إعلان

كيف تعرقل الدّعاوى وضعف القضاء مسار التّحقيق في انفجار مرفأ بيروت؟

المصدر: أ ف ب
مرفأ بيروت بعد الانفجار
مرفأ بيروت بعد الانفجار
A+ A-
غرق التحقيق في انفجار مرفأ بيروت في متاهات السياسة، ثم في فوضى قضائية بعدما حاصرت 18 دعوى عمل المحقق العدلي طارق البيطار منذ تسلمه الملف، تقدم بمعظمها مسؤولون مُدعى عليهم، وأحدثت شرخاً داخل الجسم القضائي. 

واليوم الخميس، جرى تعليق التحقيق الذي يقوده بيطار للمرة الرابعة، إثر تبلّغه دعوى مقدمة ضده من نائبين مدعى عليهما كانا يشغلان منصبين وزاريين. 

ويُندّد ذوو الضحايا ومنظمات حقوقية بمحاولات عرقلة الوصول الى العدالة في انفجار يُعد أحد أكبر الانفجارات غير النووية في العالم، وتسبب بمقتل 215 شخصاً على الأقل وإصابة 6500 آخرين، فيما يبدو مصير التحقيق ضبابياً، ويخشى خبراء قانونيون أن يكون الهدف من عرقلة عمل البيطار دفعه الى التنحي.

ما هو مسار العرقلة؟
عزت السلطات الانفجار الذي وقع في الرابع من آب (أغسطس) 2020، إلى تخزين كميات كبيرة من نيترات الأمونيوم من دون إجراءات وقاية. وتبيّن لاحقاً أن مسؤولين على مستويات عدة سياسية وأمنية وقضائية كانوا على دراية بمخاطر تخزين هذه المادة ولم يُحركوا ساكناً.

في شباط (فبراير)، نُحِي المحقق العدلي فادي صوان عن القضية إثر ادّعائه على مسؤولين سياسيين، وعُين البيطار خلفاً له.

ومنذ ادعائه على رئيس الحكومة السابق حسان دياب ووزراء سابقين، وطلبه ملاحقة مسؤولين وأمنيين، تنتقد قوى سياسية عدة مسار التحقيق الذي يقوده البيطار. 

وتوالت الدعاوى القضائية ضده مطالبة بكفّ يده عن القضية، تقدّم بمعظمها وزراء سابقون مُدّعى عليهم امتنعوا عن المثول أمامه في جلسات استجواب حددها لهم، وهم وزيرا الأشغال السابقان يوسف فنيانوس وغازي زعيتر، ووزير المالية السابق علي حسن خليل ووزير الداخلية السابق نهاد المشنوق. وأصدر البيطار مذكرتي توقيف بحق فنيانوس وخليل.

وشاركت جهات عدّة في عرقلة التحقيق. فامتنع البرلمان عن رفع الحصانة عن ثلاثة نواب من الوزراء السابقين المذكورين. وامتنع مسؤولون عن منح بيطار الإذن لاستجواب مسؤولين أمنيين تحت سلطتهم. وامتنعت قوى الأمن عن تنفيذ مذكرة التوقيف بحق خليل.

في تشرين الأول (أكتوبر)، انتقلت القضية من دوائر قصر العدل إلى الشارع، حيث تظاهر مناصرون لـ"حزب الله" وحليفته "حركة أمل" التي ينتمي إليها وزيران مدعى عليهما ويُشكلان رأس الحربة في الحملة على البيطار، تخللتها أعمال شغب وعنف ثم إطلاق نار أوقع سبعة قتلى.

ولم تجتمع الحكومة اللبنانية التي تشكلت في أيلول (سبتمبر) منذ منتصف تشرين الأول (أكتوبر)، جراء رفض وزراء "حزب الله" و"حركة أمل" عقد أي جلسة ما لم تكن مخصصة للبتّ بمصير البيطار، في بلد ينص دستوره على الفصل بين السلطات.

كيف يتصرّف القضاء؟ 
منذ تسلّمه التحقيق قبل نحو عام، لاحقت 18 دعوى البيطار، تم التقدّم بها أمام محاكم مختلفة، طالبت بكفّ يده ونقل القضية إلى قاض آخر، وأدت إلى تعليق التحقيق مرات عدّة، آخرها في 23 كانون الأول (ديسمبر) بعدما تقدّم خليل وزعيتر مجدداً أمام القضاء بطلب تنحية البيطار عن القضية.

وبعدما ردّت محاكم عدّة الدعاوى لأسباب مختلفة، وجد عدد من القضاة أنفسهم عرضة لدعاوى تقدم بها المسؤولون المدعى عليهم للتشكيك بصوابية قراراتهم.

ودخل التحقيق بذلك في متاهات قضائية، تعكس ضعف الجسم القضائي في لبنان ومدى قدرة السياسة على التدخل في عمله، ما لم يخدم توجهاتها.

وبداية الشهر الماضي، جرى تعليق التحقيق لأسابيع عدة، بعدما تسلّم قاض محسوب على الثنائي الشيعي إحدى الدعاوى المقدمة ضد البيطار.

وتباينت الآراء القانونية حول حقّ هذا القاضي بتسلم الدعوى أو عدمه، مع حديث البعض عن "سطو" على الملف، ليصار بعد أيام إلى كفّ يده عنها إثر شكوى قضائية ضدّه.

وفي لبنان، البلد القائم على المحاصصة السياسية والطائفية، لم يبق القضاء بمنأى عن المحسوبيات، إذ تتدخل السياسة حتى في التعيينات، خصوصاً في مجلس القضاء الأعلى، السلطة القضائية العليا.

ويرى خبراء قانونيون أن إغراق محاكم الاستئناف والتمييز في بيروت بالدعاوى ضد البيطار تهدف بالدرجة الأولى إلى دفعه للتنحي، خصوصاً أن أحداً من السياسيين المدعى عليهم أو الأمنيين الذين يريد ملاحقتهم لم يمثل أمامه.

ويقول قاض سابق إنّ "الجسم القضائي في لبنان مريض"، منتقداً بشدة "أداء بعض القضاة الذي ليس إلا صدى لأحزاب السلطة والقوى التي عينتهم في مناصبهم".

أي أفق ينتظر التّحقيق؟ 
يعكس مسار التحقيق في انفجار مرفأ بيروت وسلوك القوى السياسية والأمنية المعنية ثقافة "الإفلات من العقاب" التي لطالما طبعت المشهد العام في بلد يحفل تاريخه باغتيالات وانفجارات وملفات فساد، لم تتم يوماً محاسبة أي من المتورطين فيها.

وفي رسالة وجّهتها في 15 أيلول (سبتمبر)، دعت 145 جهة، من منظمات حقوقية لبنانية ودولية وناجين وعائلات الضحايا، مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة إلى إنشاء بعثة تحقيق دولية مستقلة ومحايدة. واعتبر الموقعون أنّ "تقاعُس التحقيق المحلي عن ضمان المحاسبة يُبيّن بوضوح ثقافة إفلات المسؤولين من العقاب التي طالما وُجدت في لبنان".

وكتب المدير التنفيذي للمفكرة القانونية المحامي نزار صاغية على "تويتر" قبل أسابيع: "يشاع أن كلاً يدعم القاضي الذي يتوافق حكمه مع رأيه السياسي، وتالياً المسألة سياسية والفوز للأقوى".

وأضاف: "الصحيح هو أن القوى الديموقراطية تدعم قضاة يعملون لتضييق نظام الإفلات من العقاب. والقوى التي ليست كذلك تدعم القضاة الذين يجدون للحفاظ على هذا النظام". 

وبينما لا يزال البيطار صامداً في وجه محاولات عرقلة عمله من أطراف عدّة، يقول مصدر قضائي إن "عرقلة التحقيق ستؤخر إصدار القرار الظني الذي كان متوقعاً أواخر العام الحالي، وهذا أمر خارج عن إرادة البيطار". 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم