إعلان

نظرية "بناء الثّقة" مع الاحتلال

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
غداء على "شرف" الوفد الاسرائيلي في رام الله
غداء على "شرف" الوفد الاسرائيلي في رام الله
A+ A-
الاجتماع مع ممثلي الصحافة الإسرائيلية في مقر منظمة التحرير في رام الله الأسبوع الماضي، لم يكن حدثاً مهماً، لم يكن ضرورياً، ولن يكون له أي تأثير حقيقي، أهميته تكمن في أنه يعكس ببساطة طريقة تعامل "السلطة" مع المزاج الشعبي في فلسطين، وعدم قدرتها (السلطة)، على إدراك أن هذه الوسائل في التعامل مع الاحتلال في نسخته المتطورة، تكرّس صورة العجز التي تعيشها أمام المتغيرات العميقة في البلاد وفي المحيط.
 
لعل تأثيره الوحيد هو تعزيز الإحباط في الشارع الفلسطيني من أي إمكان للتغيير، من هنا يبدو نموذجاً، أداة قياس لاتساع الهوة بين الشارع ومطالبه ووعيه الوطني وهمومه المعيشية، الوعي الشعبي الذي يتعمق بالتناقض مع الاحتلال ويبتكر مواجهات مثل "جبل صبيح" و"الشيخ جراح" و"الخان الأحمر"، وبين النخبة السياسية العالقة في وعي قديم لا علاقة له بالواقع، وعي قادم من ملاحق اتفاق أوسلو الذي تجاوزه كل شيء تقريباً، الانزياح في هذا الوعي وتآكل نموذجه الذي ظهر به عبر "أوسلو"، يبدو الآن مقتصراً على حماية المصير الشخصي لهذه النخبة، وبينما تنقّب القيادة الفلسطينية تلك الملاحق بحثاً عن وصفها الوظيفي المشوش، يخوض الشارع بمعزل عنها مواجهة واضحة وشاملة مع الاحتلال.
 
الاجتماع/الرحلة المؤمنة خارج الأسوار التي حصل عليها الإعلاميون الإسرائيليون الى "المستعمرة" يمكن تعريفها كنشاط استشراقي لا أكثر، وبشيء من المخيلة يمكن رواية المشهد، حيث يصل صيادون بسراويل كاكية قصيرة، وقبعات عريضة من القش، وأحذية بيضاء خفيفة وكاميرات سياحية لالتقاط صور الأسواق الشعبية والزراعة البسيطة، ومشاهدة السكان المحليين الذين يعيشون هناك عن قرب، وهم يدورون في المساحات التي لم يستول عليها المستوطنون بعد، والبيوت التي لم تصل اليها أوامر الهدم بعد، والفتيان والفتيات الذين لم يطلق عليهم حرس الحدود النار حتى الآن. نوع من الفرجة يوفرها أدلّاء متنورون وليبراليون من "عبيد المنزل" تحت شعار "التواصل".
 
هذا يتجاوز "التطبيع"، التطبيع أمر آخر تماماً يفترض الندّية ويأتي عادة نتيجة أو خاتمة أو على تخوم الخاتمة، نوع من الإشارة الى أن الأمور تذهب في الاتجاه الصحيح، شكلياً في الأقل. وسيكون مثيراً للسخرية الحديث عن نظرية "بناء الثقة"، في وصف لقاء بين المسؤولين عن رسم صورة الاحتلال، وبين المجموعة الخاضعة للاحتلال، بين صورة الاحتلال عن نفسه وبين صورته في وعي الخاضعين له، بين بناء الثقة مع الاحتلال على حساب خسارتها مع الشارع. 
 
ويصبح نوعاً من الاحتيال عندما يحمل لافتة "التواصل"، و"كوميديا سوداء" محزنة عندما يدّعي التأثير في الرأي العام في دولة الاحتلال، الرأي العام الذي يغذي الحاضنة الحقيقية للفاشية الإسرائيلية ويواصل انتخابها في كل مرة.
 
سعة الصدر والتفهم اللذان حصل عليهما ممثلو الإعلام الإسرائيلي في مقر منظمة التحرير، يذكّران مباشرة بعمليات القمع والتنكيل وتحطيم الكاميرات ومصادرة الهواتف المحمولة التي حصل عليها الصحافيات والصحافيون الفلسطينيون في ساحتي "المنارة" و"الساعة" في رام الله، غير بعيد عن مقر منظمة التحرير، الملاحقات التي تبعت ذلك ما زالت حية في ذاكرة المحتجين وعلى أجسادهم، حيث اضطرت نقابة الصحافيين، التي تسيطر عليها حركة "فتح" نفسها، الى إصدار بيان احتجاج كان من ضمن بنوده مقاطعة أخبار وتغطيات أنشطة السلطة وتصريحات ممثليها وفعالياتها.
 
يسأل الصحافيون الفلسطينيون الأسئلة نفسها التي طرحها الإسرائيليون على  الأشخاص أنفسهم، يسألون منذ وقت طويل ويواصلون تكرار الأسئلة، ولكنهم غالباً لا يحظون بالتفهم والاحتفاء وسعة الصدر، أو الإجابات التي تتدفق على الإسرائيليين بكرم مضاعف، كما أنهم، الفلسطينيين، لا يحلمون بصورة جماعية مبهجة أمام المقاطعة أو مقر منظمة التحرير مع قائد ليبرالي مطّلع ومؤثر. إذ إن اهتمامهم سيتركز، بمجرد طرح الأسئلة أو الاحتجاج على التعالي والتجاهل، على حراسة هواتفهم الشخصية وسلامتهم الجسدية وضمان عودتهم الى بيوتهم.
 
الحقيقة أنهم لا يملكون لجنة لـ"التواصل"، كتلك المخصصة للإسرائيليين، تقوم بدعوتهم الى القاعة نفسها، أو أي قاعة أخرى، وتنظيم لقاء مكاشفة يستطيعون خلاله طرح الأسئلة نفسها، تقريباً، ولكنها أكثر دقة وتتمتع بالخبرة والمعرفة، ولا تذهب نحو تحليل شخصية القاطنين في "المحمية" ومناطق ألف وب وسي، اللجنة المكلفة بالتواصل معهم لديها أساليب مختلفة ذات مواصفات ووسائل مختلفة تماماً.
 
سيعود الصحافيون الإسرائيليون الى "الحصن" وسيتحدثون عن لطف الضيافة في "المحمية" وتفهّم المضيف، وعن أن ثمة من يمكن الحديث معه "هناك" رغم كل شيء، وسيتحولون الى مصدر موثوق يضخ "أخبار السلطة" الى السلطة وأجهزتها، التي ستعيد صوغها وضخها بدورها على شكل شهادات. 
 
التطوع المحزن لإرضاء رغبة بلينكن في "بناء الثقة"، والحديث عن إمكانات حوار كامنة في حكومة الفاشي بينيت المزيّنة ببعض اليسار وحزب منصور عباس الإسلامي، لا يمكن تغطيتها بعبارات من نوع "النظام السياسي الفلسطيني مستقر وقوي"، بينما الأسئلة تنصبّ على الانقسام والعنف وتأجيل الانتخابات وثقة الشارع. هذه ليست أكثر من قراءة قديمة متحجّرة في واقع متجدد، رسائل يأس في أفضل أحوالها، والدخول عبر أفكار مستعملة مثل "التواصل"، ثبت فشلها في كل مرة وتأكد دورها في إحداث الضرر وتعميمه، هي إمعان في فرض وسائل عمل مرفوضة شعبياً، ومتناقضة مع المقاومة السلمية الشجاعة وهي تعيد بناء نفسها بقوة وثقة وابتكار بعيداً عن قاعة الاجتماع وأوهام "التواصل".

 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم