إعلان

خرائط متباينة وخلافات في مفاوضات الترسيم بين لبنان وإسرائيل

المصدر: النهار العربي
موريس متى
قوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان "يونيفيل"
قوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان "يونيفيل"
A+ A-
إنتهت ظهر الخميس الماضي، الجولة الثالثة من مفاوضات ترسيم الحدود غير المباشرة بين لبنان وإسرائيل في مقر قوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان "اليونيفل" في الناقورة. جولة "تقنية" بين الوفدين في حضور الوسيط الاميركي ورعاية الامم المتحدة كسرت مدة انعقادها رقمي الجولتين الأولى والثانية، فاصبحت الاطول بعد ما دامت 3 ساعات ونصف الساعة متجاوزة الوقت المحدد لها بساعتين. 
 
يسعى لبنان لإنهاء ملف ترسيم حدوده الجنوبية البحرية واستعادة الرقعة المتنازع عليها والتي تحتوي على ثروات نفطية هائلة، وهي القريبة جداً من حقلي تانين وكاريش في المياه الاسرائيلية، حيث أطلقت تل ابيب حملة استكشاف إسرائيلية جديدة في صيف 2020 على البلوك 72 المتاخم للحدود البحرية اللبنانية، وتحديدا على حدود البلوك اللبناني رقم 9، والتي فازت بالعمل عليه شركات توتال الفرنسبة وايني الإيطالية ونوفاتك الروسية، ضمن تحالف تكون فيه شركة توتال الشركة المشغلة، وذلك في دورة التراخيص الاولى التي أنجزها لبنان. 
 
في الشكل، خرج موقف الامم المتحدة، وبكل دبلوماسية ليؤكد ان المحادثات في الجولة الثالثة من المفاوضات التي إستمرت لساعات بهدف الوصول الى حل النزاع اللبناني – الاسرائيلي حول الحدود البحرية، انها كانت "بناءة"، وتعقد طاولة المفاوضات في جولتها الرابعة مجددا في 11 تشرين الثاني (نوفمبر) 2020. أما في المضمون، فالامور تحمل الكثير. الجولة الثالثة من المفاوضات حول ترسيم الحدود البحرية بين لبنان واسرائيل، لم تتمكن من تقليص حجم الخلاف بين الوفدين اللبناني والاسرائيلي، حيث بقي التصلب سيد الموقفن والخلاف عمودي حول تحديد نقطة انطلاق الترسيم من البر.
 
المفاوضات غير المباشرة تنطلق حول نقطة الفصل بين البر والبحر والتي تعد من أبرز نقاط الخلاف والتي يترتب عليها تبعات في الترسيم البحري. فقد حدد لبنان هذه النقطة عند منطقة رأس الناقورة وفقا للقوانين الدولية ولدراسات الجيش اللبناني وهي لا تتطابق مع النقطة المحددة من قبل إسرائيل. وأشارت معلومات عن ان طرفي التفاوض قدما خريطتين متعارضتين تُفصّلان الحدود المقترحة، وزادتا في الواقع مساحة المنطقة محل النزاع. فالاقتراح اللبناني يمد الحدود أكثر باتجاه الجنوب مقارنة بـ"الحدود" التي عرضتها بيروت على الأمم المتحدة في السابق، فيما الخريطة الإسرائيلية دفعت الحدود صوب الشمال لما هو أبعد من موقف إسرائيل الأصلي. فالمفاوض الإسرائيلي، يسعى لاعتماد الخط الازرق البحري المحدد في البحر من قبل اسرائيل والمنطلق من نقطة براً هي من ضمن 13 نقطة يعتبرها لبنان محتلة، ما سيؤدي حتما، في حال إعتماده، الى اقتطاع كامل المنطقة المتنازع عليها ومساحتها 860 كيلومتر مربع. 
 
أما الوفد اللبناني، فتشير المعلومات الى انه أبلغ الوسيط الأميركي ان الانطلاق يجب ان يكون من رأس الناقورة حسب اتفاقية Paulet-Newcombe Line، مع اتباع خط الوسط بحراً، وبالتالي استرجاع ما بين 32 و 50 متراً تعتبر محتلة عند رأس الناقورة, ما يجعل لبنان يكسب اضافة الى مساحة 850 كيلومترا مربعا ما يقارب 1430 كيلومترا مربعاً، اي ما مجموعه 2280 كلم مربعاً. ويعني ذلك حتماً ان لبنان يطالب بجزء من حقل كاريش الذي بدأت اسرائيل التنقيب فيه ويبعد 4 كلم عن البلوك رقم 8 اللبناني و7 كلم عن البلوك رقم 9. فترسيم الحدود البحرية سيتم، وبالنسبة إلى الجانب اللبناني، على أساس الخط الذي ينطلق من نقطة رأس الناقورة براً والممتد بحراً تبعاً لتقنية خط الوسط من دون إحتساب أي تأثير للجزر الساحلية المتواجدة في المياه الاسرائيلية، وذلك إستنادا إلى دراسة أعدتها قيادة الجيش اللبناني وفقا للقوانين الدولية. 
 
أمام هذا التباين في المواقف، أبلغ الوفد الإسرائيلي، الوفد اللبناني عبر ممثل الامم المتحدةن رفضه للرؤية اللبنانيةن ما دفع بالوسيط الأميركي للمسارعة إلى تقديم طروحات قد تساعد في حل هذه العقدة الجوهرية من دون معرفة مضمون الاقتراحات الجديدة، والتي بقيت قيد الكتمان. فالحصول على معلومات من داخل قاعة التفاوض، او حتى من أعضاء الوفد اللبناني المفاوض صعب جدا، حيث كانت أكدت قيادة الجيش اللبناني التزام رئيس وأعضاء الفريق المفاوض التام والكلي بتعليماتها، لجهة عدم التصريح أو تسريب أي معلومات حول جلسات التفاوض، فيما المعلومات الرسمية المتعلقة بجلسات التفاوض تصدر حصراً عن قيادة الجيش.
 
إنطلاقاً من بعض المعلومات، يسير التفاوض في شكل دقيق استنادا الى خرائط طوبوغرافية وضعت على طاولة المفاوضاتن مع إصرار الوفد اللبناني ايضاً على إعتماد قانون البحار، القانون الدولي لحل هذا النوع من النزاعات، فكل سنتيمتر على الارض له انعكاساته كيلومترات مربعة في البحر. فلبنان، رفض في السنوات الماضية السير بالإقتراحات التي قدمت اليه ومنها ضمن المبادرة الأميركية في عام 2011 التي تنطلق من خط Hoff والتي تقوم على تقسيم الـ 860 كلم 2 المتنازع عليها بمقدار 55% للجانب اللبناني و45% للجانب الإسرائيلي. ولا يخفى على احد صعوبة المهمة الموكلة إلى الوفد اللبناني المفاوض، فيما أت العديد من التوصيات المساندة لموقف لبنان لتؤكد أن إعتماد قانون البحار الصادر عن الأمم المتحدة يعزز الموقف اللبناني، خصوصاً وان لبنان كان وقّع على هذا القانون ـ 
 
أما إسرائيلن فإعتمدت مبادئ هذا القانون لحل نزاعها البحري مع قبرص، وصولاً الى ترسيم حدودها البحرية مع الدولة الاوروبية، ورغم انها لم توقع عليه، فإن اعتمادها القانون يلزمها الاعتراف به، وبنتائج ما قد يأتي من تطبيقه لحل النزاع اللبناني – الاسرائيلي. فهذا القانون يدعم بالتطور التكنولوجي والانظمة التي اصبحت متاحة لتحديد النقاط البحرية على علو لا يخطىء حتى بعض السنتيمترات، ما يخفض حكما هامش الخطأ، ويأتي في الحالة اللبنانية – الإسرائيلية لصالح موقف الوفد اللبناني المفاوض. ولا بد من التذكير، بأن قيادة الجيش اللبناني أعدت دراسة استناداً الى القوانين الدولية لا سيما اتفاقية قانون البحار لعام 1982 وفي حال إنجاز هذه المهمة بنجاح، تكون الطريق قد عُبدت أيضاً لنجاح المفاوضات مع قبرص لترسيم الحدود البحرية اللبنانية – القبرصية. 
 
من النقاط الخلافية التي تشهدها هذه المفاوضات أيضاً، ما يزعمه الوفد الاسرائيلي المفاوض عن جزر "تخيليت" والتي يؤكد انه يجب الانطلاق منها لترسيم الخط البحري. فلبنان لا يريد اخذها بالاعتبار في الترسيم البحري لانها صغيرة وغير مأهولةن وذلك استنادا الى قانون البحارن فيما اسرائيل تريد العكس. ويُصر لبنان على ان ما يوجد في البحر ما هو إلا نتوءات صخرية لا أكثرن وليس جزر. والمقصود بهذه الجزر هو صخرة تخيليت التي تعتبرها تل ابيب جزيرة ويبلغ طولها 70 متراً وعرضها 40 مترا وهي غير مأهولة وتقع على مسافة 1800 متر جنوب نقطة رأس الناقورة وعلى مسافة 1000 متر من البر. وإستنادا الى القوانين الدولية، لا يمكن إعتبار "تخيليت" جزيرة لكونها غير مأهولة والمياه تغمرها طوال فصل الشتاء. 
 
وإنطلاقا من ورقة بحثية عمل عليها معهد عصام فارس مطلع 2020 مع الخبير الدولي في شؤون الطاقة رودي بارودي وتناولت النزاعات البحرية شرقي المتوسط، يأتي الاستناج من هذه الورقة أنه يحق للبنان أكثر مما يعرض عليه كحلول وسط أو خطوط تسووية. 
 
في كل حال، يفصلنا عن الجولة الرابعة من المفاوضات أكثر من 10 ايام وهي فترة تسمح لجميع الاطراف المشاركة في هذه المفاوضات تقييم الطروحات المقدمة وعلى رأسها الأميركية، للعودة الى طاولة المفاوضات في مقر اليونيفيل في رأس الناقورة في 11 تشرين الثاني (نوفمبر) 2020. 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم