إعلان

الهروب الكبير... الصّفعة

المصدر: النهار العربي
فلسطين- مرال قطينة
الاسرى الستة ابطال عملية الهروب الكبير
الاسرى الستة ابطال عملية الهروب الكبير
A+ A-
قبل يومين ذكّرني "فايسبوك" بصور كنت قد التقطتها أثناء لقائي زكريا الزبيدي في مدينة جنين في الرابع من أيلول (سبتمبر) عام 2017، قابلني عند مدخل المدينة، كان حسه الأمني عالياً جداً وغير مسبوق، أراد التأكد من هويتي أولاً. فعلاً إنه يستحق لقب "الفهد الأسود"، وطلب مني أن ألحق سيارته. عندما وصلت الى منزله استقبلتنا زوجته وأبناؤه، كان بيته على سفح جبل عال يطل على مخيم جنين الذي هجره بعد استشهاد والدته سميرة وشقيقه طه وسنوات من الملاحقة والمطاردة من القوات الخاصة الإسرائيلية ووحدة الدوفدوفان "المستعربين". تمحور لقاؤنا حول رأيه في المسلسل الإسرائيلي المثير للجدل "فوضى" الذي بثته وأنتجته شبكة "نتفليكس" ذلك العام.
 
شاهد زكريا الحلقة الأولى من المسلسل وبدأت ملامحه تتغير، لكنه أصر على إنهاء مشاهدة الحلقة كاملة، عندها سألته ما رأيك بما شاهدت أجابني مبتسماً: "هذا كذب وتزوير، فالقوات الخاصة الإسرائيلية لم تتعامل أبداً بهذه الطريقة، هذا خيال إسرائيلي فاشل لابتكار (الأكشن)". حدثني عن محاولات لاغتياله أثناء حضوره عزاءً في المخيم أثناء الانتفاضة الثانية، وكان آخر ما قاله لي إنه لا يندم أبداً على مقاومته الاحتلال بعد تسليمه سلاحه للسلطة الفلسطينية عام 2007، أخبرني أيضاً أنه لا يزال يؤمن بالمقاومة، لكن الأوضاع تغيّرت على الأرض. بدا هادئاً لكن في داخله بركان مشتعل، وكان بريق عينيه السوداوين يعكس شدة ذكائه، على الرغم من آثار لشظايا والحروق تغطي وجهه الأسمر بعد انفجار القنبلة عام 2003. 
 
صفعة كبيرة تلقتها الأجهزة الأمنية والعسكرية وأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية على حين غرّة، وإخفاق أمني كبير ربما لم تتوقعه يوماً ولم تحسب حسابه أبداً، فهذا آخر ما تتوقعه إسرائيل عشية بدء احتفالاتها بالأعياد اليهودية، وتسببت في حالة إحباط جراء العملية غير المسبوقة التي تمثلت بحفر نفق لم يخترق أراضي بيسان فحسب، بل ادعاءات الأجهزة الأمنية ومصلحة السجون بأنه لا يمكن لأي سجين أن يخترق أسوار السجون المحصنة والمزودة بأحدث أجهزة الرقابة والاستشعار وأنظمة الكاميرات الحديثة.
 
 
 
 
على طريقة الأفلام الهوليوودية، كان الهروب الكبير لستة أسرى فلسطينيين من سجن جلبوع الأكثر حراسة وتشدداً أمنياً بين السجون الإسرائيلية الأخرى. يمكن وصف الهروب بأنه مستلهم من الفيلم الشهير "شاوشانك ريدمبشين" لمورغان فريمان، أو على طريقة مسلسل "بريزون برييك"، لكنه بلا شك حصيلة لأشهر أو سنوات من التخطيط الجريء والإبداع في ابتكار طرق وأساليب لتنفيذه جماعياً بكل سرية وتكتم تام، بعد سنوات من النسيان والانتظار تحت طائلة الوهم بأن الفرج قريب على أيدي سلطة تنازع وفصائل منسية أغفلت وجود ما يزيد عن 5300 أسير فلسطيني في السجون الإسرائيلية، يقضون محكوميّتهم بين أربع مؤبّدات وتمديد تلقائي للاعتقال الإداري.
 
ما زالت السلطة الفلسطينية تتخبط السبل والوسائل بحثاً عن حل ما أو تسوية سريعة تبقيها لأعوام أخرى في سدة الحكم، لكنها بلا شك الآن في موقف لا تُحسد عليه، وأمام امتحان مصيري لمفهوم "التنسيق الأمني" في الوقت الذي تحدثت فيه مصادر إعلامية إسرائيلية عن "اجتماع ضم رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي/الشاباك ومسؤول الأمن الوقائي في جنين العميد مجاعد علاونة ومدير جهاز المخابرات محمد عبد ربه لتشكيل خلية أزمة لمتابعة هروب الأسرى الستة". يتفاعل الشارع الفلسطيني منذ صباح اليوم مهنئاً ومستلهماً هذه التجربة الفريدة من نوعها.
 
 
 
يعيد الهروب الكبير الى الأذهان تجربة حركة التحرر "توباماروس" في الأوروغواي في أوائل ستينات القرن الماضي، ستة معتقلين فلسطينيين يحفرون نفقاً من داخل المعتقل يمتد لعشرات الأمتار باستخدام ملعقة صدئة أخفوها خلف ملصق، وعلى الأرجح أن عملية الحفر استغرقت فترة طويلة إذا ما صح استخدامهم ملعقة واحدة صدئة، ما يدل الى أن مجموعة "الحفارين الصغيرة" أحاطت نفسها بإجراءات أمنية عالية، وتصرفت بمهنية عالية لم تتمكن حتى الاستخبارات الإسرائيلية من اختراقها في سجن أقل ما يقال عنه أمنع من خزينة المصرف المركزي، بعفوية وربما بصدفة محضة تعيد هذه التجربة إنتاج سلوك "الـتوباماروس". اكتشفت السلطات هروبهم عند الساعة الثالثة والنصف فجراً بعد رؤية مزارع الفارين يجرون عبر حقله وأبلغ الشرطة، لكن السلطات الإسرائيلية لا تستبعد أن يكون الأسرى الفلسطينيون قد تلقوا مساعدة من داخل سجن جلبوع وخارجه. بالإضافة الى ذلك، فإن عملية المطاردة بدأت بعد ساعات من الهروب، ما أعطى الفارين المزيد من الوقت للابتعاد عن دائرة الحراسات الإسرائيلية وطوق التدابير الأمنية حول السجن، كما أنهم ابتعدوا عن دائرة الحواجز الطيارة التي أقامتها الشرطة بعد الهروب بساعات.
 
وبحسب صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، فإن أحد الفارين زكريا الزبيدي المعروف بـ"الفهد الأسود" كان قد تقدم بطلب قبل فترة لإدارة السجن بنقله الى الزنزانة التي فيها أسرى "الجهاد الإسلامي" الخمسة المحكومون بالسجن مدى الحياة، محمود العارضة المعتقل منذ عام 1996، محمد العارضة الذي اعتقل عام 2002، ويعقوب قادري المعتقل منذ عام 2003، وأيهم كممجي، ومناضل نفيعات المعتقل منذ عام 2019، وقد قاموا جميعاً بعمليات نوعية استهدفت القدرات العسكرية الإسرائيلية. لم يثر طلبه، بحسب الصحيفة الإسرائيلية، "أي شكوك أو أي استغراب لدى مصلحة السجون، وهو الفشل الأمني الذي قاد الى تنفيذ عملية الهروب ونجاحها"، تبين بعدها أن "الفهد الأسود" انضم الى عملية الحفر في ذروتها، وأنه كان قد اطلع على العملية عبر شبكة داخلية في المعتقل نقلت اليه كل المعلومات اللازمة، فيما تشكل هذه الشبكة تحدياً كبيراً للأجهزة الأمنية الإسرائيلية، وتظهر صلابة الأسرى ومقاومتهم داخل السجون. 

عام 2019، وقبل فترة وجيزة من اعتقاله مع صديقه المحامي طارق برغوث وتوجيه التهمة لهما بـ"التورط والتخطيط لأنشطة جديدة" تستهدف إسرائيليين، قدم زكريا الزبيدي رسالته للحصول على الماجستير في جامعة بيرزيت، وكانت بعنوان "الصياد والتنين" تناول فيها 50 عاماً من ملاحقة إسرائيل للمطلوبين الفلسطينيين من مناضلين، واليوم يبدو أن التنين قد نجح في هزيمة الصياد والهروب منه.



 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم