إعلان

في 4 آب المشؤوم: نادل مقهى "لو غراي" أنقذ حياتي... ونبذت الطبقة الحاكمة من بعدها!

المصدر: النهار العربي
روزيت فاضل
انفجار مرفأ بيروت
انفجار مرفأ بيروت
A+ A-
منذ بداية الحرب اللبنانية العام 1975، أعلنت الطبقة الحاكمة والفاسدة، الحكم علينا، نحن جيل الحرب، أن نعيش الويلات في الملاجئ مع أهلنا، مع فارق أننا كنا في حينها ننعم ببحبوحة مالية، إذا ما قارناها باليوم، إضافة الى أننا كنا نقصد بسهولة المصارف لسحب أموالنا منها متى نشاء.
 
شاءت سخرية القدر أن نعيش كجيل حرب خسر أحلامه خلال مرحلة الشباب في فترات حماسة كنا على يقين تام أننا نقاوم الاحتلالات، ما أعطانا دفعاً للصمود في الملاجئ.
 
بالنسبة إليّ، كانت لهذه الفترة حسنة واحدة وأساسية أننا كنا ندرس في المدرسة لفترات متقطعة بسبب الحرب، وهذا شكل لي عنصر فرح لأنني لم أكن أحب كثيراً المدرسة، رغم أنني كنت أحصل على علامات جيدة في المواد الأدبية، وضعيفة جداً في المواد العلمية...
 
توالت في مخيلتنا أحلام قيامة وطن، وهذا ما عززه عملي في ملحق "نهار الشباب" وتعاطيّ اليومي مع جبران تويني وفريق عمل الملحق. كل شيء كان مقبولاً في حينه لأننا كنا نسجل محطات نضالية في وجه الاحتلال، وهذا كان يرضي طموحنا.
 
المشهد إختلف اليوم كلياً. خسرنا الجولات كلها والمعركة غير متكافئة بين جيلنا وأحلامه المتكسرة وهذه الطبقة، التي باعتنا، وتمكن أربابها بوقاحتهم من العيش ببذخ مهين لنا جداً.
 
يكفي أن تتابع وسائل التوصل الاجتماعي لتتعرف إلى أنماط عيش هذه الطبقة الحاكمة لا سيما من خلال وقاحتهم في تنظيم أعراس مكلفة جداً -تفوق الخيال وتشبه بتفاصيلها خرافات من وحي ألف ليلة وليلة- لأولادهم. لا شك في أنهم تعدوا بترفهم الوقح النمط الفاحش، الذي رافق نمط حياة الملكة ماري أنطوانيت.
 
لم يكن في الحسبان أن يتزامن يوم إطلاق موقع "النهار العربي" في 4 آب (أغسطس) 2020 مع إنفجار عنبر النيترات في مرفأ بيروت ليغتال المدينة وناسها.
توجهت الى مقهى فندق "لو غراي" لإعداد موضوع لإنطلاقة العدد. بعد الإنتهاء من المقابلة، قررت مغادرة المكان عندما جاءني النادل النبيل والخلوق في المقهى قائلاً: "ألم تلاحظي هذا الدخان الأبيض الصاعد من المرفأ...".
 
في الحقيقة، لم ألاحظ هذا الأمر لأنني كنت أهم في مغادرة المقهى والتوجه لأخذ المصعد في مبنى "النهار" لإكمال عملي. توقفنا أنا والنادل ومن أجريت المقابلة معه لنتابع تصاعد هذا الدخان، الذي تحول بثوانٍ قليلة جداً الى كتلة برتقالية "مخيفة" توجهت إلينا أمام باحة المقهى...
 
لم أكن على يقين بما حدث سوى أن هذه الكتلة قذفتني الى وسط المقهى، وأوقعتني على الأرض، التي امتلأت بالزجاج وسط غبار أبيض كثيف جداً... خشيت جداً على سلامة من أجريت معه المقابلة، الذي أجابني بعد السؤال عنه أنه أصيب ببعض الجروح الطفيفة، من آثار الإنفجار...
 
أما أنا فلم أصب إلا بوجع مؤلم جداً في أسفل رجلي اليمنى وبعض الجروح الطفيفة في يديّ...
 
خرجنا أنا ومن أجريت معه المقابلة من الباب الخلفي للفندق لنرى ساحة تشبه ساحات أفلام المعارك والغزوات، التي نراها في أفلام الحروب العالمية...
 
جرحى على الأرض يئنون من أوجاع الجروح والإصابات. مشهد سوريالي وحقيقي يشبه أفلاماً خيالية. نظرت الى واجهة مبنى جريدة "النهار" لأجده مدمراً.
 
سمعت أصوات استغاثة من حولي لا سيما من سيدة تطلب مساعدتها أصيبت وزوجها بجروح وهو لا يرد عليها...
 
كان عليّ الاطمئنان على كل من عائلتي في الأشرفية وزملائي في الجريدة... بدأنا نتصل ونحن في طريق العودة، والغيمة البرتقالية تتقدم بصوت موحش جداً في سماء بيروت...
 
وصلت الى منزلي في الأشرفية لأرى أن الجميع بخير مع فارق أن الأبواب الداخلية والنوافذ والواجهات الزجاجية وباب المدخل تكسرت كلياً، وهذا ما جرى لغالبية المنازل في الأشرفية...
 
بعد حادثة 4 آب (أغسطس) 2020، تملّكني غضب كبير بعد إصابة بعض الزملاء في الجريدة والأضرار الكبيرة جداً في مباني "النهار". شعرت بأن الطبقة الحاكمة سخرت منا نحن جيل الحرب، الذي أعتقد أن البعض ممن توالوا على الحكم هم أفضل من سواهم.
 
بعد انفجار مرفأ بيروت، أدركت تماماً أننا وقعنا رهائن طبقة حاكمة تعيش إنكار الواقع المزري اليوم، الذي نعيشه، على أمل أن تولد طبقة أخرى مسؤولة وقابلة لتسلم مسؤولياتها تجاه شعبها ... فهل هذا سيتحقق قبل خريف حياتنا؟
 
Twitter:@rosettefadel
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم