إعلان

"حزب الله" حجر شطرنج في اللعبة بين أميركا وإيران... ماذا عن لبنان؟

المصدر: "النهار العربي"
روزيت فاضل
لعبة الشطرنج الدولية بين إيران وأميركا
لعبة الشطرنج الدولية بين إيران وأميركا
A+ A-

تخطئ الطبقة الحاكمة في لبنان ومناصروها إذا اعتقدوا أن السياسة الأميركية في عهد الرئيس جو بايدن ستعالج الملفات وفقاً لمصالحهم الخاصة وأولوياتهم، من دون أن يمر ذلك في "مرمى" أي من حلفاء اليوم وأخصام الأمس. ولا شك أيضاً في أن تعاطي أميركا مع "حزب الله" مرتبط مباشرة بردّ فعل إيران على ما ستقترحه أميركا من حلول للملفات العالقة بين البلدين منذ عهد دونالد ترامب. 

 

هنا قراءة سياسية لعهد بايدن تجاه لبنان و"حزب الله" والحكومة اجراها لـ"النهار العربي" كل من رئيس معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية في الجامعة الأميركية في بيروت الدكتور جوزف باحوط، والكاتب وأستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في الجامعة الأميركية في باريس الدكتور زياد ماجد.

 

بالنسبة إلى باحوط، "المشهد الكبير في العهد الجديد في أميركا ما زال خاضعاً للتفكير في ما خص الملف الإيراني، وهو يتكامل في رسم أولويات التفاوض وفقاً لمصالح الولايات المتحدة قبل أن يفتح مسار هذه المفاوضات مع إيران على قاعدة ترتيب شؤون المنطقة ومجمل أمورها".

 

أميركا ستتعامل مع مشاكل العالم والمنطقة وفق مصالحها أولا و"هي ستدرج أي حل في اليمن، مثلاً، وفقا ًلأولوياتها قبل أي شيء آخر"، يقول باحوط. 

 

"حزب الله"

ويشير باحوط الى أن "إدارة بايدن، كما سابقتها، لا تملك أي تواصل مباشر مع "حزب الله" المدرج على لائحة الإرهاب، وهو أمر محسوم يندرج في سياق نظرة أميركا الى الحزب باعتباره منظمة إرهابية"، معتبرا أن " قضيته ملتصقة" عضوياً بإيران، وهو يندرج في الملف الإيراني أسوة بالملفات المطروحة اليوم للمعالجة في العهد الجديد في الولايات المتحدة مع ملفات العراق وسوريا ولبنان واليمن. لكنه يعتقد أنه "يمكن للولايات المتحدة أن ترسل رسائل غير مباشرة الى الحزب مثلاً، أو الطلب من حلفائه الضغط عليه خلال مسار إدارتها للملف".

 

ماذا عن العقوبات؟ يجيب باحوط بأن "العقوبات تصدر وفقاً لقانون صادر عن الكونغرس"، مشيراً الى أنه "لا يمكن لأي إدارة المسّ بهذا القرار لأن الإدارة على يقين بأنه يمكن أن يساهم في الوصول الى شيء ما".

 

وكيف ستقارب ادارة بايدن فعلياً الملف الإيراني؟ في رأيه، "ستتناول الإدارة الأميركية الجديدة الملف الإيراني بشقيه: الأول الملف النووي، ويرجح أن يحيي عهد بايدن الاتفاق الذي دفنه الرئيس السابق دونالد ترامب، مع إرفاقه بإضافات هامشية....

 

أما الملف الثاني مع إيران فيصب في طرح تساؤلات عدة عن آلية تعامل الولايات المتحدة مع دورطهران في المنطقة والسياسات التي يجب تبينها في كل من إيران، سوريا، العراق واليمن".

 

ويشدد أيضاً على أن "الإدارة الجديدة وضعت هذين الملفين في إطار عملها"، مشيراً الى أنها "تدرس آلية التفاوض مع إيران وتقنيات الطرح، أي تتعمق في ترتيب الأوراق وعدم خلطها لكي تصبّ دائماً في مصلحتها". ويضيف: "من المهم أن تدرس الإدارة الجديدة التوقيت المناسب لطرح أي من الملفين، كي لا ترى نفسها أمام أي تنازل ممكن لمصلحة إيران، بل أن تعيد التفاوض مع إيران لدفعها للاستجابة لمطلبها وشروطها في هذا الملف".  

 

المبادرة الفرنسية

"حزب الله هو حجر في لعبة الشطرنج في العالم"، يقول باحوط. ويلفت الى  أن "تسهيل مسار الملف الكبير يقتضي ربما التشدد مع "حزب الله، أو التساهل، وهذا يترجم وفقاً للاتفاق الواسع في المنطقة وينعكس في قسم كبير على النفوذ الإيراني – الأميركي فيها". ويتوقع باحوط أن "تتعاطى إيران، ربما بطريقة ملتوية، أو أن يتم التفاوض بين البلدين وفقاً لميزان القوى، ما يرجّح صعوبة التنازل طوعاً عن أي من المكتسبات الراهنة على حد سواء".

 

ويرى أن المبادرة الفرنسية تجاه لبنان جاءت "كمسعى داعم لتمرير الوقت في انتظار تبلور هذا الأفق، أي أفق التفاوض"، مشيراً الى أن "المسؤولين اللبنانيين مطالبون بالتحرك داخلياً من أجل لبنان قبل التعويل على الخارج".

 

بايدن و"حزب الله"

أما ماجد، فيرى أن من "أولويات إدارة بايدن في السياسة الخارجية الملف الإيراني. ويبدو من خلال التعيينات الجديدة في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية ووكالة الاستخبارات أن أكثر من شخص عملوا في إدارة أوباما على التفاوض مع إيران وعلى ملفها النووي عادوا لتسلم مراكز حساسة". ويوضح: "لكن معظمهم، وبخاصة وزير الخارجية، يدركون أن الظروف اليوم تبدلت وأن التفاوض مع إيران يتطلب مقاربة أشمل من تلك التي اعتُمدت أيام أوباما. وهم ذكروا أمام الكونغرس وفي عدد من التصريحات أن أمامهم ثلاث مسائل في أي تفاوض مقبل مع طهران: الشأن النووي والعودة الى الاتفاق والكف عن أنشطة تخصيب اليورانيوم، ملف الصواريخ البالستية ووقف تطويرها، دور إيران في المنطقة وتدخلها في العراق وسوريا واليمن ولبنان. وهذا يعني أن الاتفاق هذه المرة، إن حصل، فسيشمل ملفات وقضايا أكثر من المرة الماضية، ويقابله من الجهة الأميركية رفع تدريجي للعقوبات الاقتصادية وللحظر التكنولوجي المفروض على الإيرانيين".

 

"يدرك الأميركيون أن إيران في وضع أصعب حالياً مما كانت عليه أعوام 2013 و2015 خلال المفاوضات التي أفضت الى الاتفاق السابق. ذلك أن اقتصادها متضرر كثيراً من العقوبات ومن تراجع أسعار النفط ومن آثار أزمة كورونا. كما أن دورها في المنطقة تعرض لانتكاسة في العراق بسبب الانتفاضة الشعبية في المناطق الشيعية تحديداً ضد حلفائها، وبسبب اغتيال قاسم سليماني، ووضعها في سوريا صار عُرضة لمساومات مع موسكو التي باتت صاحبة الكلمة الفصل بعد عام 2016 حين بدأت آثار تدخلها العسكري تظهر تباعاً في حلب ثم في الجنوب وفي غوطة دمشق". يضيف ماجد.

يضاف الى ذلك، في رأيه، أن الانهيار المالي والاقتصادي في لبنان يقلص هامش تحرك حليف طهران الأبرز في المنطقة، "حزب الله"، ولو أنه يظل الأقوى لبنانياً. والمطلوب منها بالتالي أميركياً في هذا الباب الضغط على الحزب وتحجيمه وسحبه من سوريا وإخضاعه لمعادلة لبنانية جديدة لا تستثنيه ولكن لا تُتيح له البقاء كطرف مسيطر".

 

أما إيران، "فمن جهتها تريد التفاوض لتجنب المزيد من الاختناق الاقتصادي ومن الاضطرابات الداخلية بسبب ذلك. كما أنها تعي أن ثمة حصاراً لها وأن إسرائيل باتت أقرب الى حدودها بعد التطبيع مع الإمارات والبحرين".

 

ويضيف:"أظنها جاهزة للقبول بالشروط الأميركية النووية والبالستية مع محاولة لتحسين بعض الشروط والحصول على ضمانات ورفع سريع لبعض العقوبات، لكنها غير جاهزة للتخلي عن نفوذها الإقليمي، و"حزب الله" هو ركن أساسي من أركان سياستها في المنطقة ويصعب أن تضغط عليه أو أن تحجمه في المدى المنظور. كما أن انتخاباتها الرئاسية المقبلة قد تكون محل تجاذبات مؤثرة لبلورة سياساتها الخارجية الجديدة. وكل هذا يعني أن الملف سيكون شائكاً".

 

قضية تشكيل الحكومة

ويرى ماجد أنه "لا شك في أن تشكيل الحكومة في لبنان مرتبط بالتطورات من حولنا، وبالضغوط والشروط والشروط المضادة بين طهران والرياض وواشنطن بخاصة، وما يعنيه الأمر من الخروج من مبدأ انتظار ما سيحدث بين طهران وواشنطن الذي يدفع "حزب الله" لتفضيل الستاتيكو على أي تبدل لا يضبط إيقاعه بالكامل". ويقول: "لكنني أعتقد أن للمسائل الداخلية أيضاً وللحسابات الطائفية وللبحث عن تكريس أو تعديل موازين القوى بين الكتل الأساسية المشاركة في الحكم دوراً مهماً في عرقلة التشكيل والإبقاء على تصريف أعمال لا تغييرات سياسية في ظله".

 

يضاف الى ذلك، في رأيه، أن "الوضع المصرفي والانهيار المالي والبحث عن صيغ تفاوض مع المؤسسات الدولية تخضع لاعتبارات عديدة، بحُكم الأموال الضخمة المودعة في القطاع المصرفي وأصحاب الكتل الأكبر فيها ورعاتهم وشركائهم أو حماتهم داخل الطبقة السياسية، مايدفع هؤلاء للاستقتال بهدف التحكم بالأمور أو على الأقل عرقلتها إن لم تسر وفق مصالحهم".

 

ويلفت الى عاملين إضافيين يعقدان الوضع، "الأول هو تدني كفاءة المسؤولين عامة وضيق أفقهم ومخيلتهم السياسية التي لا تساعد أصلاً على إيجاد الحلول، بمعزل حتى عن مصالحهم المباشرة التي ذكرنا بعضها والثاني هو أزمة النظام البنيوية في ما خص "ديموقراطيته التوافقية" التي بات الكثير من خصائصها غير صالح لإدارة الحكم وحل الإشكالات التي تطرأ عليه لأسباب عديدة، بعضها مرتبط بالقوى السياسية نفسها وتحالفاتها وعقليتها الإقصائية، وبعضها الآخر على صلة بالقسمة المذهبية الطائفية التي تكرّست في العقود الأخيرة والتي حل فيها مبدأ التعطيل مكان مبدأ الوصول الى التسوية، واتّجهت خلالها الصيغة اللبنانية المنبثقة من "الشراكة المسيحية المسلمة" الى التنافر "المسيحي السنّي الشيعي".

 

ويخلص الى أن "من المرجح أن تتواصل الأزمات وتتكرر التوترات في المرحلة المقبلة على وقع المزيد من الانهيارات المالية والاقتصادية والطوارئ الصحية".

 

 

 

الكلمات الدالة