثار رومانية يمكن أن تُعدّ مصدراً للتاريخ الحضاري للقدس منذ تلك الحقبة وحتى القرن العشرين، وهي دليل على المستوى الحضاري والاجتماعي للقدس في تلك الحقبة التاريخية، ولا مفاجأة من اكتشاف المزيد من الطمائر الذهبية".
 
ويشرح الدكتور الجعبة "أن هذه القطع تصبح رسمياً ملكاً لسلطة الآثار وفقاً لقانون الآثار الإسرائيلي الذي لا نعترف بوجوده في القدس، لكنه للأسف أمر واقع. ولسلطة الآثار الخيار في أن تقرر التصرف بعرضها في المتاحف، أو الاحتفاظ بها ضمن موجوداتها... وأنا أعتقد أنه لن يتم عرضها وستوضع في خزنة السلطة مع الكثير من القطع والآثار الأخرى التي تتحفظ عليها".
 
استغلال الآثار أكثر تعقيداً، حيث تستغلّ إسرائيل الحفريات الأثرية لطرد الفلسطينيين من أراضيهم وبيوتهم، وتعزلهم عن آثارهم التاريخية والمعمارية، وتقوم بمحو التراث المعماري وهدمه واستبداله بالتراث اليهودي، الذي لا يستند غالباً الى أي اكتشافات في المواقع التي يتم التنقيب فيها.
ويؤكد الدكتور الجعبة أن "عدداً من علماء الآثار والمؤرخين الإسرائيليين حاولوا ربط الحاضر بالماضي، واعتبار دولة إسرائيل استكمالاً للمرحلة التوراتية، وكأنه لم يكن هناك فرق بين الفترتين. وبانتهاء الوجود اليهودي في القدس عام 153 ميلادية، كأنه لم تأت بعدها الحقبات الرومانية والبيزنطية ولا الفترات الإسلامبة، وأن هناك جسراً يربط تلك الفترة بالعصر الراهن، وهو الهدف الأساسي من الدراسات التاريخية الإسرائيلية، علماً أن بعض المؤرخين وعلماء الآثار الإسرائلييين قد تمكنوا من الابتعاد عن التسخير السياسي للآثار ولي ذراع التاريخ من أجل كتابة رواية قد يكون جزء منها صحيحاً، فيما معظم أجزائها غير صحيحة".
 
منذ احتلالها للقدس خصّصت الحكومة الإسرائيلية واستثمرت ملايين الدولارات للتنقيب الأثري، ووضعت معايير مزدوجة أدت إلى خلق فجوة بين الفلسطينيين والآثار التي يعيشون بينها، وإلى حالة من الفصل بين تراث المنطقة وسكانها المحليين، وبالتالي انتهاك حقوقهم الثقافية. في عام 2010 صرّح المدير العام لسلطة الآثار شوكا دورفمان قائلاً "إن الحفريات الأثرية في منطقة البلدة القديمة في القدس لم يسبق لها مثيل، كما لو أنه لم يتم التنقيب فيها قبل 150 عاماً".
 
يركّز الإسرائيليون في شرحهم للآثار والتاريخ على التفسيرات التي تربطها بالماضي اليهودي، حتى لو كان الحديث عن علاقة منعزلة ومشكوك فيها، في حين أن الآثار تحصل على مكانة قانونية ويُنظر اليها على أنها تعبير عن السيادة الإسرائيلية على الأرض، تحوّل الفلسطينين الى مقيمين غير شرعيين ليس لهم صلة ثقافية أو دينية أو حتى رمزية في المكان. هكذا يتم شحن الإسرائيليين بأن الفلسطينيين هم أعداء وأن الصراع هو لعبة محصّلتها صفر، ولا يمكن سوى لطرف واحد أن يفوز بها.
 
قبل أسبوع، أُعلن عن أكتشاف تل صغير محصّن في هضبة الجولان السورية، يقول علماء الآثار الإسرائيليون "إنهم أثناء قيام سلطة الآثار بحفريات استعداداً لتوسيع "مستوطنة هسبين" عثروا على آثار عمرها 3000 عام تعود إلى العصر الحديدي". ووفقاً لبيان سلطة الآثار "عُثر على مجمع تبلغ مساحته فداناً مبني باستخدام صخور بازلتية ضخمة ومحمي بجدران سمكها 1.5 متر، ومن المحتمل أنه موجود في هذا الموقع الاستراتيجي للتحكم بالمياه ولعبور النهر، كما عُثر على حجر نقش عليه قرنان، وتمثال لامرأة تعزف على الطبل وقرطان".
يدّعي علماء الآثار الإسرائيليون "أنه وفقاً للتوراة، فإن الموقع هو حصن جشور الضخم وان مملكة جشور كانت حليفاً للمك داوود، لكن من الناحية الأثرية لا يوجد دليل على أي صلة بالقدس القديمة".
 
الدكتور ضرغام الفارس المتخصص بالإرشاد السياحي قال لـ"النهار العربي": "لا أرى بهذا الاكتشاف ما يمكن أن يغيّر ما نعرفه عن التاريخ في العصر الحديدي، ما ظهر ينسجم مع ما اكتُشف سابقاً، باستثناء ما وصفوه بامرأة تحمل طبلاً. برغم عدم معاينتي المباشرة للتمثال، إلا أنني أرجّح أنه يمثل آلهة الخصوبة، وأن ما تحمله هو طفل وليس طبلاً، لأن تماثيل آلهة الخصوبة كانت شائعة في فلسطين ومحيطها خلال العصر الحديدي 1200-586 ق.م، ولأن وضع يد فوق الأخرى مناسب لحمل طفل لا طبل".
 
ويشير الدكتور الفارس إلى أنه "من الواضح أن ما نُشر يقوم على تفسير الموقع الأثري بما يتوافق مع الروايات التوراتية، برغم علمهم وإقرارهم بأن العهد القديم ليس كتاب تاريخ". يضيف الدكتور الفارس أن "الارتباط الديني بفلسطين بالنسبة إلى اليهود والمسيحيين والمسلمين حول العالم يقع ضمن السياحة الدينية، وخروج الروايات التوراتية عن سياقها الديني على يد الحركة الصهيونية، يوضح جلياً كيفية توظيف الروايات لتحقيق أغراض سياسية عنصرية، انتهت باحتلال فلسطين، فهي التقاء لمصالح وتوافق لمعتقدات دينية ظاهرها خرافات توراتية، وباطنها مصالح سياسية واقتصادية".
 
ويشرح الدكتور الفارس قائلاً إنه "بالعلم والمنطق لا يوجد أي شعب في العالم يمكننا أن ننسبه الى جد واحد، فالادعاء أن شعباً ما ينحدر من جد معين هو أمر مثير للسخرية، لأنه يفترض أن ذلك الشعب لم يختلط نسبه بالشعوب الأخرى، سواء بالحروب أو السيطرة المباشرة، أو التجارة أو الهجرة والتّرحال".
 
يخلص الدكتور الفارس "إلى أن انتشار الديانات اليهودية ثم المسيحية والإسلام في فلسطين لا يعني استبدال الشعوب والأعراق بشعوب وأعراق أخرى، بل هو قيام نسبة معينة من السكان الأصليين بمختلف أعراقهم بترك ديانتهم القديمة واعتناق ديانة جديدة، من دون نفي دخول وافدين جدد لفلسطين كما حدث أثناء الفتوحات الإسلامية. تاريخ فلسطين وموروثها الثقافي هو ملك للشعب الفلسطيني بكل دياناته، والادعاءات الصهيونية بوجود رابط عرقي ليست سوى تزوير للتاريخ وتوظيف ديني لتشريع الاحتلال". 
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم