إعلان

الجنائية الدولية... هلع إسرائيلي وقلق أميركي وترحيب فلسطيني

المصدر: النهار العربي
فلسطين- مرال قطينة
A+ A-
ردود فعل هستيرية إسرائيلية عكست حالة الهلع من قرار المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بفتح تحقيق رسمي بارتكاب "جرائم حرب" في الأراضي الفلسطينية المحتلة، قابلها ترحيب فلسطيني بإعلان المدعية العامة الغامبية فاتو بنسودا في خطوة طال انتظارها "لتحقيق العدالة كأساس لا غنى عنه، ضد الجرائم المستمرة والممنهجة والواسعة النطاق التي يرتكبها قادة الاحتلال الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني" حسب ما جاء في بيان الخارجية الفلسطينية، وقابل ذلك قلق أميركي وتشديد على رفض القرار وطعن في صدقيته.
 
ليس محض مصادفة أن يكون رد الفعل الإسرائيلي والأميركي معارضاً لفتح التحقيق. والطرفان مشككان بصدقية ومشروعية المحكمة الدولية، وبلغ هجومهما حد وصف القرار بأنه "معادٍ للسامية" حسبما جاء في رد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على القرار. فإسرائيل والولايات المتحدة ليستا من الدول الموقعة على "ميثاق روما" الذي أنشئت المحكمة بموجبه، وهما تواجهان إجراء تحقيقات جنائية مع مسؤولين رسميين كبار وسياسين وقادة عسكريين سابقين وحاليين. إسرائيل على خلفية احتلالها للأراضي الفلسطينية لسنوات مارست خلالها أبشع الجرائم والانتهاكات الإنسانية التي لا تعد ولا تحصى، وأميركا باحتلالها أفغانستان وما خلفه الجيش الأميركي من جرائم حرب ضد الشعب الأفغاني، لذلك حاول الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب الضغط على المحكمة الجنائية الدولية بتوقيع مرسوم في حزيران (يونيو) 2020 "يقضي بفرض عقوبات اقتصادية على مسؤولين كبار في المحكمة ومنعهم وأفراد عائلاتهم من الدخول الى الولايات المتحدة الأميركية بعدما حاولوا فتح وإجراء تحقيقات مع جنود أميركيين نفذوا جرائم في أفغانستان، او مع قادة ومسؤولين من دول حليفة للولايات المتحدة من ضمنها إسرائيل".
 
إسرئيل ستواجه قرارات قضائية غير مسبوقة و"تسونامي" من الدعاوى القضائية التي ستطاول رموز قوتها وجبروتها وهيمنتها العسكرية، وفقاً لما حددته بنسودا في نص طلبها، "أولها هجمات الجيش الإسرائيلي على قطاع غزة إبان عملية "الجرف الصامد" خلال صيف 2014 والتي اعتبرت "غير تناسبية"، وثانيها إطلاق "حركة حماس" والفصائل الفلسطينية في قطاع غزة النيران بصورة متعمدة نحو المواطنين واستخدامهم كدروع بشرية خلال الحرب الشرسة التي راح ضحيتها ما يزيد على 2000 فلسطيني، ثالثها الاستيطان الإسرائيلي ونقل مواطنين إسرائيليين للاقامة في الضفة الغربية منذ حزيران (يونيو) 2014 والتي اعتبرتها بنسودا "جرائم حرب نفذتها إسرائيل"، ورابعها جرائم حرب نفذها جنود الاحتلال الإسرائيلي بإطلاق النيران الحية باتجاه المتظاهرين الفلسطينيين خلال مشاركتهم في التظاهرات الأسبوعية على الحدود مع قطاع غزة والتي عرفت بـ"مسيرات العودة".
 
وفي الوقت الذي يقول فيه قانونيون في المحكمة الدولية "أنهم دائماً الى جانب الضحية وهذا مبرر وجودهم" استغرق اتخاذ قرار فتح تحقيق رسمي حول الممارسات والجرائم الإسرائيلية أكثر من خمس سنوات، تمكنت إسرائيل خلالها من ارتكاب المزيد من الجرائم والانتهاكات والمخالفات للأعراف والقوانين الدولية بحق الفلسطينيين، واستطاعت تضييق الخناق أكثر على الشعب المحتل والواقع تحت سيطرتها وسلطت سطوة قوانينها العنصرية لتهجيره وتشريده وحصاره، ووصل بها الأمر أبعد من ذلك، إذ تنصلت من كل واجباتها كسلطة احتلال، كما أن التحقيق والمحاكمة سيستغرقان سنوات أخرى، فما الذي ستقوم إسرئيل باقترافه خلال هذه المرحلة الفاصلة؟.
 
وهددت الحكومة الإسرائيلية بفرض عقوبات شخصية على كل المسؤولين في السلطة الفلسطينية بمن فيهم الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وبوقف كل الأنشطة الاقتصادية والتنموية مع السلطة الفلسطينية، في حال تم صدور أوامر ومذكرات توقيف بحق جنرالات وضباط كبار في الجيش الإسرائيلي، من الممكن أن تمنع وصول المحققين أو المسؤولين من المحكمة إضافة الى أنها لن تتعاون مع التحقيقات.
 
بدورها وصفت المؤسسات الحقوقية العاملة في الأراضي الفلسطينية المحتلة القرار "بالخطوة الصحيحة والضرورية بعد سنوات ارتكبت فيها إسرائيل - وما زالت الجرائم من دون أن يحاسبها أحد، وستستمر بممارساتها من دون رادع، فالمحكمة هي الملاذ الأخير لمقاضاة الجهات العليا المسؤولة عن تنفيذ جرائم خطيرة حينما تفشل الدولة في فعل ذلك" كما جاء في بيان مؤسسة "بتسيلم".
 
اما مركز عدالة، فقد اعتبر "التحقيق الدولي في ارتكاب جرائم حرب خطوة أولى في طريق طويل لإحقاق العدالة للشعب الفلسطيني، إذ يحمي النظام الإسرائيلي بكل مؤسساته مرتكبي هذه الجرائم ولا يحقق أو يقدم أي مشتبه به بارتكابها للمحاكمة بل على العكس يمنحهم حصانة تتيح لهم الافلات من المسؤولية والعقاب".
 
وقال المدير العام للمركز الدكتور حسن جبارين الى "النهار العربي" إن المحكمة الجنائية الدولية تعتبر الملاذ الأخير للضحايا لأنها المحكمة الوحيدة في العالم التي في إمكانها أن تقر العقاب وأن تقوم بتنفيذه بوضع المتهمين في السجن، فهذه قمة سيادة القانون الذي لا يقتصر على رفع توصية او قرار لا يمكن تطبيقه، فالجنائية الدولية في إمكانها أن تبت بلوائح اتهام بحق المتهمين وأن تدينهم وأن تقر العقاب بحقهم، وسيادة القانون لديها بمستوى سيادة القانون لأي دولة تجاه مواطينها لذلك هي مهمة جداً وقدرتها وقوتها تختلفان عن أي محكمة دولية اخرى".
 
وأشار جبارين الى أن "النيابة في تقريرها الأولي تطرقت إلى ثلاث قضايا مهمة: الحرب على غزة عام 2014، مسيرات العودة، والاستيطان، ولكن في إمكان النيابة أن توسع الحالات التي ستقوم بمعالجتها لتشمل مثلاً قضايا هدم المنازل، ومسألة التعليم، وقضية الحصار، فالأدوات الآن متاحة، وبعد التطرق لمسألة هل للمحكمة صلاحيات لمعالجة قضايا تخص الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967؟ هذا كان السؤال الجدلي، حيث أن إسرائيل غير موقعة على "ميثاق روما"... عملياً المحكمة قررت انه في الإمكان أن تتصرف وفقاً لصلاحياتها وأن تعالج هذه القضايا، كل الأمور قد تكون مفتوحة أمام النيابة كما أن من الممكن تقديم طلبات للنيابة التابعة للمحكمة الجنائية الدولية تشمل قضايا أخرى مثل احتجاز جثامين الشهداء الفلسطينيين الذين قتلوا على يد الجيش الإسرائيلي لأنه أمر مهم ويصب في خانة الميثاق الدولي لمنع التعذيب، لذلك على المحامين اختيار القضايا التي في إمكانهم من خلالها الإشارة الى المتهمين في شكل عيني لأن المحكمة الجنائية الدولية لا تحاكم دولة او الحكومة أو الكنيست أو المحكمة العليا الإسرائيلية. الجنائية الدولية تقدم أمامها لوائح الاتهام ضد أشخاص وأفراد، ولذلك هناك إمكان لاختيار ملفات الأفراد والشركاء والمجموعات الذين نفذوا هذه الجرائم معروفين، فهذا معيار لاختيار الملفات العينية التي في الامكان فتح تحقيقات فيها".
 
ولفت جبارين الى أن كل دولة يتم الإعلان عن اتخاذ قرارات تحقيق ضدها تدخل في وضعية هستيرية، وهذا طبيعي، لأنها مدركة أهمية المحكمة الجنائية الدولية، فهناك مسارات قانونية ستتبع التحقيقات مثل طلب إسرائيليين بالاسم لتسليمهم إلى المحكمة، وفي حال رفض إسرائيل تسليمهم وغادروا إسرائيل، فإنها تطلب من دول العالم تسليمهم. عملياً ليس هناك إمكان في أن تقوم اسرائيل باستئناف القرار، فالأمر اصبح محسوماً، وفي المقابل تحاول القيام بضغط سياسي دولي على المحكمة من طريق الولايات المتحدة واللوبي الدولي، فتشكيل الضغط على المحكمة قد يكون بعد انتهاء ولاية بنسودا وفترة الأشهر المتبقية لها لن تكفي لتقديم لوائح اتهام، وعندما يبدأ المدعي العام الجديد كريم خان ولايته سيقرر اذا ما كان سيتم فتح التحقيق حالياً أو قد يمتد التحقيق لسنوات طويلة، لذلك الوضع الحالي هو رهينة للتأثير السياسي الدولي على نيابة المحكمة، علماً أنها المرة الأولى التي يتم فيها فتح تحقيق دولي بحق دولة موالية للأنظمة الغربية، فيما أغلب التحقيقات التي أجريت كانت ضد دول في العالم الثالث أو دول أفريقية.
 
ويخلص جبارين الى أن المخاوف هي سياسية للضغط على المحكمة، لأن الوضعية القانونية الآن أصبحت واضحة، من ناحية الاستمرار في التحقيق واستنفاد كل الخطوات لتقديم لوائح الاتهام، ولا يوجد إمكان لإغلاق كل الملفات، حتى لو ادعت النيابة أنها لم تتمكن من جمع الأدلة خلال التحقيقات في الملفات كافة، لأن هناك وقائع وحقائق واضحة في قضايا عديدة، حتى لو اقتصر الأمر على قضية أو اثنتين او ثلاث في الصعوبات لجمع الأدلة، لكن من المستحيل أن يفهم العالم أن في كل الملفات هناك استحالة في جمع الأدلة والوقائع، لذلك على المؤسسات الحقوقية والضحايا الذين ما زالوا أحياء الاستنفار وتشكيل ضغط على المحكمة لتنفيذ بنود القانون".
 
 
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم