إعلان

كيف حوّل نتنياهو إسرائيل دولةً للمتشددين؟

المصدر: النهار العربي
فلسطين- مرال قطينة
يهود متشددون
يهود متشددون
A+ A-
"يجب وضع اليهود المتشددين ونتنياهو على عربة ورميهم في مكب النفايات"، هذا ما صرح به زعيم حزب "إسرائيل بيتنا" افيغدور ليبرمان، قبل شهرين في خضم الحملة الانتخابية التي سبقت الانتخابات الرابعة التي شهدتها إسرائيل خلال عامين.
 
ليس في إسرائيل من هو أشد بغضاً للمتدينين المتشددين من ليبرمان أو يائير لابيد، فهما يعتبران اليهود المتشددين (الحريديم) بمثابة قنبلة موقوتة داخل المجتمع الإسرائيلي المركب، إلا أن بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي الأطول بقاءً في المنصب في تاريخ إسرائيل، تمكن من احتواء المتشددين اليهود وحوّلهم الى حلفاء دائمين داعمين لأي حكومة يكلف بتشكيلها او إئتلاف يجمعه، وهو أدرك مبكراً أنهم من أوصله الى السلطة وهم مفتاحه الأوحد للبقاء فيها. وحتى أن القائمين على استطلاعات الرأي التي تسبق الانتخابات باتوا يحسبون الأحزاب الدينية المتشددة في شكل مباشر ضمن أي ائتلاف سيشكله نتنياهو ودائرة ولائه.
 
بدأت قوة الحريديم السياسية تزداد في السنوات الماضية تحديداً خلال فترة حكم نتنياهو، وشكلو أحزاباً ذات نفوذ كبير في الكنيست وداخل مؤسسات الدولة، فالحريديم الغربيين (الاشكنازيم) تمثلهم أحزاب كتلة يهودية التوراة، والحريديم الشرقيين (السفارديم) يمثلهم حزب شاس، كما أثبتوا في العقدين الماضيين أن لا حكومة ثابتة من دونهم وأصبح تحالفهم مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تاريخياً، فهم يشكلون 10 في المئة من أصحاب حق التصويت، وحققوا 17.8 مقعداً في الكنيست في الانتخابات التشريعية الاخيرة، كما أنهم لم يعودوا بيضة القبان، التي تحدد فوز تيار على الآخر، بل باتوا في صلب اليمين المتطرف، إذ إنهم يشكلون ما يقارب 40 في المئة من اجمالي المستوطنين في الضفة الغربية.
 
 
 
يشعر المتدينون بقوة نتنياهو أو كما يدعونه "بيبي"، ويثقون به ويعتقدون أنه الأجدر لقيادة إسرائيل. استطاع نتنياهو خلال سنوات حكمه كسب أصوات الطبقات العاملة والفقراء من اليهود المتدينين الشرقيين والغربيين على حد سواء، على الرغم من أنه ينتمي الى عائلة يهودية أشكنازية إلا أنه لطالما استمد قوته من أولئك، بعد أن أظهر لهم كرهه وبغضه للنخب القديمة من اليساريين الذين قادوا إسرائيل يوماً بخاصة من وقع منهم (إتفاق أوسلو) الشهير.
 
بعد فشله في البقاء في منصب رئاسة الوزراء في المرة الأولى، أمضى نتنياهو ما يقارب العشر سنوات من عمره في تكوين فلسفته الخاصة لاستعادة موقعه كزعيم أوحد في إسرائيل "بيبي ملك اسرائيل"، وعليه أن يقود دولة يهودية صغيرة "محاصر بالأعداء العرب"، كما أن عليه مواجهة طريقة التفكير التي انتجت الاتفاق الشهير مع الفلسطينيين، رابين - بيريز - ليبكين شاحاك، لم يمنعه أي شيء من التحريض ضد جنرالات الجيش الإسرائيلي الذين اعتبرهم ونظر اليهم على أنهم رجال رابين، وأنهم يمثلون نخبة المؤسسين، لذلك عاملهم باحتقار، فقد تربى نتنياهو داخل أسرة يمينية متشددة، ووالده بن تسيون نتنياهو مؤرخ مغمور لم تلقَ افكاره رواجاً طوال أعوامه المئة.
 
كان على نتنياهو دائماً تذكير نفسه أن إسرائيل لم تكن مهيأة لأفكاره أو سياساته وأنها ليست البيئة المثالية، لذلك استعد جيداً، وزحف بطريقة ماكرة نحو المنصب وغيّر من تكتيكاته، وكان أولها تحجيم الجنرالات وإحكام قبضته على المؤسسات الأمنية بتعيين جنرالات يلوذون بالصمت أمامه وعدم انتقاده، وبعد انخفاض نسبة التجنيد في المجتمع الإسرائيلي من قبل العلمانيين اتجه نتنياهو الى المتدينين وتمكن من رفع نسبتهم في وحدات المشاة الى ما يقارب 40 في المئة بعد أن كانت أقل من 3 في المئة، وقام بتعيين ميري ريجيف ذات الأصول اليهودية المغربية وزيرة في حكومته وبذلك ضمن أصوات اليهود الشرقيين المتدينين والمحافظين، كما عيّن نفتالي بينت وزيراً وهو متدين راديكالي يعتبر "تعلم اليهودية أهم من تعلم الرياضيات"، وبذلك ضمن أصوات المتطرفين الراديكالين. ومن ثم عيّن ايليت شاكيد وزيرة للعدل من أجل تعيين قضاة موالين له في المحكمة العليا.
 
 
 
 
 
اتبع نتنياهو سياسة زيادة الاستيطان في الضفة الغربية وبذلك ضمن تحالف المستوطنين ورؤساء المجالس الاستيطانية دعماً لحكومته، ومنح المتشددين السيطرة الكاملة على اللجنة المالية في الكنيست الذين استغلوها في تطوير الأحياء والمدارس والكليات الدينية وضَمن ولاءهم اللامحدود، واتبع سياسة التهويل والكثير من الإسراف في التعابير بشأن "البرنامج النووي الإيراني" والخطر القومي الذي يشكله كتهديد وجودي لإسرائيل، والمبالغة في تصوير الأخطار الأمنية من أجل استدعاء الخوف والرعب في المجتمع الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين و"حزب الله" اللبناني وسوريا وإيران، وفرض سيطرته على الإعلام المرئي والصحف واتجه لسياسة كم الأفواه وقمع الحريات، كما دعم الأحزاب اليمينية المتطرفة الصغيرة وساهم في أن تصبح أشبه بميليشيات مسلحة يتم استدعاؤها للقتل والتدمير وتخويف العرب، وتعامل مع الفلسطينين "انهم شعب غير قائم" وأنهم "أمة صنعها العالم العربي بهدف القضاء على إسرائيل"، كما جاء في كتابه "مكان تحت الشمس" وهو كتاب يحتوي على الأفكار والنظريات التي تربى عليها وورثها عن والده، لذلك ظهر جلياً من خلال سياساته التي اتبعها طوال سنوات حكمه بمعارضته قيام دولة فلسطينية "لأمة خيالية" وأن هناك شعباً واحداً فقط هو "الشعب اليهودي" وشدد على أهمية التعامل معهم بالقوة لأنهم لا يفهمون غيرها، فتمكن من خلال هذه السياسات المتطرفة من قلب المزاج السائد في إسرائيل باتجاه اليمين واليمين المتطرف والاحتفاظ بالسلطة لأطول فترة ممكنة، لكن أكثر ما يثير في حكم نتنياهو هو تمكنه من تحويل اليساريين في إسرائيل الى متهمين بسبب أفكارهم ومعتقداتهم ومن ثم الى أعداء وبالتالي تخوينهم.
 
تقول اوشر سينور وهي صحافية متدينة سابقاً في مقال نشرته في "هآرتس" العبرية "إن ليس للحريديم أي مصلحة أيديولوجية مع اليمين أو مع نتنياهو، لا يوجد في قاموسهم يمين أو يسار، لديهم فقط الله القدوس والتوراة. وبالرغم من انسياقهم باتجاه اليمين في السنوات الأخيرة، قد يكون ذلك لأن نتنياهو فهم أن الحريديم قد لا يكونون عبئاً، بل هم رصيد سياسي يمكن الاستفادة منه، فقد حرص على زيادة عزلتهم الاجتماعية، ومن المستحيل أن نتجاهل حقيقة أنه قام بتعميق الفصل والتمزق داخل المجتمع الإسرائيلي، مستغلاً الخلافات الدينية حول مشروع الدولة، وجعل منهم اعداءً للشعب، بحيث لا يكون لهم من مفر للخروج من هذا التصنيف سوى نتنياهو، وبعد سنوات من تشكيل الأحزاب المتشددة جسداً واحداً مع نتنياهو، والتي كانت بمثابة الجدار الدفاعي الذي يستند عليه، بقي المتشددون وحدة واحدة مع نتنياهو، ولطالما اعتقدوا انه لا بديل لهم عنه".
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم