إعلان

النواويس المجسّمة في المتحف الوطني: مجموعة نادرة من الرجال الممدين في نوم عميق

المصدر: النهار العربي
روزيت فاضل
النواويس المجسمة
النواويس المجسمة
A+ A-
في الطبقة السفلية من المتحف الوطني اللبناني في بيروت، عالم آخر يضج بماض عريق جداً. تجذبك نواويس مجسمة لوجوه من رخام "راقدة" في نوم عميق. في كتاب "المتحف الوطني" الذي أعدّته المديرة العامة للهيئة العامة للمتاحف وحافظة المتحف سابقاً أن ماري مايلا عفيش، تشير المعلومات الموثقة الى "واحد وثلاثين ناووساً مجسماً تشكل أكبر مجموعة من هذا النوع يملكها متحف في أيامنا".
 

يذكر المرجع نفسه القاعة المعروفة باسم "قاعة فورد"، حيث تم إبراز هذه السلسلة من "الرجال البيض الممدين" المكتشفة في مدفن فينيقي في منطقة صيدا، من خلال تلاعب ماهر بالزوايا والمرايا، فيبدو انعكاس النواويس وكأنه يتكرر إلى ما لا نهاية.

متى تم اكتشاف هذه النواويس؟ ذكر أنه "ظهرت بعدها في ضواحي مدينة صيدا الحالية مثل عين الحلوة وعلى عمق خمسة أمتار أحياناً تحت الأرض"، مشيراً إلى أن "مدافن تحتوي على نواويس أخرى منحوتة كانت مجموعة في قبور مشتركة أو في غرف مدفونة ومحفورة أحياناً بالصخر".

ولفت إلى أن "الاكتشافات الجديدة أتت بخاصة في الكرمان في صيدا في عام 2004 لتغني مجموعة المتحف الوطني"، مشيراً إلى أن "النواويس المجسمة صنعت في مشاغل صيدا بين القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد، وهي تحمل تأثيرات الفن اليوناني، بخاصة المنحوتات الأيونية من القرن الخامس قبل الميلاد كما النقوش الجنائزية الأتيكية".

الرّخام

خصص الكتاب جانباً منه لللتحاليل، التي أجريت على الرخام، وبينت أن جزيرة باروس هي مصدر هذه المادة، مشيراً إلى أنه "كانت أجران النواويس خالية من أي زخرفة منقوشة باستثناء في بعض الحالات مقايض موضوعة جانبياً".

وشدد على أنه "ليس الأمر نفسه بالنسبة إلى الأغطية التي نحتت عليها بدقة وجوه لنساء أو رجال جميعها تختلف عن بعضها بعضاً"، مشيراً إلى أن "الوجوه أحيطت بشعر مرتب بمهارة، خصلات منتفة أو مشردة، بدءاً من فرق جانبي أو وسطي، تغطي التسريحة أحياناً الأذنين وتحتفظ أحياناً بآثار طلاء، وتبرز نافرة العيون اللوزية الشكل بمعظمها".

وتوقف عند "النواويس التي كانت تحتوي على العديد من الأشياء والحلي عبارة عن ممتلكات شخصية للميت أو قرابين"، مشيراً إلى "أنها تخبرنا عن الفن والعادات الجنائزية لدى الفينيقيين عموماً والصيدونيين خصوصاً".

وذكر أن صناعة هذه النواويس هي في الأساس صيدونية، مشيراً إلى أن "المتاع الغني يتألف من حلقات فضية وذهبية وخواتم مرصعة أحياناً بحجارة نصف كريمة وأدوات مختلفة، وهو بشكل إما ممتلكات شخصية للميت وإما قرابين".

وخصص هذا القسم لمحة تاريخية معمقة عن تاريخ المجموعة المعروفة بمجموعة فورد، نسبة لاسم مدير المدرسة الأميركية في صيدا، الذي اكتشفها في بداية القرن العشرين، قبل أن تباع إلى جامعة شيكاغو عام 1924، مشيراً إلى أن "جورج فورد قام عام 1901 باكتشاف مذهل فيما كان يحفر أساسات مدرسة جديدة في عين الحلوة".

وجاء في الكتاب  أنه "وجدت في مدافن من عصر الحديد، وتحديداً في حقبة السيطرة الفارسية على فينيقيا، نواويس من الرخام الأبيض تمثل أشخاصاً أطلق عليها اسم النواويس المجسمة".
وذكر أنه "في عام 1924، أصدر الجنرال ويغان، المفوض السامي للجمهورية الفرنسية في سوريا ولبنان مرسوماً يقضي بأن يدفع المتحف الوطني تعويضاً إذا رغب في اقتناء مجموعة السيد فورد، فيما تواصل هذا الأخير أيضاً مع جون دب روكفيلر الابن، الذي كان قد عرض عليه شراء مجموعته مقابل 25 ألف دولار أميركي ليهبها إلى جامعة شيكاغو، وإضافة إلى الخمسة والعشرين ناووساً مجسماً تضمنت مجموعة فورد تاج عمود على شكل رأس ثور وأجزاء لقاعدة عمود".

كيف انتهت الأمور؟ بعد رفض دولة لبنان الكبير التخلي عن المجموعة، احتدم الجدال، وفقاً للكتاب نفسه، "حين طالب كل من الفريقين بشراء القسم مع تاج العمود إلى أن تدخل في عام 1929 الأمير موريس شهاب حافظ المتحف آنذاك، من خلال لجنة خبراء لإبقاء مجموعة النواويس المجسمة في لبنان، مشيراً إلى "أهميتها العلمية كونها تشهد على التغلغل التدريجي للتأثير اليوناني (...) الذي يسبق بقرنين وصول الإسكندر الكبير، إضافة إلى أهميتها الفنية، التي تتميز بنمط محلي مع تبني الأسلوب اليوناني...".
بعد جهود جبارة من شهاب، صادق مجلس الوزراء في 24 حزيران 1929، على قرار اللجنة محظراً بيع نواويس مجموعة فوردو وتصديرها إلى متحف آخر...

Twitter:@rosettefadel


الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم